«مذكرات سنكوح».. على هامش الحياة
تُقدِّم «مذكرات سنكوح» (المصري للنشر والتوزيع، 2026) صورة مقربة لنماذج بشرية من أولئك الذين وقفوا على هامش الحياة، يرقبونها من بعيد، يسخرون منها حينًا، ويشتكون منها حينًا آخر. والسنكوح عادة مثال على الفقر، في الملبس والمأكل وطريقة العيش، والتحايل لكسب الرزق بطرق شديدة الالتفاف والاعوجاج والمهارة أيضا. إنه يشبه بصورة ما الطفيلي، الذي يذهب إلى المجالس والولائم من دون أن يُدعى إليها، ويستفيد من ضيافة الآخرين له.
وكلمة «سنكوح»، من الألفاظ العامية التي تُستخدم في اللهجة المصرية وبعض اللهجات العربية الأخرى، وتختلف معانيها حسب السياق، لكن في الغالب تحمل دلالة سلبية أو ساخرة.
في تقديمه للمذكرات التي كتبها محمد إبراهيم حسين وحققها عمرو شقرة، يقول الربيع الغزالي عضو نقابة الصحفيين:
«إن «مذكرات سنكوح»، إذا تغاضينا عن اسمها، وتغاضينا عن الأسماء العامية التي لا يكمل جمالها في الحقيقة إلا بها، تُعد في عالم الكتابة نوعا طريفا لذيذا من الأدب اللاذع الذي يصور بعض صور الفقر في هذا البلد، ويكسوها من مشاعر أصحابها ووجدانهم ما يجعلها شريطا سينمائيا يعرض لبعض نواحي الحياة في مصر بلغة التصوير الساخر الذي يدعو إلى الإصلاح. لكم تمنيت -وأنا أقرأ هذه الطائفة من مذكرات «سنكوح»- أن تمتد كل أقصوصة من أقاصيصها لتبلغ كتابا كاملا، وأن تطول المذكرات نفسها لتبلغ مجلدات.
إن مثل هذا اللون من الكتابة شائق إلى حد بعيد، ومغر بمتابعته إلى حد بعيد.. ألا ليت كل «سنكوح» في مصر يكتب قصته بمثل هذه اللغة التي كتب بها مذكراته حضرة الأخ محمد إبراهيم حسين أفندي».
لكي نرسم ملامح شخصية صاحب المذكرات، دعونا نترك له هذه المهمة؛ إذ يقول:
«مضت أعوام لا أذكر مرة خلالها أن شلنا بأكمله قد اكتمل لدي، حتى لقد نسيت شكل هذا اللون من أنواع القطع الفضية والورقية، عدا «نصف الفرنك» طبعا، وكنت أسعى للعمل حينًا وحينًا «أبلّط»، فلا أنتقل من المنزل إلا للنزهة في قصر النيل والعودة إلى المنزل بعد عقد ما تيسر من القروض لا ترد».
ويصف حاله مع أصدقائه فيقول:
«وذات أسبوع قضينا ليلة الأربعاء، ثم ليلة الخميس، ثم نصف ليلة الجمعة، ونحن على الحميد المجيد لا نجد ما نأكله غير «بعضنا»، وبعضنا لا يؤكل لحمه طبعا، ولا نجد ما نشربه إلا الدموع وأعقاب السجاير التي تكفل بجمعها طالب الحقوق الوجيه «الخيبان». أما أين كنا ننام، فعلم ذلك عند خفراء الأدبخانات العمومية وخدمة المساجد وعساكر الدورية أولاد الحلال الطيبين».
ويروي ضمن مغامراته أنه ذهب ذات مرة مع صديقين له بحثا عن حل للجوع والفقر «ووصلنا إلى قرافة المجاورين مع أذان الفجر، فدخلناها دخول الفاتحين، ولكن كم كان عجبنا حين وجدنا أن أكثر من مئة «فِقي» كانوا هم السابقين ونحن اللاحقين.. على أن ورود الزبائن عقب ذلك شغلنا عن التفكير في ذلك، وانطلقنا نحن الثلاثة الفقهاء -المضحكين شكلا فقط- نستقبل الرحمة، ونعرض على الزائرات قراءة «الختمة» كلها جماعة في نظير فطيرة وقليل من التمر والبرتقال، مع ما فيه القسمة من الملاليم».
في موضع آخر نطالع:
«كنت أقول لنفسي: لو أسعدني الحظ يوما، فأصبحت تاجرا، إذن لعرفت كيف أنجح في الحياة. ولم أكن أقول ذلك لغير ما سبب، فقد كان نجاح أغنياء الحرب شيئا عجبا، وكان نجاح زميل قديم لي في التجارة أيضا مما بعثني على هذا القول، بل هذا التمني».
يحكي في مذكراته أن صديقه سعيد أفندي الملا جاءه يوما يبشره بالعثور له على فرصة للعمل مدرسا للغة العربية في مدرسة أهلية، صاحبها رغم كبر سنه متزوج من فتاة حسناء في إدارة المدرسة. الراتب مغر (سبعة جنيهات شهريا)، «وكانت العقبة في سبيلي هي إيجاد الملابس التي أظهر بها أمام صاحب تلك المدرسة حتى يقبل استخدامي».
يتابع صاحب المذكرات:
«وأخذت أنا وصديقي نقلب وجوه الرأي حتى استقر على فتح اكتتاب بمبلغ 50 قرشا -كدفعة أولى- لأشتري بدلة وحذاء وطربوشا. أما القميص، فقد كان أمره هينا؛ إذ اقترح صديقي أن أضم أطراف الجاكتة جيدا، فلا يظهر منه إلا القليل، وهكذا اجتمع لدي آخر النهار بدلة من أحدث ما أخرجت مصانع سوق الكانتو، وطربوش لعل صاحبه توفي قبل أن يتم به العام، وحذاء يعلم الله وحده كم قدما داست فيه منذ أن أخرجته يد الصانع حتى وصل إلي».
في صباح اليوم التالي، ذهب السنكوح مع صديقه لمقابلة الناظر، ودخلت الزوجة فشاركت في الحديث. «وفيما نحن كذلك إذ بالمرأة تصرخ فزعة وهي تشير إلى ياقة جاكتتي، فنظرت فزعا، بينما قفزت هي وزوجها وهما يحملقان في الموضع الذي أشارت إليه الزوجة الملعونة. ونظرت أنا، فإذا بجيش من «الأكلان» يتخذ من تحت الياقة معسكرا. لعله لإجراء التمرينات الرياضية التي تعاونه على «اللدع والقرص».
«وقالت الزوجة: حذار أن تنفضه هنا من فضلك يا أستاذ. اذهب إلى الخارج. وشعرت كأن الأرض تميد تحت قدمي، ووجدت في الخروج خير فرصة لمداراة خجلي. وقبل أن أعود، وقف الناظر على الباب وقال:
طيب.. نخلي مسألة دي دلوقت لما أبعت لك مع سعيد أفندي».
في فصل بعنوان «عديم الفكة» يقول مؤلف المذكرات:
«أما أنا العبد لله، فأتى عليه حين من الدهر لم يكن على ظهر الدنيا من هو أشد منه «سنكحة»، ولا من يفوقه في «البهدلة» الأصلي والفقر «الدكر»، فهذا ما لا يختلف فيه جحشان ولا ينتطح فيه عنزان.
وأما الفلوس التي خاصمتني -وأنا حيران في أمر الخصام- ضربها الدم ذات يوم، أو «هفها» الشوق بعبارة أخرى.. فجاءت لزيارة حبيبي طائعة مختارة، ثم قامت أياما تنفيذا لحكم الله!... ولكن الذي لا يدخل عقل إنسان، ويشك فيه الأطفال الرضع ونزلاء «السرايا الصفراء»، فهو أن هذه الفلوس «النوس كوالنوس»، لم تكن إقامتها في جيبي إلا دقائق وبضع ثوان».
ومما نقرأ في المذكرات تحت عنوان «الإمبراطور الغلبان»:
«خمس سنين أو أكثر، وأنا لا أرى خلقة صديقي وزميلي في السنكحة عبد الحكيم، وبحثت عنه بالنظارة المعظمة في كل مكان... وأخيرا ظهر «ابن الإيه» بعدما «دخت» في البحث عنه. وكان ظهوره لأول مرة على حائط إحدى العمارات، وليس هو كما عسى أن يتبادر إلى الأذهان «فاعل» من الذين يشتغلون في البناء ويأكلون لقمة العيش بالنط على «السقايل»، ولا هو -لا سمح الله- بومة تتعشش على الجدران، أو «حاجة تطلع على الحيط.
والأمر وما فيه أن «ابن الإيه» استطاع بفضل سنكحته و«تلامته» التي يعرفها الجميع، أن يحشر نفسه في زمرة الممثلين، بل أن يصبح بينهم بطلا يشار إليه بالبنان، ويكتب اسمه في كل مكان على الحيطان».
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع