حواديت المآذن
لعبت مساجد مصر أدوارا مهمة ومؤثرة في تاريخها السياسي والاجتماعي. وتعد هذه المساجد ثروة معمارية وأثرية؛ إذ تخفي بين حجارتها الكثير من الحكايات والمعارك التي ارتبطت بالطموح والمجد الشخصي للحكام في شتى العصور، وشهدت معاركهم ومؤامراتهم تحت عباءة الدين.
وفي كتابه «حواديت المآذن: التاريخ السري للحجارة» (دار الفؤاد، 2020)، يبدأ الكاتب الصحفي إيهاب الحضري رحلته بجامع «ابن طولون» لافتا إلى أن ملايين المصريين لا يعرفون موقعه لكنهم يتداولون صورته يوميا دون أن ينتبهوا، فهي تتصدر العملة المالية من فئة خمسة جنيهات. على قمة جبل «يشكر» بنى أحمد بن طولون مسجده الفريد بعد أن وضع شرطا بالغ الصعوبة وهو أن يصمد المبنى في مواجهة تقلبات الزمن. كان يريد بناء جامع «إذا احترقت مصر بقي وإن غرقت نجا» ربما لهذا السبب اختار الجبل الذي كان الناس في ذلك العصر يعتقدون أن سفينة نوح استقرت عليه بعد انتهاء الطوفان فارتفاعه يحمي المسجد من خطر الفيضان، كما أن الطوب الأحمر الذي استخدم في بنائه يزداد صلابة إذا شب حريق في البناء!
وبالفعل، بقي المسجد صامدا في حين اختفت كل منشآت «القطائع»، عاصمة الدولة الطولونية التي توسطها لأعوام طويلة ليصبح أقدم المساجد القائمة على وضعها الأصلي منذ تشييدها، حيث يزيد عمره على عمر القاهرة بنحو قرن كامل، فقد تم تشييده في سبعينيات القرن التاسع الميلادي. تميز المسجد بأن مئذنته لها سلالم خارجية، وليست داخلية كما ألفنا؛ بمعنى أن الذي يتحرك داخل المسجد ويصعد المئذنة يكون كالذي يسير في أعلى جبل فيراه الناس جميعا، ويقال إن هذه المئذنة هي نسخة من مئذنة (جامع سامراء) بالعراق، البلد الذي ولد فيه أحمد بن طولون وعاش قبل أن ينتقل إلى مصر، وكأنه كان يريد أن يستنسخ قطعة عزيزة عليه في بلده لتكون علامة على المكان الذي انتقل إليه حاكما مهيبا.
بعد خطوات قليلة من عبور بابه الضخم يشعر بأنه انتقل بين عالمين، خصوصا مع مساحة المسجد التي تصل لستة أفدنة ونصف الفدان. على الصحن المتسع تطل مئذنته الملتوية الفريدة من أعلى لتمنح المكان خصوصية لا تتكرر في بقية مساجد مصر، فقد تم تشييده على غرار مئذنة سامراء تلك المدينة العراقية التي نشأ فيها ابن طولون فظلت حاضرة في وجدانه وقرر بناء عاصمة حكمه على طرازها.
يرتبط مسجد ابن طولون بحكايات حافلة بالدلالات، فإحدى القصص ترجح أن المهندس الذي بناه مسيحي هو سعيد بن كاتب الفرغاني، مما يدل على مرحلة ذهبية كان النسيج فيها واحدا رفع شعار «الدين لله والوطن للجميع» قبل قرون طويلة من إطلاقه في العصر الحديث. الغريب أنه عند التفكير في بناء المسجد كان الفرغاني في السجن بدلا من مكافأته على تشييد منشأة أخرى، فقد ذهب ابن طولون ليعاين المنشأة لكن قدم حصانه غاصت بموضع به جير ما زال رطبا وتعثرت الفرس، واعتقد الأمير أن الفرغاني تعمد ذلك فأمر بجلده خمسمئة جلدة وسجنه. مرت فترة علم بعدها السجين برغبة الحاكم في بناء المسجد وكتب له مبديا استعداده لتشييده بنظام فريد لا يعتمد على أعمدة سوى عمودي القبلة، ثم رسم له تخطيطا للجامع وافق عليه ابن طولون وخصص لتشييده مئة ألف دينار قابلة للزيادة، وشرع المهندس في بنائه على جبل يشكر. وبعد انتهاء العمل زاره ابن طولون ففر المهندس إلى أعلى المئذنة خوفا من مصير مشابه لما سبق أن ناله، لكن النهاية كانت مختلفة هذه المرة فقد حصل على مكافأة سخية قدرها عشرة آلاف دينار.
كان يفترض أن تنتهي قصص المسجد بمجرد اكتمال بنائه، لكنه بدأ مرحلة جديدة من الحكايات، التي ارتبطت هذه المرة بالأحلام. فيروى أن ابن طولون رأى حلما، بأن الله تعالى تجلى للقصور المحيطة ولم يتجل للمسجد، وأخبره المفسرون أن كل ما حوله سيختفي مع الزمن ويبقى المسجد وحده قائما. لم يكن هذا هو الحلم الوحيد، حيث طلب ابن طولون من حاشيته أن ينقلوا له كلام المواطنين عن سلبيات المبنى، فذكروا من بينها أن محرابه صغير، هنا رد عليهم بأنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام في المنام، وهو يخط المحراب بيده، وعندما استيقظ اتجه إلى الموقع في الصباح، ورأى النمل يطوف في نفس الموضع الذي رآه في حلمه، وقرر الالتزام بالحدود التي حلم بها وأكدها النمل! ثم جاء الحلم الثالث ورأى فيه نارا هبطت من السماء فالتهمت المسجد دون أن تمس البيوت الموجودة حوله، وأخبره المفسرون بأن الله تقبل منه المسجد، لأن النار دليل على قبول القرابين.
هل كانت تلك الأحلام حقيقية أم اختلقها ابن طولون لهدف ما؟ ولماذا ركزت التفسيرات المتتالية على محاولة إثبات أن الله تقبل المسجد من مؤسسه؟
يقول إيهاب الحضري: تظل الأسئلة عادة بلا إجابات دقيقة، لكن المؤشرات ترجح أن الأحلام كانت محاولة لابتداع أسطورة بهدف مواجهة أمر ما، فبعد افتتاح المسجد امتنع الناس عن الصلاة فيه، لأنهم يجهلون مصدر المال الذي تم تشييده به. شعر ابن طولون بالأسى، وجمعهم يوم جمعة وخطب فيهم، وأقسم أنه أنشأ المسجد بكنز عثر عليه، أي أن ماله حلال. ولم يكن مصدر أموال الأمير محددا بالفعل، بل اعتمد على حكايات غرائبية تعددت فيها وقائع عثوره على كنوز بالصدفة!
بخطوات قليلة ينتقل الزائر من شارع المعز إلى صحن الجامع، وإذا كان من عشاق التاريخ فعليه أن يرتفع ببصره سريعا لينتقل من أحجار الجدران الحديثة إلى المئذنتين اللتين تحتفظان في ذاكرتهما بتفاصيل قديمة جعلت من «الحاكم بأمر الله» واحدا من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ المصري. بدأ الخليفة الأب بتأسيسه عام 990م ثم توفي بعدها بستة أعوام ليتولى ابنه مقاليد الحكم وعمره لم يناهز 12 عاما، فأمره الأوصياء عليه باستكمال العمل الذي انتهى عام 1002م، لكن الحاكم قرر زيادة فخامة الجامع وانتهى ذلك بعد عشر سنوات وكانت أول صلاة به في الجمعة الأولى من رمضان عام 1013م.
تعرض المسجد لتحولات كثيرة أدت لترميمه وبدءا من القرن الخامس عشر لاقى إهمالا شديدا وأصبح أطلالا حتى إن جنود الحملة الفرنسية استخدموا مئذنتيه في القرن الثامن عشر كبرجي مراقبة، ثم تحول مكانه إلى مصنع قبل تشييد مبنى بداخله أصبح بذرة لأول متحف للتراث الإسلامي. في الليل يبدو الجامع أكثر جاذبية بإضاءته التي تمنحه قدرة إضافية على الإبهار.
توسع الجامع وظلت جدرانه ترتفع على مدار مراحل البناء وتزايد معها عمر الخليفة الطفل، الذي تشرب لعبة السياسة وأتقنها فأطاح بوزراء كبار حاولوا التلاعب به وتحويله إلى مجرد واجهة وفرض أنفسهم كحكام من الظل وكان مصيرهم القتل الذي أنهى جبروتهم ومن بينهم وزيره القوي برجوان صاحب الحارة الشهيرة بشارع المعز. لقد ضاق الخليفة بسيطرة الوزير عليه فأرسل من قتله خلال وجوده بالحمام وصادر أمواله وممتلكاته، وكان مما تضمنته مقتنياته المنقولة مئتا مليون دينار ذهب وخمسون إردبا من الدراهم الفضية، والإردب وحدة من الأوزان تعادل نحو 150 كيلوغراما أو أكثر. وللدلالة على ضخامة مقتنياته قيل إنه تم نقلها من بيته بالحارة الشهيرة إلى قصر الخليفة على مراحل، فكان يتم نقل دفعتين منها يوميا على مئتي جمل واستمر ذلك أربعين يوما، بخلاف ما يملكه من منازل وضياع وعبيد وجوار وبهائم.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع