إيران بحاجة للخليج أكثر من تحالف الشرق (AI)
تجد إيران نفسها اليوم، ومعها التوازن الدولي الهش، أمام منعطف تاريخي غير مسبوق يفرض عليها مراجعة جذرية ومؤلمة لأكثر عقائدها السياسية استقرارًا في العقد الأخير: استراتيجية "التوجه شرقًا".
فبعد أسابيع من الصدام العسكري المباشر الذي وضع المنطقة على حافة الانفجار، لم تعد طهران تواجه مجرد تحدٍ أمني، وإنما استحقاقًا وجوديًا للإجابة عن معضلة الحليف والخصم، وقد كشفت نيران المواجهة الفجوة الواسعة بين بريق التكتلات الشرقية؛ "بريكس" و"شنجهاي"، وبين الواقع الدفاعي المرير الذي ترك طهران وحيدة في مهب العاصفة.
وفي خضم هذا الانكشاف الاستراتيجي، بدأت ملامح استدارة إيرانية نحو المحيط الخليجي، تمزج بين دبلوماسية "الكونسورتيوم النووي" وبين التلويح الخشن بورقة مضيق هرمز لضرب الهيمنة المالية الدولية، في محاولة معقدة لإعادة تموضعها كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه بعد أن أدركت حدود "السند الشرقي".وأمام هذا المشهد المربك، تفرض الضرورة طرح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل خذل الشرق إيران في الحرب ولماذا تفتح طهران باب الخليج الآن؟
إيران وبريكس.. كيف انكشف التحالف الشرقي استراتيجيًا؟
لقد راهنت طهران طويلًا على أن انضمامها إلى منظمة شنجهاي للتعاون ومجموعة "بريكس" سيخرجها من دائرة الاستفراد الغربي، لكن اندلاع الحرب كشف عن هشاشة هذا الرهان في شقه الأمني والدفاعي.
إذ لم تصدر مجموعة "بريكس" أي استجابة جماعية فورية أو بيان موحد يدين بدء العمليات العسكرية ضد أحد أعضائها، وتُركت كل دولة لتحدد موقفها الفردي، في تجسيد واضح لغياب العقيدة الدفاعية المشتركة.

هذا التفكك المؤسسي يتطابق مع تقييمات استراتيجية تؤكد أن إيران تواجه قيودًا خطيرة في تعزيز أهدافها الأمنية عبر التكتلين.
وقد خلصت ورقة بحثية أعدها "معهد واشنطن" إلى أن موسكو وبكين لا تزالان مترددتين في الاستثمار العميق في حماية إيران، وأن واشنطن تعمل جاهدة لضمان بقاء هذا التردد، الذي يعززه إصرار الصين والهند على إبقاء "بريكس" مظلة اقتصادية، وأن الاتفاقيات الاستراتيجية التي وقعتها طهران مع موسكو وبكين خلت تمامًا من أي بند ملزم بالدفاع المتبادل.
كما أن الصين، الشريك الاقتصادي الأكبر، واصلت سياسة "المنفعة عن بُعد". ورغم الاستفادة الهائلة من النفط الإيراني الرخيص، تجنبت بكين التورط في أي تسليح استراتيجي من شأنه تغيير قواعد اللعبة أو استفزاز واشنطن بشكل مباشر.
صحيح أن تقارير استخباراتية إبان ضربات 28 فبراير الماضي رصدت ما عُرف بـ"حرب الإحداثيات"، حيث مدت موسكو وبكين طهران بجسور جوية لوجستية وبيانات أقمار صناعية؛ إلا أن الاستراتيجيين في طهران أدركوا أن هذا الدعم لم يكن بهدف "حماية إيران" أو كسر الحصار عنها، بقدر ما كان "دعمًا لاستنزاف أمريكا" وإطالة أمد تورطها في الشرق الأوسط.
لقد كان دعمًا يبقي طهران واقفة لتتلقى الضربات، لا ليردع الضارب.
اقرأ أيضًا: بعد تصريح عراقجي.. كيف تدير الصين وروسيا "حرب الإحداثيات" لإنقاذ إيران؟
وتؤكد تحليلات "معهد بروكينجز" ومعهد "أطلس" في أوج أزمة 2026، أن الصين تطبق سياسة "الحياد الاستراتيجي الخطابي"، إذ تعتبر أن فقدان إمدادات النفط الإيرانية -رغم أهميتها- يمكن تعويضه، في حين أن أي اصطفاف عسكري مع طهران قد يهدد علاقات بكين التجارية الحيوية مع الغرب؛ بل إن انهيار النظام الإيراني نفسه يُعد أمرًا "يمكن إدارته" بالنسبة لبكين.
وحتى في ذروة الحرب، ظلت شبكات الدفاع الجوي الإيرانية، المعتمدة جزئيًا على تقنيات شرقية، مكشوفة أمام النيران المتقدمة، ما رسخ قناعة داخلية بأن "التوجه شرقًا" فشل في لحظة الاختبار الحقيقية.

روشتة إيرانية للمعضلة الشرقية
هذا الانكشاف الاستراتيجي لم يمر دون نقاش حاد داخل النخبة الإيرانية، وهو ما يعبّر عنه بصراحة غير مسبوقة السفير الإيراني الأسبق، أفشار سليماني، في تصريحات خاصة لمصراوي.
يضع سليماني دول المحور الشرقي أمام مسؤولياتها بوضوح صارم، مؤكدًا أن إيران والنظام الدولي أمام منعطف تاريخي؛ وإما أن تقف دول الصين وروسيا وأعضاء "بريكس" ومنظمة شنجهاي للتعاون إلى جانب إيران لتخليصها وتخليص أنفسهم من الحصار والهيمنة الأمريكية وتوجيه النظام الدولي نحو التعددية القطبية، أو القبول باستمرار النظام المهيمن أحادي القطب.
ولا يكتفي الدبلوماسي المخضرم بالوصف الأكاديمي، بل يطالب طهران بخطوات عملية فورية، داعيًا إياها إلى التفاوض بشفافية مع هذه القوى، وأيضًا مع تركيا، ومطالبتها بكسر الحصار الأمريكي من خلال تقديم المساعدات الضرورية، لا سيما في مجال معيشة الشعب.
ويقترح سليماني تفعيل ذلك بنقل المواد الأساسية عبر مسارات برية-بحرية مشتركة بديلة عن المحيط الهندي وبحر عُمان والخليج، على أن تتحمل تلك الدول تكاليف السلع المستلمة من جميع المصادر الحكومية في الخليج، لكي تعود عواقب "الخدعة الأمريكية" على الولايات المتحدة وحلفائها في وقت قصير، ما يضعهم تحت ضغط شعوبهم ويجبرهم على التراجع، خاصة مع تراجع احتمالية تكرار العدوان العسكري الأمريكي.
لكن الرسالة الأهم والأكثر خطورة في قراءة سليماني تكمن في تحذيره الصريح للمحور الشرقي.
إذ يؤكد أنه في حال لم يتحقق ذلك، يجب على إيران أن تبذل أقصى جهودها للتوصل إلى نتيجة على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، ومن ثم "تصفية الحسابات" مع الدول التي لم تقف إلى جانبها.
وهذا التصريح يمثل إقرارًا نادرًا وصادمًا من شخصية دبلوماسية وازنة بأن "التوجه شرقًا" يبدو أنه يفقد بريقه، وأن طهران قد تكون مستعدة للانقلاب على حلفائها المتخاذلين إذا وجدت مخرجًا أمريكيًا.

نموذج جديد لاحتواء أمريكا وكسر هيمنتها
أمام محدودية الحماية العسكرية الفاعلة من الشرق، لجأت طهران إلى تفعيل ورقة استراتيجية تجمع بين الجغرافيا الخانقة والهندسة المالية.
ويرى السفير سليماني أن اللحظة الحالية توفر فرصة ذهبية لاحتواء أمريكا وتأسيس نظام دولي جديد. ووفقًا لرؤيته، فإن السياسات التي اتبعها ترامب واليمين الراديكالي الجمهوري أدت إلى تعطيل النظام الدولي القائم، وخلق توترات مع الاتحاد الأوروبي والناتو والشرق الأوسط.
وهذه التصدعات تمثل فرصة لجميع الدول لوضع الخلافات الأيديولوجية جانبًا والاتفاق حصريًا على احتواء أمريكا وإضعاف هيمنتها.
ورقة هرمز وضرب "البترودولار"
ويطرح سليماني آليات محددة لذلك، تشمل دمج وتوسيع منظمتي "بريكس" و"شنجهاي"، وتعزيز موقف إيران في مضيق هرمز.
والأهم من ذلك، استبدال "البترودولار" بعملات مثل "البترويوان" و"البترويورو" و"البتروربل" و"البتروريال" في تجارة الطاقة والسلع والنقل والتأمين، بهدف استبعاد الإمبريالية الأمريكية والصهيونية الدولية من دورة التجارة العالمية قدر الإمكان، مؤكدًا أن الإرادة الحقيقية كفيلة بتحقيق هذه الوحدة بمرور الوقت.
تتقاطع هذه القراءة الجريئة مع تقديرات المؤسسات الغربية والأحداث الميدانية في مارس 2026. إذ تؤكد تقارير دولية أن إرساء وقف إطلاق النار أو رفع بعض العقوبات النفطية لا يعيد الاستقرار فورًا إلى مضيق هرمز، لأن طهران باتت تستخدم أزمة الملاحة والطاقة لإجبار العالم على إعادة التفاوض وفق شروط مالية وجيوسياسية جديدة تبتعد عن سطوة الدولار، وتحول مضيق هرمز من مجرد مسطح مائي إلى جبهة اشتباك مالي تضغط على واشنطن وحلفائها.

هل سقوط العالم أحادي القطب "ممكن"؟
يمتد التفكير الاستراتيجي الإيراني، كما يصوغه سليماني، إلى تصور أوسع لإعادة هندسة التحالفات الدولية. فهو يطرح نموذجًا براجماتيًا يستحق التأمل العميق، يقترح فيه أنه إذا تمكنت روسيا والاتحاد الأوروبي من تنحية خلافاتهما والمخاوف الأمنية المتبادلة، والتقارب عبر الانسحاب من حلف الناتو والتخلي عن الولايات المتحدة، فإنهما سيتمكنان من خلق عقبات ضخمة أمام الدور الأمريكي في العالم.
وهذا التقارب الروسي-الأوروبي، وفق الطرح الإيراني، سيتخذ شكل اتحاد عسكري وسياسي واقتصادي جديد يتعاون بفعالية مع الصين وإيران ودول أخرى.
وفي ظل هذا السيناريو، ستنتهي الحرب بين روسيا وأوكرانيا تلقائيًا، كما يقول، حيث ستصبح أوكرانيا عضوًا في الاتحاد الجديد إلى جانب روسيا، وستنسحب موسكو من الأراضي الأوكرانية المحتلة، لتزول المخاوف الأمنية المتبادلة ويُعاد إحياء وحدة الشعوب السلافية.
لكن هذه الرؤية المتفائلة جدًا، تصطدم في الحقيقة فإنها بواقعية سياسية مغايرة، تتحدث عنها كبرى المعاهد، حين تشير إلى أن الطريق إلى هذه "اليوتوبيا متعددة الأقطاب" لا يزال مسدودًا بتوازنات القوة الصلبة، وأن إيران قد تجد نفسها مضطرة لتقديم تنازلات مؤلمة قبل أن ينهار النظام الأمريكي.
كونسورتيوم نووي خليجي لإنقاذ إيران
يدفع هذا التأرجح بين طموحات إسقاط النظام العالمي وواقعية الخذلان الشرقي صانع القرار الإيراني إلى إدراك حقيقة جغرافية صارمة: يستحيل على طهران النجاة من حصار واشنطن وتراخي موسكو وبكين دون تبريد الجبهة الإقليمية وخلق مصالح حيوية متشابكة مع جيرانها العرب في الخليج.
هنا تكتمل الصورة عبر مقترح إيراني استثنائي بإنشاء "كونسورتيوم" (تحالف شراكة) لتخصيب اليورانيوم بمشاركة الولايات المتحدة ودول عربية خليجية، كجزء من ترتيبات شاملة للرقابة وبناء الثقة، والذي يُمثل تحولًا جذريًا في استراتيجية الأمن القومي الإيراني؛ فاستيعاب دول الخليج داخل بنية البرنامج النووي باعتبارهم شركاء فاعلين في كونسورتيوم إقليمي وبتمويل عربي، يعني أن طهران باتت تنظر إلى الشراكة الخليجية كضمانة أمنية وسياسية تمنع الغرب من الاستفراد بها.
وتوثق دراسات مركز "كارنيجي" ومنصة "أوراسيا" للتحليلات الإقليمية أن هذا المقترح الجريء، والذي تعود إرهاصاته الأولى لمنتصف عام 2025 كحيلة دبلوماسية، قد أُعيد إحياؤه بقوة في جولات مفاوضات جنيف وإسلام آباد (أبريل 2026) ليُطرح كبديل حقيقي لتفكيك البرنامج تحت وطأة الحرب؛ وهي محاولة ذكية لتحويل المشروع النووي من مصدر قلق وتهديد للجوار، إلى منصة للتعاون وخلق "درع سياسية إقليمية" تعيق أي ضربات مستقبلية.
لكن هذه المرونة تقف عند خطوط حمراء لا تقبل المساومة؛ إذ شددت الدبلوماسية الإيرانية مرارًا على رفضها القاطع لوقف التخصيب بالكامل، أو السماح بنقل مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى خارج حدودها.
إنها، باختصار، سياسة تفاوضية تديرها طهران على حافة الهاوية؛ فهي تعرض الشراكة وتطرق أبواب الخليج، لكنها في الوقت ذاته تحتفظ بمفاتيح القوة النووية الكامنة في يدها وحدها.
وفي انتظار أن ينجلي غبار الحرب عن نظام دولي جديد أو تسوية مؤلمة، تثبت الوقائع أن إيران - التي جرحتها المعارك واكتشفت السقف المنخفض لوعود الشرق - قررت الدفاع عن بقائها باستخدام أوراق الجغرافيا القريبة.
وهكذا، تتحول مياه الخليج ومضيق هرمز من مجرد مسطحات مائية، إلى الساحة الأهم لرسم ملامح مستقبلها السياسي والاقتصادي.
اقرأ أيضًا: خاص لـ"مصراوي"| دبلوماسي إيراني: اقترحنا كونسورتيوم نووي مع الخليج

درس السيادة في قبضة البراجماتية الجغرافية
تفرض دروس الصراع الأخير على صانع القرار في طهران يقينًا جديدًا بأن المظلات الدولية البعيدة تتبخر عند أول مواجهة حقيقية، بينما تمثل العودة إلى العمق الخليجي والتلويح الخشن بورقة الطاقة في مضيق هرمز المخرج العملي الوحيد لكسر طوق العزلة وتجاوز حالة الانكشاف الاستراتيجي.
لقد انتهى زمن المراهنة الكاملة على "الشرق"، وبدأ عصر "البراجماتية الإقليمية" حيث تصبح المصالح المتبادلة مع الجيران هي الضمانة الوحيدة للبقاء، بعيدًا عن حسابات القوى الكبرى التي أثبتت الأيام تفضيلها الدائم لدور المتفرج في اللحظات الحاسمة.