قصص قصيرة جدًا

عمار علي حسن

قصص قصيرة جدًا

د. عمار علي حسن
08:47 م الخميس 21 مايو 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

طباخ

كان على صاحب المسمط، الذي انصرف عنه زبائنه بعد سنوات من الإقبال الشديد، أن يعمل كل ما في وسعه من أجل استعادة الرواج.

وضع ديكورات جاذبة، وطبع ورقة دعاية فاخرة، وأوقف عماله في منتصف الشارع يوزعونها على المارة، متناسيًا السبب الرئيسي الذي أدى إلى بوار سلعته. إنه الطباخ العجوز الماهر، الذي طرده قبل شهور، حين طالبه بزيادة أجره قليلًا.

إقدام

دوت صفارات الإنذار فهرع سكان المدينة إلى المخابئ. وحده صعد إلى سقف البناية، وأمسك علم بلاده في يمناه يهش به الطائرات المغيرة، ويخرج لسانه لطياريها.

هاجمت الطائرات بعض المعسكرات الواقعة في وسط المدينة، وأخطأ بعضها ورمى حمولته فوق المباني السكنية.

انتهت الحرب، وجلس قادة الجيشين المتقاتلين في منطقة وسطى للتفاوض، وفوجئ الحاضرون بكبير المفاوضين من جيش العدو يطلب رؤية ذلك الرجل الذي لم يكف طياريه عن ذكر ما فعله حين عادوا إلى قواعدهم.

موسيقى

يغمض عينيه، ويعصر ذهنه ليستعيد تلك الموسيقى الذي صدحت ذات مساء بعيد في منتصف أحداث فيلم مشترك بين ممثلين مصريين وأتراك.

كان لحنًا موجعًا تطلقه عقيرة مشبوبة بالغرام الملتهب لفتاة جميلة هجرها حبيبها. حين غنت أعطاها من يسمعها كل شيء، سمعه وبصره وقلبه الذي كان ينبض بشدة فيدفع دموعًا إلى خديه.

ضاعت ملامحها من رأسه، ولم يعد يتذكر شيئًا من أحداث الفيلم، ولا السينما التي شاهده فيها. وحده اللحن يطارده، فيجاهد من أجل استحضاره، فيأتي متقطعًا، ثم لا يلبث أن يتصل، فيدندن به، ويقول لأصحابه:

ـ لم يعبر عن الغرام شيء في الدنيا أقوى من هذا اللحن الحزين.

جهل

كان مُطلقا وكنا عزابًا. نقول له حين يشتهي لياليه الحمراء مع تلك الفاتنة التي تركته:

ـ يكفيك أنك قد جربت الحب، بينما نحن يقتلنا الحرمان.

ينظر إلينا مليَّا ويقول:

ـ الجهل نعمة عظيمة.

فشار

أمام عربة الفشار وقف كاتب الإثارة مع زميله منتظرًا ابتياع قرطاسين. تابع الرجل وهو يلقي حفنة ذرة في إناء به بعض الزيت والملح، ثم يشعل النار تحته. رأى حبات الذرة تطقطق وتنفثئ منتفخة حتى امتلأ الإناء بها.

وهو يلتهم بعضها قال لزميله ضاحكًا:

ـ اهتديت إلى نظريتي في الكتابة، بضع حقائق غامضة يمكن أن تنسج منها صفحات بلا معنى، يقرؤها الناس متلهفين ولا يبقى منها في رؤوسهم شيء.

برودة

رسم على القيشاني الذي لصقه على حيطان المقهى فنجانين مختلفي الحجم واللون من القهوة. من قلب البني البديع مد الرسام خيوط بخار يتصاعد.

في اليوم التالي وجدوا الخيوط قد مُحيت، وكلما أعادوها ضاعت مرة أخرى. أعيتهم الحيل في معرفة السبب، حتى قال أحد الزبائن:

ـ لا يمكن للقهوة أن تظل ساخنة وسط القيشاني البارد، مهما أتقن الرسام صناعتها.

تهور

أرسلت له إدارة القناة سيارة ليتوجه إلى مدينة الإنتاج الإعلامي. نزل من بيته في الموعد فلم يجد السيارة، هاتفهم، فقيل له إن السائق تائه، مع أن العنوان واضح.

طال تيهه فجاء قبل موعد بث الحلقة بنصف ساعة فقط، ركب معه وارتاب في كلامه وتصرفاته، لكن لم يكن أمامه بد من الانتظار فهو يعرف المبدأ الذي ترفعه كل الفضائيات: "تفويت موعد الهواء جريمة".

لكن السائق الغريب، الذي تأكد بمرور الوقت أنه قد بلع حبة مخدرة قبل أن يصل إليه، كان سيصنع جريمة أخرى. أغلق الأبواب من عنده، ومضى يمرق بين السيارات بسرعة جنونية. صرخ في وجهه أن يتمهل فلم يستجب، بل لم يسمعه من الأساس، ولم يكن بوسعه هو أن يقفز من سيارة مجنونة أبوابها مغلقة تمامًا.

شكوى

مجروحة خرجت إلى الشاطئ. كان البحر ينهمر من عينيها اللتين تفيضان دمعًا، وحرقة قلبها المكلوم كانت قادرة على تحريك الأمواج جبالًا.

أعطت ظهرها للماء، وجلست على الرمل البليل، وراحت تشيد بيتًا خفيضًا. صدت الموج حتى اكتمل البيت، ثم وقفت فجأة، وتركت المياه تندفع من بين ساقيها لتهدم الحوائط الهشة.

وهو ينهار شيئًا فشيئًا رأت أمامها ذلك الغادر التي أوجعها حين تركها فجأة بلا سبب، كما يغدر البحر بربان غافل، أو تأكل الأمواج جدران الرمل.

وردة

الوردة الحمراء التي قطفها في الصبح الندي وغرسها في ثقب بشاهد قبرها لم تذبل أبدًا. لم يخلف الموعد المحدد كل شهر الذي يذهب لزيارة قبرها، فيجد الوردة على حالها.

سأل حارس المقبرة، فقال له، وهو ينظر إليه طويلًا:

ـ أرى كل ليلة شبحًا أبيض يرشها بماء في قارورة شفافة.

ابتسم وقال لنفسه وهو يمضي عائدًا إلى بيته:

ـ روحها تأتي من السماء العالية حاملة قطرات من أنهار الفردوس، لتؤكد دوام المحبة.

ذئاب

جمع كبير الذئاب كل أفراد القطيع ليحذرهم من الكباش. قال لهم بعد أن اطمأن إلى اكتمال عددهم:

ـ إنما يأكل الكبش من الذئاب القاصية، فلا تتفرقوا.

هزوا رؤوسهم طائعين، فواصل:

ـ لها قرون طاعنة، وأنيابها صارت قادرة على تمزيق جلودنا.

كانوا يدركون جيدًا متى صارت الغنم ضارية بعد صبرها طويلًا على ظلم الذئاب.

إعلان

إعلان