بعد قفزات تاريخية.. هل يتكرر سيناريو 1980 بانهيار أسعار الذهب؟
كتب : أحمد الخطيب
أسعار الذهب
كتب- أحمد الخطيب:
بعد موجة صعود غير مسبوقة دفعت الذهب إلى تسجيل قمم تاريخية جديدة، عاد الجدل مجددًا حول ما إذا كان المعدن الأصفر مقبلًا على تصحيح حاد يعيد إلى الأذهان سيناريو عام 1980، حين أعقبت القفزات السعرية انهيارات طويلة الأمد استمرت لسنوات.
وسجل الذهب مستوى قياسيًا غير مسبوق عند 4987 دولار للأوقية بختام تعاملات أمس الجمعة، فيما قفز المعدن النفيس بأكثر من 15.1% منذ بداية عام 2026، مواصلًا موجة صعود قوية بعدما حقق مكاسب بلغت 64% خلال العام الماضي.
ويعد عام 1980 محطة فارقة في تاريخ الذهب، بعدما سجل قمة تاريخية عند 850 دولارًا للأوقية في يناير من ذلك العام، مدفوعًا بحالة ذعر عالمي نتيجة الغزو السوفيتي لأفغانستان وأزمة الرهائن في إيران، بالتزامن مع تضخم مرتفع وقفزات حادة في أسعار النفط.
إلا أن هذه المكاسب سرعان ما تلاشت بنهاية العام، عقب لجوء الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى سياسة نقدية متشددة ورفع أسعار الفائدة بقوة لكبح التضخم؛ ليتراجع متوسط السعر السنوي لعام 1980 إلى حوالي 590 دولاراً للأونصة، ويدخل الذهب بعدها في موجة ركود طويلة استمرت لما يقرب من عقدين.
انهيار أوسع في الأسواق العالمية
يرى الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، أن الحديث عن تصحيح في أسعار الذهب يظل مطروحًا بقوة بعد الارتفاعات القياسية الأخيرة، إلا أنه شدد على أن أي تصحيح كبير لن يحدث بمعزل عن انهيار أوسع في الأسواق العالمية، موضحًا أن الذهب تاريخيًا لا يصحح من "داخله"، بل يتأثر بما يحدث في باقي الأصول.
وأوضح النحاس أن المستثمر الذي يخرج من الأسهم أو العملات الرقمية غالبًا ما يتجه إلى الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا، متسائلًا: "إذا خرج المستثمر من الذهب، فأين سيذهب؟"، مشيرًا إلى أن المعدن الأصفر عادة ما يكون آخر الأصول التي تتعرض للتراجع، بينما تبدأ التصحيحات العنيفة أولًا في أسواق الأسهم.
وأضاف النحاس، أن التصحيح الكبير في الذهب وارد، لكنه غالبًا ما يأتي بعد انهيار الأسواق وليس قبله، لافتًا إلى أنه طالما ظلت الأسواق العالمية متماسكة، فإن الذهب سيواصل التحرك في اتجاه صاعد، وقد تقتصر أي تراجعات محتملة على تصحيحات محدودة.
ومن منظور تحليلي، اعتبر النحاس أن التداول أعلى مستويات 3800 دولار للأوقية يمثل مناطق مخاطرة، مشيرًا إلى أن الاقتراب من مستوى 4000 دولار يعد منطقة بيع من الناحية الفنية، واصفًا الأسعار الحالية بأنها مبالغ في تقييمها مقارنة بالظروف الاقتصادية الراهنة.
ورغم ذلك، لم يستبعد النحاس وصول الذهب إلى مستويات 5200 دولار للأوقية، لكنه رجح أن يتحقق هذا السيناريو خلال العام المقبل أو على مدى زمني أطول، وليس بالضرورة خلال العام الجاري، مؤكدًا أن ما تشهده الأسواق حاليًا "غير مسبوق" ويزيد من احتمالات حدوث تصحيح قوي في أي وقت.
وبشأن المقارنة مع سيناريو 1980، أوضح النحاس أن التصحيح العنيف يظل حتميًا في جميع الأحوال، لكن توقيته غير معروف، مرجحًا أن يتزامن مع أزمة عالمية أوسع قد تمتد بين عامي 2027 و2028، وهي الفترة التي قد تشهد انهيارات قوية في الأسواق المالية.
وأشار إلى أن مؤشرات الأسهم الأمريكية، وعلى رأسها ستاندرد آند بورز 500 (SPX)، لم تدخل بعد في مسار تصحيحي حاد، موضحًا أن استمرار الصعود قبل أي انعكاس محتمل يظل واردًا، وأن الدخول في اتجاه هابط ممتد لمدة ستة أشهر سيكون إشارة واضحة على بداية مرحلة تصحيح كبرى.
تحذير من ركود طويل
ويرى هشام حسن، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس إدارة فاينانس كوتش، إن الذهب يمر حاليًا بمرحلة صعود قوية وغير مسبوقة، لكنه حذر من طبيعة هذه الارتفاعات الحادة، مؤكدًا أنها غالبًا ما تعقبها فترات تصحيح عنيف وطويل الأمد.
وأوضح حسن أن التصحيح المحتمل قد لا يكون مجرد تراجع مؤقت، بل ربما يمتد لسنوات، مشددًا على أن الأمر لا يعني انهيارًا كاملًا للأسعار، وإنما دخول الذهب في مرحلة خمول سعري بعد موجة صعود مبالغ فيها.
وضرب حسن، مثالًا بإمكانية تراجع الذهب من مستويات قرب 5000 دولار إلى نطاق يتراوح بين 3000 و3200 دولار، مع بقائه عند هذه المستويات لفترة قد تمتد من 4 إلى 8 سنوات.
وأشار حسن، إلى أن من القواعد الاستثمارية المعروفة أن اللحظة التي يصبح فيها الأصل محل إقبال جماعي واسع تكون غالبًا نقطة بيع للمستثمرين الكبار، لافتًا إلى أن جني الأرباح وتلبية متطلبات المعيشة يدفعان الكثيرين إلى تسييل جزء من حيازاتهم.
وأضاف حين، أن تغير موازين القوى العالمية، مثل عودة قوة الدولار أو تحسن أسعار النفط، قد يسحب جزءًا من السيولة المتدفقة حاليًا إلى الذهب، فضلًا عن توجه المستثمرين إلى قنوات استثمارية بديلة حال دخول المعدن الأصفر في مرحلة ركود.
وعلى المدى القريب، أكد حسن أن الصورة لا تزال إيجابية نسبيًا، موضحًا أن الحفاظ على التداول أعلى مستوى 4000 دولار للأوقية يقلل من المخاطر الفورية، وقد يفتح المجال لمواصلة الصعود نحو 5000-5200 دولار، مدفوعًا بالتوترات الجيوسياسية والحروب التجارية وتراجع الدولار عالميًا.
اقرأ أيضًا:
الذهب العالمي يحطم قممًا تاريخية.. لماذا اشتعلت الأسعار وإلى أين تتجه؟
"حلحلة جرينلاند".. كيف تتأثر أسواق المال والذهب؟.. خبير يجيب