"السمسمية".. حكاية آلة طرب تحولت لسلاح ورمز للمقاومة في بورسعيد (صور)
كتب : مختار صالح
-
عرض 4 صورة
-
عرض 4 صورة
-
عرض 4 صورة
-
عرض 4 صورة
بينما كانت المدافع تدوي على ضفاف قناة السويس، والبارود يملأ أجواء المدينة الباسلة، كانت هناك "أوتار" من نوع خاص تعزف لحن الصمود. لم تكن مجرد آلة موسيقية للترفيه، بل كانت "السمسمية" الملاذ والمنبر والسلاح الذي شحذ همم الفدائيين في خنادق المقاومة. من رحم الحضارة الفرعونية جاءت، وعلى أرصفة القناة استقرت، لتروي حكاية عشق لا ينتهي بين الإنسان البورسعيدي وآلته التي لا تخون.
جذور فرعونية وهوية "قناوية"
لا تخلو أي مناسبة أو حفل شعبي في محافظات القناة من "السمسمية"، تلك الآلة التي باتت علامة مسجلة للفلكلور الشعبي الذي يميز مدن القناة عن باقي المحافظات المصرية والمنطقة العربية. هي عشق يتوارثه الأجيال، يتعلمها الصغير قبل الكبير، وتتقنها النساء كما الرجال، بل اتخذها الكثيرون مهنة ومصدر رزق.
تعود جذور السمسمية إلى "الكنارة" الفرعونية، وهي آلة وترية تشبه "الهارب" الصغير، ظهرت في النقوش القديمة، قبل أن تنتقل عبر العصور لتستقر في وجدان "السمسمجية" في بورسعيد والإسماعيلية والسويس، وتتحول مع الوقت إلى أيقونة موسيقية فريدة.
حين غنت الأوتار "يا بيوت السويس"
خلال سنوات النكسة وحروب الاستنزاف، لم تكتفِ السمسمية بدورها في حفلات الزفاف، بل انتقلت إلى خطوط المواجهة. يتذكر كبار "السمسمجية" كيف كانت الأوتار تُضبط لتصدح بأغاني المقاومة التي تبث الرعب في قلوب الأعداء وتزرع الأمل في نفوس الصامدين.
يقول أحد كبار العازفين: "كانت السمسمية هي المنشور السري الذي يوزع الحماس في الشوارع، فصوت الوتر كان أقوى من صوت الرصاص في معارك الوعي والروح المعنوية."
تحولت كلمات الأغاني البسيطة إلى "شيفرات" وطنية، وخلدت أسماء أبطال المقاومة الشعبية، لتصبح السمسمية "سلاحًا ناعمًا" يثبت أن الفن في بورسعيد هو خط الدفاع الأول عن الأرض والكرامة.
صناعة الفرح.. فن ومهنة
اليوم، لا تزال السمسمية "سيدة السهرة" في بورسعيد، حيث تطورت صناعتها من خشب بسيط وجلود حيوانات وأوتار معدنية، لتصبح تحفة فنية يتسابق الصناع في زخرفتها، ولم يعد العزف عليها مجرد هواية، بل أصبحت هناك مدارس وفرق موسيقية تجوب العالم لتعريف الشعوب بهذا التراث المصري الأصيل الذي يجمع بين شجن البحر وعنفوان الصحراء.
آلة السمسمية لم تغنِ للحب فقط، بل غنت للوطن حتى صار اسمها مرادفًا للحرية. السمسمية في بورسعيد ليست مجرد صندوق خشبي وأوتار، بل نبض مدينة تأبى النسيان، ووتر يرفض الانكسار.