الفيس بوك والواتس .. دواوين ونواصي الأخبار العاجلة في زمان "الكورونا"

د.هشام عطية عبد المقصود

الفيس بوك والواتس .. دواوين ونواصي الأخبار العاجلة في زمان "الكورونا"

د. هشام عطية عبد المقصود
09:46 م الجمعة 27 مارس 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

الدواوين كلمة عربية لها مدلولها في اللغة فهي سجل لتدوين الوثائق قديما وتنبيهات تخص عموم الناس فيما يخصهم ويحدث لهم منه أثر، حتى أن الخط المعروف بالديواني هو في الأصل منسوب إلى ما كان يستخدم للكتابة في تلك الدواوين الرسمية، لكن ارتحلت الكلمة وتوسعت دلالتها، وحيث صرنا نعيش في رأى البعض ما يعرف بساحة المجال العام وفق التعبير الذائع للباحث Habermas والمقصود به أن أسست شكلا جديدا للنواصي والمصاطب والديوانيات يتفاعل فيه الجمهور بتعليقاته حول الشأن العام من خلال ما تنقله وسائل الإعلام عنه.

لكنني صرت أرى ذلك بعضا من "بضاعة أتلفها هوى" الإنترنت ووسائطه، وحيث صارت فكرة هابرماس التى عاشت طويلا هباء وذكرى، بعد أن قل واضمحل معدل اعتماد الجمهور على جهاز التليفزيون وفضائياته ذات الزخم "القديم"، والصحف وتأثيرها متبوعة أثناء توزيعها بجملة "إقرا الأخبار"، وبعد أن دخلت بدلا منها حسابات الجمهور على وسائل التواصل الاجتماعي لتكون أهم مصدر للأخبار، تؤيده الإحصاءات تماما وتوثق معرفتنا بشكل مضطرد بأن دور السوشيال ميديا يتسع ليكون هو أكبر مصدر للجمهور في العالم بشأن كل ماهو عاجل من الأخبار، ويتخذ الأمر تعبيرا رقميا مذهلا توثقه الدراسات في أزمة وباء كورونا العالمية.

ربما علينا هكذا أن نناقش بواقعية مفرطة جدوى تواجد جملة عاشت ضمن مأثورات الميديا طويلا وهى "خدمة آخر الأخبار"، تلك التى يحصل الجمهور عليها من القنوات والتي تزدان بها أسفل الشاشات في سير متدفق، وأيضا تخصص لها المواقع الصحفية ركنا بارزا في واجهاتها يتم تحديثه باستمرار، وحيث صار المتطفلون الجدد (الفيس والواتس والتويتر) والذين يعيشون على ما تصنعه وتنتجه وسائل الإعلام ومواقع الأخبار بديلا يحتويها هضما وتمثيلا، ثم تمنحه روابط لجموع البشر زادا إخباريا متاحا.

وهكذا توارى الدور المؤثر والكبير لريموت التليفزيون الذي هو في متناول اليد عند الجلوس وعند المنام، تضغط أزراره لفا وبحثا عن جديد في متسع القنوات ذهابا وعودة، ليدخل ذلك كله فصلا في كتاب تاريخ الاتصال البشرى، وحيث حلت وسائل التواصل الاجتماعي فيس وتويتر وواتس مكانا وبراحا وديوانا جديدا لأخبار "الحياة المعاصرة".

أنت الآن لن تفكر وتحتار عما تبحث، ولن تسعى كثيرا وتذهب هنا أو هناك، ذلك أنه وقبل أن تسأل وفقط بمجرد أن تفتح عيونك – لو فرضا أهداك أرق الأزمة وقتا قصيرا مسترخيا- ستبادرك مجموعات الواتس ورفاق الواتس ورسائله المتدفقة بالجديد مما يخصك ومما لا يخصك، الجاد والهزلي، الدعاء والاستغفار وأيضا ما قد يدخل في باب السخرية وحتى ما يندرج منه تحت "استغفر الله العظيم" في رحابة تشبه تماما تصاريف الحياة ذاتها وتواتر شمل أطرافها وهى تجمع بين النقائض، وفقط عليك أيها السيد الجديد أن تختار من كل ذلك.

تلك هي الحياة الجديدة التي يعيشها الناس على هوى زمانهم وتصاريفه على موجات وسائل التواصل الاجتماعي، حياة لا تشبه ما مضى، وحيث جعلت الأزمات ومنها الوباء الكوروني العالم من البشر كائنات مبحلقة في الشاشات الصغيرة للموبايلات، لتكون المصدر والعارف، والموسوعة الشاملة لمختلف المعلومات والتي كان لا تتسع لها حوائط الغرف وهى تتراص بأجزائها الكثيرات في قديم الزمان، ولا ننسى هنا ما يحدث لتبرعات بعض أسر العلماء بمكتباتهم وكتبهم الكثيرة فلا تجد مستقبلا ؟.

ربما يمكننا القول أنه حدثت تحولات أخرى مهمة في تشييد الدور الخبري والإعلامي البديل لمنصات السوشيال ميديا، حتى أن ما يعرضه البعض في تحذير ملفت وهو يلقى بكلماته ويرسلها كعارف بالخبايا عبر الوتس بأنه تسريبات لما سيتم أو يتوقعه أو منتظر سيواتيك به الفيس والواتس أحيانا قبل أن ينطق به مصدره – وبالطبع اكتمال المعلومات هنا غير مهم ولا دقتها- فموجات البث سارية لا تقف، هكذا الحياة صارت جميعها على الهواء بثا ونقلا تلفزة وإذاعة وحكيا، يدعم نمط الحياة هذا
ذلك الكائن الصغير الرقيق "السمارت" الذي دوما إلى جوارهم حميما ملتصقا تضئ شاشاته معبرة، ثم تغرد ترينداته لتعرفك شئت أم بيت بما يشغل العالم ويؤرقه.

وحيث ينفرد الفيس بوك بك عبر من يتواجدون وبكامل اختيارك على صفحتك وعبر ما يقرأون ثم يبثون "تشييرا"، سيلا متسارعا نابضا كأنك لم تنم ولن تغفو قط ولم تنقطع وقتا لبعض طعام أو حديث، يتدفق جديده طوال الوقت عليك تغذية لا تنتهي " فييدا" Feeds وراء فييد "الموجه بتجري ورا الموجه عايزة تطولها"، لكن الفارق أن تلك الفييدات بمحتواها تكمل باقي مقاطع الأغنية تألما "تشتكى حالها" حتى بات الفرد من كثرة تلك الفيدات يقول أين زمان مضى تنوعت فيه تلك "الفيدات" وأينعت؟.

لا يقف الأمر عند ذلك فقط فالبشر ذاتهم مما يضمهم محيط فيسك أو واتسك أو تويترك –ومعذرة لسيبويه فلم يلحق عصرنا تأصيلا- هم أيضا صاروا أخبارا ومصدرا لها أحيانا، فكل يصف ما رأى وعاين وشاف وعايش، ما يحدث في الزوايا والشوارع البعيدة، والمدن التي لا تصلها كاميرات الشاشات ولا مندوبي الأخبار، حتى صرنا نحن محض كائنات تألف العيش تحت أضواء شاشات الموبايل ووفق مجالها، وحيث هنا تحديدا يبدو كل تخوف أو قلق مكبرا فيصير فزعا وهلعا، بينما يواصل الإنسان العصري الاحتماء داخل صوبته الافتراضية تنفرد به وسائل التواصل الاجتماعي، يحاذر أن ينفذ منها خشية أن يباغته ضوء النهار ومشهد النجوم ووهج الشمس ولفح الهواء.

إعلان

إعلان