إعلان

إخفاقات العالم في عام ٢٠٢٥

د.غادة موسى

إخفاقات العالم في عام ٢٠٢٥

د. غادة موسى

أستاذ مساعد - كلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة 

07:15 م السبت 03 يناير 2026

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تابعنا على

يُعتبر عام ٢٠٢٥ عاماً كاشفاً للعالم. فقد وضع عام ٢٠٢٥ الإنسان في كل أنحاء العالم أمام نفسه.

فلم يحقق الإنسان "العالمي" أي إنجاز إنساني يفيد البشرية أو يحد من آلامها. بل استمر هذا الإنسان "العالمي" في الاحتفاء بإخفاقاته باعتبارها إنجازات. فعلى الرغم من أنه ذات الإنسان "العالمي" الذي أطلق شعار "لن يتكرر ما حدث في الحرب العالمية الثانية" Never Again نجد أن كل ما يحدث هو تكرار لكل الشرور التي شهدتها تلك الحرب وما بعدها من أزمات وصراعات وحروب.

إن أحد أهم إخفاقات العالم التي تعمقت وزادت في عام ٢٠٢٥ هي الفقر وازدياد حدته ووطأته على جميع سكان العالم. وإذا كنا ندرك – أو اعتدنا – أن دول العالم النامي هي التي تعاني من الفقر، فقد زادت معدلات الفقر في الدول المتقدمة بنسبة ١:٩٣! حيث تتركز ثروة العالم في يد ستة أفراد مقابل ٩٣٪ من سكان العالم المتقدم، ومن بينها الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يعاني سكان تلك الدول من عدم القدرة على سداد الاحتياجات الرئيسية من أجور وتعليم وعلاج.

ويرتبط بالإخفاق السابق إخفاق تراجع عدد السكان في العديد من البلدان الأوروبية بفعل تراجع القيم وتغلغل ثقافات تعلي من قيمة "الفرادانية"، بالإضافة إلى تصاعد الخطابات النسوية التي – وإن كانت تعبر عن معاناة المرأة الثقافية والفكرية والحياتية – إلا أنها دخلت بدورها في صراع مع معظم القيم المجتمعية.

إن معضلة التراجع السكاني أو الـ De-population وإن بدت كمعضلة ثقافية وفكرية، إلا أن لها أيضاً مسبباتها الاقتصادية. حيث تراجعت قدرة الأفراد في المجتمعات المتقدمة والنامية على حد سواء على ضمان حياة آمنة ومستقرة لأنفسهم، فما بال بأسرة كاملة.. وهي نتيجة حتمية ومتوقعة لتبني تلك الدول الأفكار النيوليبرالية التي تخضع كل أطراف المجتمع ومؤسساته التعليمية والصحية والثقافية بالأساس لقوى السوق ومنظومة العرض والطلب والربحية، مما أدى إلى تراجع الدور الاجتماعي الذي تضطلع به تلك المؤسسات.

أما بالنسبة للإخفاق الثالث فهو المتعلق بغياب القيم الجامعة التي يمكن أن توحد المجتمع العالمي مثل السلام والأمن والاستقرار والتسامح، مقابل سيطرة الهيمنة والتنافس المحموم وشرعنة العنف.

ومما لا شك فيه أن غياب أي فعل تواصلي بين عناصر المجتمع العالمي قد عمق من تلك المظاهر. وقد ينكر البعض هذا الاستنتاج بسبب انتشار الإعلام المجتمعي الرقمي وتعدد منصاته التي جعلت العالم متواصلاً أكثر من ذي قبل. وقد يبدو ذلك صحيحاً من الناحية النظرية، إلا أنه من الناحية العملية غير صحيح، لأن التواصل لا بد وأن يسفر عن الترابط والتآزر والمساندة من أجل إعلاء قيم جامعة تساهم في ارتقاء المجتمع العالمي وتقدمه، وهو ما لم يحدث في ظل عدم اتفاق المجتمع العالمي على تلك القيم، بل و"نسبيتها" داخل نفس المجتمع الواحد! وأولى تلك القيم التي تم "تنسيبها" هي قيمة الحياة. حيث أصبح مألوفاً الحديث عن ضرورة التخلص من عدد من السكان حتى تتناسب موارد الكرة الأرضية مع عدد معقول من السكان. فلا بأس من التخلص من بعض سكان دول العالم النامي من خلال تأجيج الصراعات. وبالتالي تلاشت فكرة قيمة الإنسان والإنسانية والحق والعدالة والغاية من وجود الإنسان، وهي الإنتاج والعمران، لصالح غايات "لا إنسانية".

وهكذا انكشف الإنسان "العالمي" أمام نفسه. وأصبح من الأهمية بمكان إجراء مراجعات لقيمه ولإدراكه لغاية وجوده ولقيمة من حوله حتى يتمكن من الخروج من "متلازمة الإخفاقات المستمرة" نحو بناء إنسان "عالمي" أكثر إنسانية وأكثر وعياً.

إعلان

إعلان