لا تثق في الصمت!
تُقدِّم الروائية رنا محمد حسان في روايتها الثانية الصادرة باللغة الإنجليزية بعنوان Don't Trust The Silence تجربة إنسانية مليئة بالتفاصيل والمفارقات.
يستوقفنا الإهداء في رواية "لا تثق في الصمت" التي تنتمي إلى أدب التشويق والجريمة النفسية؛ إذ نقرأ:
"إهداء إلى مُحاربي الصرع الذين ينهضون بعد كل سقوط. شجاعتكم تُلهِم أكثر مما تتصورون".
لا تهدر الروائية وقتا، حيث نقرأ في المقدمة:
"ينهشني الذعر.
أقاوم وأتلوى وأركل، لكن ما يحدث يزداد شدة. رئتاي تحترقان شوقا للهواء. أحاول مناداتها، لكن الماء يندفع إلى فمي، يخنق صوتي.
أغرق أكثر. لا تجد قدماي البلاط، ولا تعثر يداي على السلم. أتخبط، وأحاول الوصول إلى السطح، في حين تبدأ رؤيتي بالتشوش. أتوسل إليها أن تنقذني، أو أتوسل إليه، أو أي شخص.
لكن لا أحد يأتي.
يمتلئ حلقي بالماء.
وبينما يشتد البرد، يزحف الظلام فوقي.
كل شيء يتلاشى" (ص 9).
يبدأ الجزء الأول من الرواية التي تقع في 379 صفحة، بمقولة منسوبة إلى سيغموند فرويد: "المشاعر غير المعبر عنها لن تموت أبدا. إنها تدفن حية وستظهر لاحقا بطرق أبشع" (ص 10). هذه المقولة تؤكد أن المشاعر المكبوتة، مثل الغضب أو الحزن أو الخوف، لا تختفي، بل تتفاقم وتطفو على السطح بشكل مدمر، وغالبا ما تسبب ضائقة نفسية أو جسدية.
في جو من التشويق، تقودنا رنا محمد حسان إلى عالم مشوه وحياة يكتنفها الغموض لبطل الرواية، وسط محاولات للبحث والتحري لكشف حقيقة مقتل زوجته.
ففي ذكرى زواجهما الثالثة، تقتل زوجة برايان تشادويك. يعتقد الجميع في فيرنالتون أنه القاتل. تبدو الأدلة دامغة، ومصيره محسوم.
لا تستطيع جدران السجن احتواء عقله المضطرب. بعد نوبات غضب عنيفة، ينقل برايان إلى مستشفى وينسلو للأمراض النفسية. تغوص الروائية في أعماق إنسانية فريدة لبطلها، الذي تبين إصابته بأعراض الصرع، حيث تتشكل ملامح حياته ويرتبط مصيره بمساحات من المعاناة بين الطب النفسي والقانون الجنائي.
ينعزل برايان عن الجميع، إلى أن تدخل فاليري بليك غرفته رقم 205 بطريق المصادفة.
بالنسبة لبرايان، فاليري ليست فاليري على الإطلاق، بل هي آشلي، زوجته. وهذا الوهم ليس إلا البداية.
بينما تحاول فاليري فهم إدراكه المشوه، تبرز أسئلة مقلقة: هل ارتكب برايان الجريمة حقا؟ أم أن هناك ما هو أكثر من ذلك مما يدركه الجميع؟
يلوح بصيص نور وأمل على يد فاليري، ابنة الطبيبة التي تعالج البطل، بعد أن آمنت بمعاناته، وساندته وسط عالم يموج بالمخاوف والتحديات، حتى تتكشف الحقيقة وتتلاقى خيوط الغموض وسط سلسلة من المفاجآت.
في تجربة سردية تنبني على التوتر العميق بين الكينونة والغياب، تنطلق الروائية نحو البحث عن شكل تعبيري يواكب قلق الذات وتحولاتها في فضاء لا يمنحها يقينا. في هذا السياق، تظهر اللغة بوصفها مجالا للمساءلة، حيث تسعى الذات إلى التقاط أثر وجودها في عالم يبدو هشا ومفتقرا إلى معنى مستقر.
وتعمل رنا حسان على صياغة لغتها في أفق مزدوج: تجاوز البنية الشكلية الموروثة، ومساءلة المعنى من موقع التوتر والارتياب. تستخدم الجمل القصيرة والمعاني المكثفة، فتبدو الرواية كأنها تعيش على الحافة، غير معنية بالتناغم أو الاكتمال.
تتحدث الروائية ببراعة عن رجل مصدوم، مثقل بأوهامه، مسكون بالقلق، يواجه العدم بوصفه مكونا وجوديا ينهش الروح.
وتتقن رنا الرصد والوصف؛ إذ تقول في الفصل (23) الذي حمل عنوان "لم شمل غريب":
"يحدق بي بعينين عابستين، تتنقل نظراته على وجهي كأنه يبحث عن شيء مألوف. يميل رأسه قليلا، وتنفرج شفتاه كأنه على وشك الكلام، لكن الكلمات تعجز عن النطق. تتشكل تجعيدة بين حاجبيه في حين تتجول عيناه في المكان، محاولا استيعاب ما يدور حوله" (ص 137).
تتشكل في الرواية ملامح صراع بين الحواس والذاكرة والانفعال، لتمنح التجربة قوتها وتوهجها المعرفي.
وفي الأنفاق السحيقة للألم، حيث تتجشم الذات عبء المسير بحثا عن بصيرة تتجاوز الإدراك الحسي أو الروحي، تنفتح الرواية على علامات محتملة للنجاة، لكنها لا تقدم كحقائق، بل كاحتمالات أمام الانجراف نحو العدم.
في الفصل (14) "شعاع من النور"، نقرأ:
""فيفي!"
انطلق صوتها المرح من خلفي في حين كنت على وشك قرع جرس بابها. استدرت، وتلاقت أعيننا. كانت ترتدي معطفا أبيض طويلا فوق فستان أخضر فاتح، مع حجاب بيج ونظارة شمسية. بدت رائعة الجمال" (ص 79).
وفي الفصل (24) "عالق":
"أسير نحو النافذة، وأزيح الستائر جانبا في حين تتسلل أشعة الشمس، دافعة بدفئها إلى بشرتي. أشق طريقي إلى الردهة، يغمرني الحماس وأنا أمر بغرفة زاك، ولكن ما إن تقع عيناي على بابه المفتوح والفراغ الذي بداخله، حتى يتبدد كل شيء" (ص 45).
وفي الفصل (44) "شك":
"انتهت المهمة.
أخيرا خرجت من منزل تشادويك إلى الشارع الهادئ بعد أن أعدت بعناية الأغراض التي أخذتها فاليري في ذلك اليوم. لامست نسمة الصباح الباردة بشرتي. كان الحي هادئا في هذه الساعة، يلفه سكون لطيف. كانت الشوارع شبه خالية، إلا أن بعض الجيران كانوا يجلسون على شرفاتهم، يحتسون القهوة ويرمقونني بنظرات فضولية، وكأنهم ينتظرون مني أن أكشف عن مفاجأة جديدة في القضية التي يتحدثون عنها همسا" (ص 275).
وفي الفصل (52) "اعتراف":
"يواصل فيكتور الحديث، ويرسم الليل بتفصيل دقيق، ولكن حين يصف برايان، أتجمد. ليس هذا ما رأيته حين اعتقلته. لم يكن خائفا، لقد كان ضائعا. لم يكن يدري ما الذي حصل. أخذ ينظر إلى المنزل كما لو أنه لم يتعرف عليه. واصل التحديق في جثة آشلي كأنه لم يرها من قبل. في البدء، ظننت أنه في حالة صدمة. السكون، والارتباك، والصمت... لكن ثمة شيء غير منطقي. لا يتطابق مع الرجل الذي يصفه فيكتور باستمرار" (ص 325).
في الخاتمة، تفتتح الروائية الفصل:
"برايان
فيرنالتون - شتاء 2025
يعج المقهى بأصوات أحاديث خافتة ورنين أكواب، لكن المكان هادئ تماما على طاولتنا. برد مشروبي دون أن يمسه أحد. يثني راي ساقيه على الكرسي وهو يأكل كعكة. شعره طويل بعض الشيء، وخداه ما زالا مستديرين وورديين. في كل مرة أنظر إليه، ينتابني شعور بالدهشة والخجل. لطالما عاش بعيدا عني، تربى على يد غيري، لأنني لم أكن موثوقا في أن أعتني به" (ص 369).
وإذا كنا لا نود حرق الأحداث، نكتفي بالعبارة الختامية:
"ربما، فقط ربما، أستطيع أن أقع في حبها مرة أخرى، ولكن هذه المرة بشخصيتي" (ص 374).
خطوة كبيرة إلى الأمام تخطوها رنا محمد حسان في روايتها الثانية، بما يكشف عن نضج إبداعي واضح، بعد عملها الأول المراكب الورقية بيننا.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع