بين جبانة "البجوات" و"كهف مريم".. آثار الوادي الجديد تكشف أسرار حياة الأقباط الأوائل في واحة الخارجة
كتب : محمد الباريسي
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
-
عرض 25 صورة
كشفت آثار جبانة البجوات وكهف مريم في الوادي الجديد عن واحدة من أندر الصفحات الباقية من العهد القبطي في مصر، حيث تحتفظ مدينة الخارجة بمشهد استثنائي تتجاور فيه الجبانة المسيحية القديمة مع الجبل المملوء بالكهوف والنقوش، في صورة تجمع بين الرهبنة والدفن والعبادة والفن الديني المبكر.
وفي قلب الصحراء الغربية، لا تبدو هذه المواقع مجرد أطلال أثرية، بل شواهد على مرحلة احتمى فيها الأقباط بالعزلة هربًا من الاضطهاد، وتركوا خلفهم ذاكرة روحية وإنسانية لا تزال حاضرة حتى اليوم.
من الاضطهاد إلى الملاذ الآمن
وبحسب ما كشفه الخبير الأثري منصور عثمان، مدير الآثار القبطية الأسبق بالوادي الجديد، في تصريحات خاصة لـ"مصراوي"، فإن القصة تبدأ في القرون الأولى للميلاد، حين دفعت موجات الاضطهاد الروماني للمسيحيين كثيرين إلى الاتجاه نحو الواحات، لتصبح مدينة الخارجة ملاذًا آمنًا للمؤمنين الفارين بدينهم.
وقال عثمان، إنه جرى استخدام جبانة البجوات للدفن منذ أواخر القرن الثالث الميلادي وحتى القرن السابع، لتتحول مع الوقت إلى واحدة من أقدم الجبانات المسيحية في العالم، وتضم الجبانة نحو 263 مقبرة مشيدة بالطوب اللبن على هيئة قباب وقبوات متلاصقة، في تكوين بصري مميز يشبه خلايا النحل وسط الرمال، ويمنح الوادي الجديد مكانة خاصة على خريطة التراث القبطي المصري.
مزار الخروج.. جوهرة البجوات
وفي قلب جبانة البجوات يبرز "مزار الخروج"، المعروف مجازًا باسم "كنيسة الخروج"، بوصفه أبرز معالم العهد القبطي في الموقع.
وقال الخبير الأثري بهجت إبراهيم، مدير الآثار السابق بالوادي الجديد، في تصريحات خاصة لـ"مصراوي"، إن هذا الأثر ليس كنيسة بالمعنى الطقسي التقليدي، بل مزار جنائزي أو حجرة مقببة ذات طابع كنسي، كانت الأسرة تجتمع فيها لإحياء الذكرى والصلاة على روح المتوفى.
وأوضح أن القيمة الحقيقية للمزار لا تكمن فقط في بنائه البسيط من الطوب اللبن، بل في قبتِه وسقفِه المزخرفين برسوم فريسكو نادرة تعكس تداخل الفن القبطي المبكر مع الرموز الدينية والروح المصرية القديمة، وهو ما يجعل المزار وثيقة بصرية استثنائية من تاريخ العهد القبطي في الوادي الجديد.
جداريات تحمل رسائل النجاة والقيامة
واستمد مزار الخروج اسمه من المشهد الرئيسي الذي تتصدره القبة، وهو "خروج بني إسرائيل من مصر"، حيث يظهر النبي موسى وهو يقود قومه عبر الصحراء فيما يلاحقهم جيش فرعون.
ويرى بهجت إبراهيم أن هذا المشهد لم يكن مجرد اختيار فني، بل حمل إسقاطًا سياسيًا وروحيًا واضحًا، إذ رأى مسيحيو جبانة البجوات في قصة الخروج رمزًا للخلاص من الاضطهاد وأملًا في النجاة، ولم تتوقف الرسائل الرمزية عند هذا الحد؛ إذ تضم الجداريات أيضًا قصة النبي يونس والحوت، ودانيال في جب الأسود، وآدم وحواء بعد الخروج من الجنة، وسفينة نوح، وهي كلها مشاهد صاغت بانوراما لاهوتية كاملة عن الموت والرجاء والقيامة، بما يعكس عمق الوعي الديني لدى سكان مدينة الخارجة في تلك الفترة.
تفاصيل فنية تكشف عمق الثقافة القبطية
ومن جانبها، قالت الدكتورة سهام بحر، مدير الآثار القبطية الحالي بالوادي الجديد، في تصريحات خاصة لـ"مصراوي"، إن هذه الجداريات لم تكن مجرد زخارف جدارية، بل كانت تحمل رسائل طمأنة لأهالي الموتى والزائرين. وأوضحت أن مشهد خروج يونس حيًا من بطن الحوت بعد ثلاثة أيام عبّر عن فكرة القيامة، بينما جسد دانيال وسط الأسود معنى الحماية الإلهية في زمن الخوف.
وأضافت أن الدراسات الحديثة رصدت أيضًا شخصيات أخرى مثل إسحق، والثلاثة فتية في أتون النار، إلى جانب حضور لافت للقديسة "ثِكلا"، بما يعكس انفتاح ثقافة سكان جبانة البجوات على التراث المسيحي المبكر عالميًا، ويؤكد أن العهد القبطي في الوادي الجديد لم يكن معزولًا عن التيارات الفكرية والدينية الأوسع.
جبل الطير.. الكهف الذي احتضن الرهبان
وعلى بعد نحو 7 كيلومترات شمال مدينة الخارجة وشمال جبانة البجوات، يبرز جبل الطير بوصفه محطة أخرى من محطات العهد القبطي في الوادي الجديد.
والجبل، الذي يصل ارتفاعه إلى نحو 12 مترًا، يتكون من هضاب متلاصقة تتخللها مغارات وكهوف أشهرها كهف مريم، المحفور في صخور جيرية يتراوح عمرها الجيولوجي بين 30 و70 مليون سنة.
وقال الخبير الأثري بهجت أحمد أبو صديرة، في تصريحات خاصة لـ"مصراوي"، إن تسمية الجبل جاءت من الطيور المهاجرة والبرية التي كانت تتخذه قديمًا ملاذًا آمنًا بعيدًا عن الحيوانات المفترسة والطيور الجارحة، موضحًا أن الجبل كان بدوره ملاذًا للأقباط الهاربين من بطش الرومان، وهو ما يفسر القرب الجغرافي والروحي بين كهف مريم وجبانة البجوات.
كهف مريم بين الرواية الشعبية والقيمة الروحية
وأشار منصور عثمان، في تصريحات خاصة لـ"مصراوي"، إلى أن كهف مريم استقر فيه الرهبان واستخدموه مكانًا للتعبد والإعاشة وتخزين الحبوب، فيما لا تزال جدرانه تحتفظ بنقوش قبطية وصلبان ورسومات للسيدة العذراء وهي تحمل المسيح.
وأضاف أن هناك خلافًا تاريخيًا بين المؤرخين بشأن صحة استقرار السيدة العذراء داخل كهف مريم لفترة قصيرة، إلا أن القيمة الكبرى للموقع لا ترتبط فقط بهذه الرواية، بل أيضًا بما تحمله جدرانه من كتابات روحية مترجمة، من بينها عبارات تشير إلى الزهد والتفرغ للعبادة، فضلًا عن سطور أخرى تخلد أسماء شهداء الأقباط وتعاليم الدين المسيحي. وبهذا المعنى، ظل كهف مريم شاهدًا على حياة الرهبنة والنسك في الوادي الجديد، تمامًا كما ظلت جبانة البجوات شاهدًا على طقوس الدفن والإيمان بالقيامة.