وائل عباس يكتب: ذكريات تنظيم 30 فبراير السري

02:45 م السبت 14 يونيو 2014
وائل عباس يكتب: ذكريات تنظيم 30 فبراير السري

وائل عباس يكتب: ذكريات تنظيم 30 فبراير السري




أتذكر كما يرى النائم بداياتي على الإنترنت عام 1994 تقريبا، كان الفيس بوك وتويتر ويوتيوب والإنستجرام مازالوا في علم الغيب. كان الإنترنت في مصر صامتا كمن يستخدمونه من المثقفين والأكاديميين والباحثين، وكان مكانا لتلقي المعلومة لا لنشرها، لم يبدأ محتوى عربي في الظهور على الإنترنت إلا عام 1997 تقريبا، واحتكر الإسلاميون الثقافة والفكر على الإنترنت فكان كل شيء يقدم من وجهة نظرهم، وكانوا المسيطرين على المجموعات البريدية أيضا والمنتديات الخليجية، يمنعون ويحذفون ما لا يتفق مع ثقافتهم، لكن لم يدم الإحتكار طويلا حيث بدأت إرهاصات ظهور اليسار والليبرالية والعلمانية حوالي عام 2000 في مجموعات بريدية ومنتديات جديدة تخرج عن النمط المحافظ المعتاد.

ثورة المحتوى الحقيقي على الإنترنت في منطقتنا وفي العالم بدأت عام 2003 مع ظهور المدونين، وفي عام 2004 ظهر التدوين الإخباري بمحتوى مبهر وقتها من الصور والفيديو وتغطية لفعاليات في الشارع لا تحظى بتغطية في الإعلام التقليدي. أول من بدأ التدوين الإخباري في العالم كله كان المصريين، كما أزعم، في وقت لم تكن فيه لأكبر الصحف والقنوات حتى ولو موقع متواضع على الإنترنت، حتى أنهم بدأوا في سرقة محتوانا من صور وأخبار ولقطات فيديو. وانبهر العالم بالتجربة حتى أنني حصلت عام 2007 على جائزة دولية كانت مخصصة حصريا للصحفيين، وهي جائزة نايت للتميز الصحفي من المركز الدولي للصحفيين، ثم حصلت نورا يونس في العام التالي على جائزة أخرى متميزة في مجال حقوق الإنسان على تغطيتها لمذبحة اللاجئين السودانيين في ميدان مصطفى محمود في المهندسين. ثم توالت الجوائز والتكريمات الدولية على المدونين في التصوير والوثائقيات وأصبحوا ضيوفا أجلاء على الإعلام ومحاضرين في الجامعات الغربية بينما يعاملهم وطنهم كعملاء وخونة يفضحون بلادهم.

سبّب المدونون صداعا للأجهزة الأمنية المصرية لعدة سنوات ولعدة أسباب، فهم لم يكونوا مجرد شباب دحيحة بنضارة كعب كباية ودود كتب 'بيتمنظر' بثقافته على النت، بل كانوا ينزلون الشارع بكاميراتهم يرصدون الأحداث ويفضحون الإنتهاكات كما حدث في إستفتاء 25 مايو 2005، وينشرون تحقيقات إستقصائية بالأدلة والمقابلات مع بلطجية استأجرهم النظام مقابل 20 جنيها وكيس سندوتشات، ولم يكتفوا بالتغطية بل نظموا بأنفسهم الفعاليات التي استقطبت آلاف المشاركين في الشارع كفعالية كنس السيدة زينب على مبارك، وإشعال الشموع للعذراء في الزيتون، ومسيرة للوحدة الوطنية في قلب شبرا وإحتلال ميدان التحرير لأول مرة عام 2006، وحققت الفعاليات نجاحا مبهرا رغم إحجام الحركات والتنظيمات والأحزاب السياسية عن الدعم أو المشاركة واتهام المدونين بالتخلف العقلي.

دقت تلك النجاحات ناقوس الخطر في لاظوغلي، وأصبح لزاما على أمن الدولة التعامل مع هؤلاء العيال. لم يفلح التصنيف التقليدي معنا، فلم نكن شيوعيين ولا إسلاميين، ولكن خلطبيطة من كل هؤلاء فكيف يستطيعون الزعم لرؤسائهم بوجود تنظيم سري للمدونين، فعندما اعتقلوا المدون اللاديني كريم عامر تضامن معه الإسلاميون، وعندما إعتقلوا المدون الإخواني عبد المنعم محمود تضامن معه الشيوعيون، وحاول بعض الصحفيين التابعين للنظام إختلاق تنظيم لنا ليكتبوا به قصة مثيرة على صفحات 'روزاليوسف' كما اختلقوا قصة عبدة الشيطان من قبل ولكنهم فشلوا. كان شيئا غير مفهوم فاصطلحوا على تسميتنا بالعناصر الإثارية، كما إكتشفنا في أوراق أمن الدولة التي تسربت بعد الثورة، وكان رد فعلنا هو السخرية من كل تلك المحاولات، فسمّينا أنفسنا حركة 30 فبراير المباركة، فهو يوم مش موجود في الوجود ولا يأتي أبدا، وجناحه العسكري كتائب الشهيد مالك مصطفى وهو بالمناسبة أحد من فقدوا عيونهم في مواجهات محمد محمود.

لم يكن طريق المدونين مفروشا بالورود والنجاحات فقط، بل حفل كثيرا بالدراما، فقد أثار التدوين حفيظة الإعلام التقليدي، وتكونت علاقة حب وكراهية في نفس الوقت، فالمدونون تارة ضيوف الإعلام ويستعين بما كتبوه وصوروه، وتارة هم هدف لهجوم مرير كالذي شنه يسري فودة عام 2009 عندما كتب مقالا لمجلة كولومبيا جورناليزم بعنوان: التدوين مؤامرة أمريكية على الصحافة العربية! وانتقد فيه دفاع منظمات حقوق الصحفيين عن المدونين بمبررات عجيبة باعتبار المدونين نشطاء سياسيين كالإرهابيين ممن يقذفون القنابل، وبالتالي يعرضون الصحفيين المحترفين للمخاطر إذا احتسبوا من ضمن الصحفيين.


اخترق التدوين كثيرا من المحظورات، وفجر قضايا مسكوت عنها كفيديوهات التعذيب والتحرش الجنسي وبث لقطات لفساد المحليات وتزوير الانتخابات. كان للتدوين ما يسمى بالإنجليزية 'إيدج'، أو حد قاطع لم يكن للإعلام التقليدي مثله، حتى أن الإعلام التقليدي اضطر للمنافسة كي لا يخسر متابعيه، واضطر لتغطية قضايا لم يكن يغطيها من قبل بسبب الرقابة السياسية والأمنية. وأستطيع أن أزعم أن التدوين في فترة ما قد خرق سقف الصحافة في مصر عنوة، ورغما عن أنف كل الأجهزة الأمنية وتبعته الصحافة في ذلك، السياسة والجنس والدين كلها تابوهات اخترقت بشكل غير مسبوق لتناقش موضوعات كالتوريث الرئاسي والإلحاد والمثلية الجنسية بجرأة وحرية تامة على الانترنت وبتحفظ في الاعلام. طبعا هذا لا يقارن بتدجين الإعلام حاليا بعد الإنقلاب.

بداية النهاية الدرامية للتدوين كانت مبكرة، وليس كما يظن البعض، بسبب ظهور السوشيال ميديا مثل الفيس بوك وتويتر، ولأسباب خارجية وأسباب تتعلق بالمدونين أنفسهم، وانشغالهم واتجاه بعضهم للعمل في الصحف والفضائيات بعد نجاحات حققوها على مدوناتهم.

كانت ذروة الدراما في منتصف عام 2006 عندما قرر المدونون تنظيم اعتصام خارج نادي القضاة على الرصيف تضامنا مع قضاة مصر المعتصمين بالداخل مطالبين باستقلال القضاء، ورفضت حركة كفاية والأحزاب المشاركة في الاعتصام بحجة أنه غير محمود العواقب. نجح الاعتصام نجاحا كبيرا واجتذب الاعلام وجاءت قيادات كفاية والأحزاب فقط لالتقاط الصور التذكارية مع المعتصمين، ثم قررت الأجهزة الأمنية فض الإعتصام فهجموا ذات ليلة واعتقلوا كل الموجودين. في اليوم التالي جاء المزيد، اعتقلوهم، وجاء المزيد فاعتقلوهم في مشهد درامي صورته كل القنوات لكن صودرت الشرائط ولم يتبق إلا فيديوهات صورتها بنفسي مختبئأ داخل نادي القضاة، ثم هربت ليلا الى نقابة الصحفيين، التي كانت محاصرة من الأمن حيث رفعت الفيديوهات لأفضح ما حدث.

اعتقل المقبوض عليهم من المدونين والنشطاء بالعشرات لمدة شهرين بدون محاكمة وتعرض بعضهم للاعتداء الجنسي من الأمن، كان من أبرز المعتقلين : علاء عبد الفتاح ومحمد الشرقاوي وكمال خليل ورشا عزب وأحمد ماهر الذي كوّن فيما بعد حركة 6 ابريل، كان هناك أمر بالقبض عليّ، كما أخبرني المحامون في القضية فهربت من المنزل لمدة أسبوعين حتى هدأت الأمور. لم تفعل الحركات السياسية والأحزاب شيئا يذكر لمساعدة المعتقلين، وحتى القضاة تخلوا عنهم.

'ودي كانت نهاية فرقة 30 فبراير المسرحية'، بصوت المرحوم عبد الله فرغلي.

إعلان

إعلان