• السلفيون والدين والدولة

    د. أحمد عمر

    السلفيون والدين والدولة

    د. أحمد عمر
    09:00 م الأحد 28 أبريل 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    إن مشكلتنا مع التيار السلفي الوافد على مجتمعنا بجذوره الوهابية وأشكاله وتنظيماته المتنوعة التي اخترقت المجتمع المصري في العقود الأربعة الماضية، وتحاول الآن القيام بدور في الحياة السياسية، عبر حزب النور السلفي، ووراثة الثقل الاجتماعي والسياسي لجماعة الإخوان المسلمين في المجتمع المصري- ليست سياسية فقط، يمكن التغاضي عنها لأسباب نفعية، ولكونهم خاضعين لسيطرة الدولة والأجهزة الأمنية في هذه المرحلة، بل هي مشكلة دينية وحضارية بالأساس.

    وقد تأسس هذا الرأي عندي على قناعتي الكاملة بأن التيار السلفي الذي ابتعد في أفكاره وتصوراته وخياراته عن الفكر والمنهج الإسلامي المعتدل هو تيار غريب عن المجتمع المصري، وقد جاء وليد التعصب والجمود والانغلاق الذي رافق سياق نشأته وظهوره في بيئته الخاصة في الجزيرة العربية.

    وهو يُجسد عرضًا لمرض حضاري يصيب الدين في مسيرته التاريخية، ويقف عقبة في طريق تطوره وتجدده الروحي والفكري والفقهي، وهو التطور الذي يجعل الدين صالحًا لكل زمان ومكان.

    بدون هذا التطور الفكري يتحجر الفكر الديني، وينغلق المتدينون على أنفسهم وميراث أسلافهم، ويعيشون خارج التاريخ والعصر.

    يقول الدكتور عبدالرحمن بدوي، في مقدمة كتابه شخصيات قلقة في الإسلام: "كل دين في أصله رمز، رمز قابل لما لا نهاية له من أنواع التفسير التي قد يبلغ الفارق بين بعضها وبعض حد التناقض. والدين الذي يُقدم نفسه على أنه ناموس واضح كامل الأجزاء صريح في كل تفصيلاته قد فض للناس كل ما فيه من مضمون على مر الأجيال والأزمان، هو دين مقضي عليه بالموت العاجل أو التحجر السريع، وكلاهما في نهاية الأمر سواء.

    وكلما تعددت التفسيرات لهذا الرمز، وبلغ التعدد مرتبة عالية من الافتراق الرفيع، كان هذا من أوضح الشواهد على أن هذا الدين حي، وخليق بالبقاء. وما النزعات السلفية وما إليها من حركات تحاول أن تأسر نفسها في ربقة الرمز بمعناه الظاهر الأول، إلا علل وأزمات نفسية في تاريخ الحياة الروحية لدين ما، ولذا عليه أن يبرأ منها قدر المستطاع حتى يستأنف تطوره الثري في مجال مراتب الحياة الروحية العليا".

    وهذا يعني أن السلفيين بجعلهم أنفسهم ومشايخهم سلطة عليا على النصوص الدينية وطريقة فهم الناس للدين، وسلطة أيضاً على حياة وفكر الناس وأساليب عيشهم- يُعتبرون خطرًا على الدين ذاته؛ لأنهم يصيبون مسيرته بالتحجر والجمود، ويوقفونها عند زمان معين، هو زمان السلف الصالح، وبالتالي فهم لا يُقدمون تفسيرات ومفاهيم وأفكارًا دينية جديدة للإنسان المتدين الذي يُريد أن يعيش عصره وزمانه، لا عصر الأسلاف وزمانهم، والذي يرفض العيش تحت قاعدة: "لا تفكر فالسلف قد فكروا لك"؛ لأن تلك القاعدة تُغلق باب الاجتهاد، وتمنع تطوير الفكر والفقه على النحو الذي يتيح للمسلم أن يعيش عصره، ويواجه بشجاعة قضاياه وإشكالياته، والتحديات التي يفرضها عليه.

    وتأسيسًا على ذلك أجد من غير المقبول مع دعوات تجديد الفكر الديني أن يسعى أصحاب السلطة اليوم، ولأسباب سياسية برجماتية لتبرير وجود السلفيين في الساحة السياسية، على أساس أنهم مكون من مكونات المجتمع المصري، لأنهم في حقيقة أمرهم مكون غير أصيل فيه، وعرض من أعراض المرض الفكري والثقافي الذي أصاب المجتمع المصري في العقود الأخيرة.

    وهذا المرض ينبغي أن ننتبه له، ونعمل على علاجه من أجل صالح الدين والدولة. وأول سبل العلاج ألا ترتكب سلطة حكم اليوم نفس الخطأ المأساوي الذي وقعت فيه سلطة الرئيس السادات في سبعينيات القرن الماضي، عندما اختلطت السياسة بالدين، وأخرجت مارد الإسلام السياسي والتشدد الديني من قمقمه، ودعمته لأسباب سياسية نفعية، ثم فشلت في السيطرة عليه، لندفع جميعًا ثمنًا فادحًا لهذا الخيار السياسي والأمني الخاطئ الذي حذر في حينه من تداعياته السلبية الخطيرة على الدين والدولة، الكثير من المفكرين ورجال الأمن المُخلصين.

    إعلان

    إعلان

    إعلان