• طه حسين الذي مرّت ذكراه وسط الضجيج

    طه حسين الذي مرّت ذكراه وسط الضجيج

    محمود الورداني
    11:01 م الخميس 01 نوفمبر 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    خمسة وأربعون عاما مرّت على رحيل العميد، الذي بدا وكأنه أبى الرحيل عن عالمنا قبل أن يهدأ قلبه ويستريح، عندما تأكدت أنباء انتصار الجيش المصري وعبوره قناة السويس في أكتوبر عام 1973، وهو الذي أمضى فترة احتضار طويلة.

    طه حسين (1889 – 1973) بكل قيمته وثقله وتأثيره مرّت ذكراه الخامسة والأربعون دون أن يفكر أحد في الاحتفال به وبالقيم التي أرساها والمبادئ التي نادى بها، ولم تفكر هيئة من الهيئات أو حتى دار نشر في إعادة طبع عمل من أعماله.

    وربما كان مثيرا للخجل أن أدعو أو أذكّر هيئات وزارة الثقافة بذكرى كهذه، وسوف يحتفل معرض القاهرة الدولي للكتاب بدورته الخمسين بعد شهرين دون أن يتذكر قيمة بحجم قيمة طه حسين، ومن المثير للخجل أيضا ألا تتذكر الصحف والمجلات والموقع الإلكترونية كاتبا بحجم طه حسين.

    السطور التالية لا تفي الرجل حقه بالطبع، لكنها مجرد إشارة إلى رجل كفّ بصره وهو لا يزال صبيا، لكنه سرعان ما أصبح أبصرنا، وضاق بالمناهج العقيمة التي كانت تدرس في الأزهر، وسارع بترك الأزهر للالتحاق بالجامعة الأهلية التي فتحت أبوابها عام 1908، وعندما علم أن هناك محاضرات باللغة للفرنسية في الجامعة، سارع بتعلمها ليتمكن من الاستماع إلى محاضرات الأدب الفرنسي، ثم إنه كان أول طالب يعد رسالة علمية نال عنها درجة الدكتوراه تحت عنوان" في ذكرى أبي العلاء، ولما أعلنت الجامعة عن بعثات للدراسة بالخارج، حرص العميد على أن يكون أحد المبعوثين لدراسة الفلسفة ولم يحل فقدانه البصر دون أن يعبر البحر، ويتعلم اللاتينية واليونانية ويتقنهما، ثم يعد رسالته في فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، وحظى بإشراف واحد من أعلام الفكر الإنساني، وهو إميل دور كهايم، على رسالته.

    وعندما عاد حمل لواء التجديد في الجامعة المصرية، وعهد إليه بتدريس الأدب العربي، فشرع على الفور في إلقاء محاضراته عن الشعر الجاهلي عام 1925، ثم جمع محاضراته في كتاب الشعر الجاهلي الذي أقام الدنيا وأثار غضبا شديدا في صفوف الأزهر وكل الدوائر الرجعية، وقُدّمت بلاغات للنيابة فيه تطالب بمحاكمته.

    وما زال التاريخ يذكر اسم وكيل النيابة الذي حقق معه وهو محمد نور بك الذي انتظر بهدوء حتى عاد طه حسين من إجازته الصيفية من فرنسا واستدعاه لا ليقبض عليه ويلقي به في الحجز، بل ليناقشه مناقشة أدبية وعلمية رفيعة المستوى، ولُحسن حظ الأجيال الجديدة أن نص المحاكمة متوافر في مصادر عديدة، منذ كشف عنها الروائي الراحل خيري شلبي وأصدرها في كتاب في ستينيات القرن الماضي. محضر التحقيق هو عبارة عن سجال علمي ولغوي بين ندين، وواضح أن محمد نور بك قرأ وبحث ولديه حجج واضحة يناقشها مع طه حسين عن الشعر الجاهلي ومدى صحة أو خطأ نسبة ذلك الشعر للجاهلية. وانتهى محمد نور بك إلى حفظ التحقيق وعدم توجيه أي اتهام لطه حسين مطلقا.

    ومنذ تلك اللحظة لم يتوقف طه حسين عن العمل والإنتاج أستاذا بالجامعة وكاتبا لعشرات الكتب في الأدب والتاريخ والسياسة، ورئيسا لتحرير عدة صحف ومجلات ووزيرا للمعارف، وكان أول من رفع شعار مجانية التعليم ثم نفّذه فعلا عندما عُين وزيرا، ولما قام الضباط الأحرار بانقلابهم في يوليو 1952 كان أول من أطلق على من قاموا به ثورة، وكان أحد رؤساء تحرير أول صحيفة أصدرها الحكام الجدد وهي "الجمهورية"، وواصل بعد ذلك عمله ناقدا وكاتبا حتى لحظاته الأخيرة.

    هذا هو باختصار مخل ومخلّ جدا لطه حسين الذي علينا أن نخجل من أننا نسيناه.

    إعلان

    إعلان

    إعلان