• "سكر مرصود".. للحكومة اليد العليا في الأزمة (تحقيق)

    10:06 م الثلاثاء 31 يناير 2017
    "سكر مرصود".. للحكومة اليد العليا في الأزمة (تحقيق)

    سكر مرصود

    **مصدر بمصنع السكر: التموين ماكنتش عايزة تاخد مننا ولا راضيين يخلونا نصدر.. بقينا بنديه للمزارعين بدل مانديهم مستحقاتهم

    **وكيل وزارة الزراعة سابق : الهيئة والشركات الحكومية افتعلت الأزمة في الشهور الماضية لرفع سعره

    **مدير مصنع نجع حمادي: التموين وضعت السكر المحلي في صدام مع المستورد وتضخم المخزون

    **"الصادرات والواردات":60 شركة استوردت سكر في 2016 بينهم جهة سيادية

    **فلاحون: كنا بناخد فلوسنا سكر ومش هنزرع قصب تاني.

    تحقيق - مها صلاح الدين:

    معلومة انتشرت بسرعة البرق، ظهيرة الأحد الموافق 25 ديسمبر الماضي، بوصول أتوبيس السلع المخفضة، لمركز القوصية القابع بمحافظة أسيوط، جعلت أهالي القرى يتدافعون حول مبنى مجلس المدينة أفواجا، حيث مقر تمركز السيارة التي تحمل في جعبتها، أكياس السكر بسعر لا يزيد عن 10 جنيهات ونصف للكيلو، في الوقت الذي كان سعر كيلو السكر في المحال التجارية يزيد عن 15 جنيها - إن وجد .

    لم يهتم الصعيدي "دميان"، الذي شارف على السبعين، بكبر سنه، ووهن قوى جسده النحيل، ليلتحق بأقرانه من المتدافعين، للحصول على كيلو سكر، خاصة أن معاشه الذى لا يزيد على 600 جنيه، لا يتحمل سعر السكر فى السوق، لكن أقدام المتدافعين كانت أقوى منه، دهسته الأقدام، وقبل أن يتذوق طعم السكر، وصل إلى مستشفى القوصية جثة هامدة، وفقا للإخطار التي تلقته مديرية أمن أسيوط في اليوم نفسه.

    لم يكن الصعيدي دميان، الشهير بأبو يوسف، المقيم بقرية أبوإدريس – أسيوط - المتضرر الوحيد من أزمة ارتفاع أسعار ونقص السكر التي شهدتها البلاد مؤخرا، وهو ما دفع "مصراوي" لاقتفاء أثر الأزمة، لنكشف في هذا التحقيق، أن وزارة التموين المتمثلة في هيئة السلع التموينية، تسببت في أزمة في صناعة السكر لرفع أسعاره محليا.

    تستهلك مصر من سلعة السكر حوالي 3 مليون طن سنويا، منهم 2.4 مليون طن، عن طريق 5 شركات حكومية، هي: شركة السكر والصناعات التكاملية - يخصص إنتاجها لتغطية استهلاك البطاقات التموينية - وشركة الدلتا للسكر، وشركة الفيوم لصناعة السكر، وشركة النوبارية، وشركة الدقهلية للسكر، وتغطي هذه الشركات الحكومية أكثر من 75% من استهلاك المصريين، بينما تحاول 6 شركات خاصة سد الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، وهى شركة النيل للسكر، وشركة صافولا، المختصتان بتصنيع وتكرير الخام، وشركات النوران، وكرجل، والبيان ووكلكس، وهى أكبر الشركات المستوردة للسكر الأبيض، وفقا لتصريح رئيس شعبة المستوردين أحمد شيحة لـ "مصراوي"، في 31 ديسمبر الماضي، الذي أكد أن استيراد مصر من السكر يتراوح بين 600:800 ألف طن، لسد الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج.

    6

    أبعاد الأزمة

    تصريحات مدوية أطلقها أعضاء مجلس النواب في نوفمبر الماضي، مع مستهل أزمة نقص السكر، تؤكد تراكم المخزون المحلي، بمخازن 9 مصانع في الصعيد، وهو ما أكده علاء الدين مازن النائب البرلماني عن سوهاج، في 17 يناير الجاري، مؤكدا لـ "مصراوي" أنه تقدم ببيان لمجلس النواب– حصل مصراوي على نسخة منه - بتراكم ما يزيد عن 300 ألف طن سكر في مخازن مصانع نجع حمادي وجرجا وقوص، في ديسمبر الماضي، وأثناء تفاقم الأزمة.

    ويتفق هذا مع تصريحات سابقة لمدير شركة الدلتا للسكر أواخر 2015عبد الحميد سلامة- حيث أن يوجد 4 مصانع لاستخراجه من البنجر في محافظات الوجه البحري - بأن مخازن شركة يتراكم بها 170 ألف طن من إنتاج 2014، لا تستطيع بيعهم، بسبب إغراق الأسواق بالمستورد.

    map

    * الأخضر: مصانع القصب .. * الأحمر: مصانع البنجر .. * الأصفر: مصانع الشركات الخاصة

    وصرح سلامة بأنه تقدم باستقالته بعدها مباشرة، وحاول "مصراوي" التواصل معه، إلا أنه رفض أن يدلي بأي تصريحات صحفية بعد تلك الواقعة، وحاول "مصراوي" التوصل إلى حقيقة السكر المتراكم منذ عامي 2014 و2015، بمخازن مصنع نجع حمادي، وهو أول مصنع مصري ينتج السكر من القصب، حيث أنشأ عام 1897، أي أن عمره 120 عاما، تتابعت عليه الإدارات الأجنبية حتى عام 1955، وكان آخر مدير له المهندس جورج بشلر، وتولى بعده الصيدلي والجيولوجي المصري هاني الزيني في العام نفسه، ومن وقتها تعاقبت عليه الإدارات المصرية.

    مخازن السكر

    على مسافة نحو 15 دقيقة بالسيارة، تقع مخازن مصنع سكر نجع حمادي، بمحافظة قنا، بالقرب من القرى على أطراف المدينة. لم تكن زيارة مخازن المصنع، متاحة بشكل رسمي، إلا أن ساحة المخازن المكشوفة، جعلتنا نتمكن من رصد ما بداخلها من أعلى البنايات التي تحوطها خلسة، ونوثق مشاهداتنا بالفيديو.

    1

    كميات كبيرة من أجولة السكر، المتراصة فوق بعضها، متناثرة بين أرجاء المخازن الشاسعة، بعضها مكشوف، وبعضها تعلوه أغطية، يكشف لون غبارها البني الذي يكسوها، عن طول المدة التي لم تتزحزح خلالها من أماكنها.

    أصل الأزمة

    توجه "مصراوي" للقاء مع مدير المصنع، الكيميائي عادل حسين أيوب، في اليوم نفسه، الجمعة 13 يناير 2017، فقال إن الازمة بالمنتج المحلي بدأت منذ العام 2014، في ظل انخفاض أسعاره عالميا، وكان سعر الطن المستورد 350 دولارا، ليصل الطن بعد إضافة قيمة التخليص الجمركي إلى 3160 جنيها، بمتوسط 3.10 جنيه للكيلو، بينما كان يبلغ سعر طن قصب السكر المحلي، قبل تصنيعه، 4000 جنيه، بمتوسط 5 جنيهات للكيلو.

    ويكمل "أيوب" قائلا": "باب الاستيراد مفتوح لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، فمن المفترض أن نستورد بين 600 إلى 700 ألف طن، إلا أن هذا لم يحدث، وبدأ المستوردون في إغراق السوق، حتى تكدست أكوام السكر المحلي في المخازن حتى نهاية 2015.

    ويرى مدير مصنع نجع حمادي، أن السكر المحلي كان صمام الأمان، من تقلبات بورصة السكر العالمية، ولابد من التمسك بصناعة السكر وتنميتها، مادامت المادة الخام اللازمة موجودة.



    يرى أيوب أن الأزمة بدأت منذ عام 2014، بعد أن تم طرح السكر المستورد في هيئة السلع التموينية، والمنافذ التابعة لها، كأول بند ضمن بنود السلع، بقيمة 4.25 قرش، يليه السكر المصري بقيمة 4.90 جنيه.

    فوضعت وزارة التموين السكر المستورد في صدام مع المحلي، ومن هنا حدث الركود، وتعالت الأصوات والمخاطبات، ونشبت المشكلات مع مزارعين القصب، الذين لم تصرف مستحقاتهم وقتذاك، لعدم بيع المخزون، واضطر أصحاب المصانع لإعطائهم مستحقاتهم "سكر"، وهو ما أكده مزارعو القصب في نجع حمادي لـ "مصراوي".

    ورغم الكميات الكبيرة من السكر المتراكم في مخازن المصنع حتى الآن، يرى "أيوب"، أن السلع التموينية بدأت في يناير _بعد أن اقتربت الأزمة على الانتهاء" سحب كميات السكر المحلي بالمعدل الطبيعي، مؤكدا أن تحرير سعر صرف الجنيه، وارتفاع بورصة السكر العالمية، قلصت حركة الاستيراد.

    الاستيراد فوق الحاجة

    ورغم اصطفاف مقطورات القصب أمام بوابات المصنع، لتجهر ببدء موسم عصير القصب وتصنيع السكر 2017، أعلنت وزارة التموين استمرارها استيراد السكر، حيث وصول 25 ألف طن سكر برازيلي، في 7 يناير 2017.

    وفي البيان نفسه، أعلنت عن قرب وصول 30 ألف طن آخرين يوم 20 يناير الجاري، من ثم وصول120 ألف طن سكر أبيض مستورد، إلى موانئ الإسكندرية ودمياط في 25 يناير 2017، ليبلغ الاحتياطي الاستراتيجي للسكر المستورد في وزارة التموين في مستهل العام الجاري 370 ألف طن حتى الآن.

    2

    وتستورد وزارة التموين السكر، عن طريق طرح هيئة السلع التموينية مناقصات تتقدم إليها الشركات الخاصة، ففي عام 2016 بلغ حجم استيراد مصر من السكر 1.3مليون طن، رغم أن الفجوة الاستهلاكية لا تتعدى الـ 800 ألف طن في العام، وهو ما جعل "مصراوي" يسعى للحصول قائمة بقيم شحنات السكر المستورد، التي دخلت مصر خلال 2016، في 10 يناير 2017.

    والتي بلغت قيمتها 4,2 مليار جنيه، وأوضحت سجلات مصلحة الجمارك تضاعف حجم استيراد مصر للسكر في الشهور الأخير من 2016، بالرغم من تحرير سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي، ووجود تراكم مخزون السكر المحلي، وسط استغاثات مديري شركات السكر، والنواب البرلمانيون، كما هو موضح بالأرقام في الرسم البياني التالي.



    وكشف المهندس عادل حسين أيوب، مدير مصنع السكر، عن أن الشركات المستوردة للسكر بكميات كبيرة قبل الأزمة قامت بتصدير ما كان لديها من مخزون مع ارتفاع أسعار السكر عالميا، بالتزامن مع تحرير سعر صرف الجنيه أمام الدولار، بهدف تحقيق أرباح مناسبة بدلا من طرح المخزون في السوق وسد الاحتياجات.
    بينما لا يتم سحب شحنات السكر من المصانع الحكومية، إلا عن طريق مخاطبة هيئة السلع التموينية، لشركة السكر والصناعات التكاملية، والتي تقوم بدورها بإرسال مخاطبة عبر "الفاكس"، لتسليم الشحنات المطلوبة في الموعد المحدد.

    وهو ما أقره مصدر داخل شركة السكر، الذي فضل عدم نشر اسمه: " منقدرش نطلع فتفوتة إلا عن طريق المركز الرئيسي، بقسم التعاقدات، ومن ثم يتم إرسال إذن من المركز بالصرف، مؤخرا تم تكليف شركة السكر بالتغليف والتعبئة، وهذا ينطبق أيضا على شركات إنتاج السكر من البنجر، حيث تمتلك منه شركة السكر للصناعات التكاملية 51% من الأسهم".

    ويتابع مردفا: "السكر مالوش مدة صلاحية ومبيفسدش طالما متخزن في مكان جاف، في الأزمة الأخيرة وزارة التموين ماكنتش عايزة تاخد مننا ولا راضيين يخلونا نصدره، بقينا بنديه للمزارعين بدل مانديهم مستحقاتهم، ويروحوا يبيعوه بالخسارة"، ويختتم المصدر حديثه "تبعيتنا لوزارة التموين سيئة جدا، وكدة بيوقعوا شركات السكر مع المزارع، فالمزارع ميزرعش سكر تاني، وفي الآخر نستورد خام ونكرره".

    وقيعة المصانع مع المزارعين

    بقامة بدت قصيرة بفعل انحناء السنين، ووجه كسته شمس الحقل بسمرة الصعيد، نحى الستيني "حسن"، أعمال كسر القصب بمزرعته جانبا، وهم بوجه بشوش نالت منه خطوط الزمن ما تشاء، ليستقبل "مصراوي"، ويحكي لنا عن معاناته منذ بداية أعمال الزراعة، حتى تسليم القصب لشركة السكر، واستلام مستحقاته، قائلا بلهجة صعيدية، وسن واحد تصدر شفتيه: "تعالوا شوفوا والله تعبنا، ياريت تلاقولنا حل، والله ما نزرع قصب تاني".

    3

    ويتابع العجوز الأسمر: "بنتحمل زراعة وسماد وعمال وجمال ومقاطير، وفي الآخر بنخسر في الفدان 30 جنيه، مبنكسبش"، وهو ما جعل الدكتور محمد سلامة أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة المنوفية، يعلق بأن المناخ العام وتفضيل هيئة السلع التموينية السكر المستورد على المحلي، يوقع الظلم على المنتجين المحليين، بداية من الفلاح وحتى شركات السكر المحلي.

    حيث كان سعر تعاقد الشركات مع مزارعي القصب العام الماضي 480 للطن، في الوقت الذي كان وزير التموين السابق خالد حنفي، يتيح استيراد السكر ما ساهم في تراكم السكر المحلي، ومن ثم تصدير جزء كبير منه، بعد ارتفاع أسعار السكر العالمية.

    وحصل مصراوي على مستند من مصلحة الجمارك المصرية، يبين أنه في آخر 3 شهور من ذروة الأزمة، بلغت قيم شحنات السكر المصدر من مصر، في أكتوبر المنصرم 217 مليون جنيه، ونوفمبر 348 مليون جنيه، وديسمبر 170 مليون جنيه، بينما رفض المسؤولون بمصلحة الجمارك الإفصاح عن هوية المستوردين والمصدرين، متعللين بكونها بيانات خاصة، لا يكفل القانون حق تداولها. وهو الموقف الذي التزمه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تجاه الطلب نفسه.

    4

    ويؤكد سلامه لـ "مصراوي" أن تحرير سعر صرف العملة (تعويم الجنيه)، فاقم الأزمة بزيادة أسعار المستورد، ليستقر على السعر الحالي. وحتى بعد وصول سعر طن القصب لـ 620 جنيه، كما أقرته الحكومة مؤخرا، يقع ظلما على المنتجين.

    وبين تهديدات مزارعي القصب بالإحجام عن زراعته في السنوات المقبلة، يوضح وكيل وزارة الزراعة السابق حمدي عاصي لـ "مصراوي"، أن المؤثرين على صانعي القرار في مصر، يأخذون الدولة في اتجاه الاستيراد وليس الإنتاج، فمصر تزرع سنويا حوالي 310 فدان قصب سكر، بالإضافة لحوالي 600 فدان بنجر، من شأنهم أن يكفوا احتياجات مصر من قصب السكر بشكل تقريبي.



    في الوقت الذي يطرح السكر المستورد على الحكومة بسعر أقل من السكر المصري، كما يطرح القمح المستورد بسعر أرخص من القمح المصري، كما يطرح طن القطن المستورد بـ 600 جنيه، بينما يطرح القطن المصري بـ 1300 جنيه، فتتوقف منظومة الزراعة، ويصبح السوق تحت سيطرة المستورد، ومن ثم تحديد الاسعار وفقا للأسعار العالمية، بحسب عاصي.

    وهو ما أكده مدير مصنع سكر نجع حمادي، الكيمائي عادل حسين أيوب، من ارتباك بين مصانع السكر والمزارعين، واستياء المزارعين من تسعير طن القصب بـ 620 جنيه فقط، قائلا: "إحنا مضربناهومش على إيديهم، ولا قولنالهم يبيعوا بالخسارة، مدام جابوا القصب يبقى أكيد كسبانين 100%"، وحينما وضعنا نصب أعينه تهديدات الفلاحين بالعزوف عن زراعة القصب مرة أخرى، رد قائلا: "هما أحرار"، ورفض التعليق على مدى خسارة مصانع السكر إذا تحقق ذلك.

    ويوضح الإنفوجرافيك التالي، الكميات المستوردة من أطنان السكر قبل ارتفاع سعره العالمي من 350 دولار للطن، إلى 600 دولار للطن، في شهور ما قبل وما بعد تحرير سعر الجنيه المصري أمام الدولار، حيث كان السعر الرسمي للدولار قبل "التعويم" 8 جنيهات، وبعد التعويم بلغ متوسط سعره 18 جنيها.

    المستوردين خط أحمر

    تقدم مصراوي لهيئة الرقابة على الصادرات والواردات بطلب رسمي، للحصول على الكميات والشركات المستوردة والمصدرة للسكر عام 2016، لكن رفض اللواء جابر إسماعيل، رئيس الهيئة، الإفصاح عن أسماء الشركات المستوردة، مكتفيا بالكشف عن كميات الاستيراد والبالغة 1,123 مليون طن خلال 2016، بقيمة نصف مليار دولار أمريكي.

    وكشف رئيس هيئة الرقابة على الصادرات والواردات عن عدد الشركات المستوردة الذي يبلغ 60 جهة وشركة، من بينهم جهات سيادية، بينما قال ان حجم صادرات مصر من السكر خلال عام 2016 بلغ 657 ألف طن بقيمة 3 مليار و236 ألف جنيه مصري، وفقا لسجلات الهيئة.

    وفي الوقت الذى رفض الإفصاح عن أسماء الشركات المستوردة فى 2016, إلا أنه أفصح عن أبرز الشركات المصدرة، وهم الشركة المصرية المتحدة، وشركة السكر والصناعات التكاملية، وشركة النيل، والإسكندرية، وغيرهم من شركات القطاع الخاص البالغ عددهم 41 شركة في مصر.

    التموين أمام المواطن

    في الوقت الذي ردد فيه وزير التموين اللواء أحمد مصلحي تصريحات تؤكد أن المواطن هو الذي صنع أزمة السكر والسلع بشكل عام في ديسمبر ويناير الجاري، بتكالبهم على السلع، وخلق سوق سوداء، أكد رئيس مصنع السكر والصناعات التكاملية محمد عبد الرحمن، خلال مؤتمره الصحفي عقد في 15 يناير الجاري، أن وجود سعرين للسكر التمويني والحر، هو المتسبب الأول في خلق سوق سوداء، قائلا: "أي سعرين لسلعة واحدة في السوق بيخلق سوق سوداء".

    وهو ما جعل معاون وزير التموين لملف السكر، كريم جمعة، يقول مدافعا: "التصريحان غير مرتبطان، فتصريح الوزير كان يعلق على النمط الاستهلاكي للمواطنين، وقت شعورهم بالخطر لشح السلعة، ومن ثم لجوئهم للتخزين، بينما التصريح الثاني متعلق بأزمات ضمائر من يستغلون الأزمات للتربح".

    وحينما واجهنا "جمعة" بحجم واردات وصادرات مصر من السكر، في مقابل المخزون المكدس بالمخازن من عامي 2014 و2015، برر ذلك بانخفاض أسعار السكر العالمية، وبورصة السكر، وهو ما جعل سعر المنتج المستورد أقل سعرا من السكر المحلي، فتكدس السكر في مخازن المصانع المحلية، وتعالت الاستغاثات.

    5

    الإتاحة أهم من الصناعة

    ولم ينكر ممثل وزارة التموين وقائع حصول المزارعين على مستحقاتهم من السكر بدلا من النقود، قائلا" مخزون السكر المحلي تكدس في عامي 2014،2015، بسبب ارتفاع تكلفة إنتاجه، معترفًا بعدم قيام الهيئة بعدم سحب كميات من مخزون الشركات وقت الأزمة.

    بالعودة إلى وكيل وزارة الزراعة السابق حمدي عاصي، فسر ذلك بتواطؤ هيئة السلع التموينية ومديري شركات ومصانع السكر المحلية على المواطن، حيث أرادوا تغطية تكاليف الإنتاج، فانتظروا لحين ارتفاع الأسعار لمستوي يحقق مكاسب للشركات، وهو ما يؤكده قرار هيئة السلع التموينية اليوم برفع أسعار بيع السكر لـ 8 جنيهات.

    غير أن مسؤول التموين برر ارتفاع الأسعار بأن هناك آلية لتحديد السعر تتم وفقا لقرارات سيادية، وأن الهيئة ليست إلا ذراع لوزارة التموين، ولا يمكنها اتخاذ أي قرارات منفردة. مستنكرا الحديث عن أزمة في صناعة السكر المحلي، بقوله: "هدفنا الحالي هو إتاحة السلعة، بخلاف الأزمة التي حدثت في الصناعة"، مضيفا أنه معظم احتياجاتنا يتم استيرادها من الخارج، وليس السكر فقط.

    وفسر جمعة لجوء هيئة السلع التموينية لاستيراد السكر لحساب الشركات المستوردة حاليا، بمحاولة ضخ كميات مضاعفة من السكر، لحين تحقيق استقرار في أسعار السكر في السوق، مؤكدا استمرار القطاع الخاص في الاستيراد أيضا.

    بينما اعتاد محمد، عامل المطعم بأحد دور الضيافة، الخاصة بمصانع الألومنيوم بقنا، أن يشق طريق بالليل الحالك في ذعر، ليحصل على 10 أكياس من السلعة المنشودة من أجل سد احتياجات مطعمه خلسة، بسعر 14 جنيها لعدم توفرها بالسعر الرسمي بالمتاجر، تفوح رائحة السكر جنبات قرى نجع حمادي، وتفصله عنها أسوار المخازن.

    إعلان

    إعلان

    إعلان