للسعادة مؤشر وحديث شريف
صدرت قبل أيام أحدث نسخة من مؤشر السعادة السنوي، وليس سراً أن شبكة الحلول المستدامة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة هي التي تتولى إصدار النسخ الجديدة من المؤشر عاماً بعد عام، وما تعلنه يظل مستنداً إلى بيانات معهد جالوب الشهير، الذي يُعتبر المعهد الأشهر تقريباً على مستوى العالم في قياسات الرأي العام.
وليس سراً أيضاً أن كثيرين ينتظرون النسخة الأحدث من المؤشر في مثل هذا الموعد من كل سنة، ويتطلعون إلى التعرف على مواقع مختلف الدول فيها، من حيث مستوى السعادة المتحققة للمواطنين في كل بلد، بل وللمقيمين كذلك، لأنه ليس من المتصور أن يكون المواطن سعيداً في بلده، ثم يكون المقيم أو الوافد غير سعيد.. عملياً غير ممكن.. إذ يكفي أن الاثنين يتنفسان الهواء نفسه، ويستظلان بالسماء نفسها، ويعيشان على الأرض ذاتها.. وهكذا.. وهكذا.. إلى آخره.
والمؤشر يضع معايير يتم القياس على أساسها طبعاً، ولا يؤخذ الأمر عشوائياً أو دون مقاييس، وإنما هي معايير ثابتة ومقاييس مستقرة، ومنها على سبيل المثال نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي، ومستوى الدعم الاجتماعي الذي يتلقاه في بلده، ومتوسط العمر، ومع ذلك كله معايير أخرى يقاس بها مستوى السعادة، وعلى أساسها يكون هذا البلد أسعد من سواه، أو يكون ذاك البلد أقل سعادة مما تعرفه البلاد الأخرى.
ويمكنك أن تلخص المعايير كلها في جملة من ثلاث كلمات هي: مستوى جودة الحياة. فكلما صعدت هذه الجودة فإن موقع الدولة يتقدم في المؤشر، والعكس صحيح على طول الخط، ولا يمكن أن يقال عن دولة من الدول إن لها موقعاً متقدماً في المؤشر بغير أن يكون مواطنوها ومقيموها يشعرون بمستوى أعلى من الجودة في حياتهم قياساً على سواهم في الدول الأخرى.
وفي المؤشر جاءت الإمارات في الموقع الأول عربياً، وفي الموقع الحادي والعشرين عالمياً، ولا بد أن وجودها في هذين الموقعين هنا وفي العالم لم يتأسس على فراغ، ولم ينشأ من لا شيء، ولكنه قام على أساس يستطيع كل متابع أن يشهد بوجوده كحقيقة ماثلة.
هذا الأساس هو أن الإمارات جاء عليها وقت كانت فيه أول دولة عربية تستحدث وزارة للسعادة في حكومتها، وكان وجود هذه الوزارة في الحكومة الإماراتية وقتها، إشارة إلى أن موضوع السعادة يشغل الحكومة بصرف النظر عن وجود الدولة في قائمة المؤشر أو عدم وجودها.
وإذا لم تكن الوزارة موجودة في الحكومة الحالية، فالفكرة وراءها بقيت موجودة، والهدف من وراء التفكير عاش حياً. كان الهدف أن كل إنسان موجود على أرض الإمارات من حقه أن يكون سعيداً في حياته، ومن واجب الحكومة في الدولة أن تسعى إلى تحقيق ذلك له بالعمل على رفع مستوى الجودة في حياته باستمرار. وقد كانت هذه المعادلة ذات الطرفين بمثابة العقد غير المكتوب بين الطرفين، وكان من الطبيعي أن تكون الحصيلة مرئية في مؤشر السعادة سنة بعد سنة، وأن تحل الإمارات ضيفاً على المؤشر مرات لا مرة واحدة.
وحين نتأمل القضية أكثر، يتبين لنا أن السعادة أسلوب في التفكير، وبرنامج عمل في الحياة، وطريقة في السلوك العام والخاص.
وقد تعددت تعريفات السعادة وتوصيفاتها، إلى أن صارت تقريباً بعدد الذين حاولوا التعريف والتوصيف، ومن ناحيتي فإنني أجد معناها في الحديث النبوي الشريف الذي يقول: من بات آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها.
هذا حديث جامع شامل، لأنه يجعل السعادة في الإحساس بالأمن أولاً، وفي سلامة البدن من المرض ثانياً، وفي امتلاك ما يكفي يوم واحد من الطعام ثالثاً. وهكذا، فهي ثلاثية للسعادة أظن أن معايير مؤشر السعادة العالمي ليست بعيدة عنها.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع