"بين فكي المنشار وغبار الموت".. يوميات صمود عمال محاجر المنيا (صور)
كتب : مختار صالح
-
عرض 4 صورة
-
عرض 4 صورة
-
عرض 4 صورة
-
عرض 4 صورة
بينما يغط الجميع في نوم عميق، تبدأ "رحلة الشقاء" في قلب جبال المنيا. هناك، حيث يختفي اللون الأخضر ويطغى بياض غبار "البودرة"، يسطر آلاف العمال ملحمة يومية مع الصخر، ينحتون الجبال بأجساد نحيلة ويواجهون الموت تحت وطأة درجات حرارة المرتفعة في فصل الصيف، من أجل لقمة عيش مغمسة بالعرق والتراب.
في حضرة "عروس الصعيد" البيضاء
تُعرف محافظة المنيا بـ"عروس الصعيد"، لكن خلف هذا اللقب تكمن إمبراطورية المحاجر الممتدة من شرق النيل حتى أعماق الصحراء. هنا، لا تسمع سوى أزيز "المنشور" وصوت مطارق العمال التي لا تهدأ. يعمل هؤلاء الرجال في بيئة توصف بأنها الأقسى في مصر، حيث يحول غبار الحجر الجيري الوجوه إلى ملامح شاحبة تشبه "الطحين"، ويستقر في صدورهم ليترك آثارًا صحية مؤلمة على المدى الطويل.
معركة "الآلي" والجسد
الجبل لا يرحم، والماكينات لا تتوقف، حيث يبدأ العمال العمل قبل الفجر لمحاولة استباق لهيب الشمس، حيث تتحول المغارات في ساعات الظهيرة إلى أفران مشتعلة لا ترحم الأجساد النحيلة.
المعاناة مزدوجة؛ فهناك خطر الكهرباء والآلات الحادة التي قد تصيب العامل في غفلة من التعب، ومن جهة أخرى غبار السيليكا الذي يسكن الرئة ويجعل التنفس عبئًا ثقيلاً مع مرور السنين. ورغم كل هذا، يبتسم العامل وسط الغبار، معتبرًا أن نحت الصخر قدر اختاره بشرف.
فاتورة "الذهب الأبيض": أطراف مبتورة ورئات معطلة
ليست الحرارة وحدها هي العدو؛ فالفاتورة التي يدفعها العامل هنا باهظة من جسده. داخل نحو ألفي محجر، تتحول آلات التقطيع الثقيلة في لحظة غفلة إلى وحوش تلتهم الأطراف، مخلفةً آلاف الإصابات بالعجز الكلي. بتر الأطراف، الالتهاب الرئوي المزمن، السرطان، وضعف السمع.. ليست مجرد احتمالات، بل هي النهاية شبه المتكررة لرحلة العمل. سحابات الغبار الكثيفة التي تغطي سماء المحاجر تترك خلفها قائمة طويلة من الأمراض، من التهابات العيون الحادة إلى الحمى، ليجد العامل نفسه في النهاية أمام جسد منهك في انتظار معجزة طبية.
يوميات تحت "خط النار"
ساعة الصفر: تبدأ في الرابعة فجراً، حيث يتم نقل العمال في سيارات "نصف نقل" مكشوفة صعودًا إلى الجبل.
البيئة القاتلة: في الصيف تتحول الصخور إلى مخازن للحرارة، وفي الشتاء تصبح كتلًا ثلجية، بينما يظل العامل مرتديًا ملابسه البسيطة و"اللثام" لحماية أنفه من الغبار الكثيف.
نظام العمل: يعتمد على "الإنتاجية"، فكلما زاد عدد "البلوكات" المقطوعة، زاد الأجر الذي غالبًا لا يتناسب مع المخاطر الصحية.
"أبطال منسيون" في انتظار الرعاية
رغم أن محاجر المنيا تمد مصر والعالم بأجود أنواع الرخام والحجر الجيري، يطالب العمال بمظلة حماية اجتماعية وتأمين صحي يليق بمهنة "نحت الجبال". لا يطلبون المستحيل، بل مجرد تقدير لهذه الأيادي التي تبني القصور والمدن، بينما يسكن أصحابها في بيوت بسيطة بقرى شرق النيل.
تنتهي وردية العمل مع غروب الشمس، ويغادر العمال الجبل بوجوه بيضاء كالحجر الذي نحتوه، حاملين يوميتهم وتعبًا لا يزول إلا بـ"دش" بارد. تبقى حكايات محاجر المنيا شاهدة على إرادة المصري الذي "ينحت في الصخر" ليؤكد أن لقمة الحلال تستحق كل هذا العناء.