من العرف إلى الرقمنة.. 5 محطات تاريخية شكلت وجه القضاء في الوادي الجديد
كتب : محمد الباريسي
-
عرض 17 صورة
-
عرض 17 صورة
-
عرض 17 صورة
-
عرض 17 صورة
-
عرض 17 صورة
-
عرض 17 صورة
-
عرض 17 صورة
-
عرض 17 صورة
-
عرض 17 صورة
-
عرض 17 صورة
-
عرض 17 صورة
-
عرض 17 صورة
-
عرض 17 صورة
-
عرض 17 صورة
-
عرض 17 صورة
-
عرض 17 صورة
-
عرض 17 صورة
في قلب الصحراء الغربية، حيث تمتزج رمال الواحات بعبق التاريخ، لم تكن رحلة البحث عن "العدالة" مجرد إجراءات قانونية، بل كانت ملحمة من المشقة والسفر عبر الدروب الوعرة استمرت لقرون.
من الجلوس أمام قضاة العرف تحت ظلال النخيل، وصولاً إلى أروقة المحاكم الذكية المكيفة، يكتب الوادي الجديد اليوم السطر الأخير في فصل "المعاناة"، معلنًا تدشين عصر قضائي جديد ينهي تبعية المحافظة لمحاكم وادي النيل.
في هذا التقرير يصحبكم "مصراوي" في رحلة عبر الزمن، موثقاً تطور النظام القضائي في الواحات، من العصور الإسلامية والمماليك، مروراً بفرمانات العائلة العلوية، وصولاً إلى الحدث التاريخي في نوفمبر 2025.
القضاء في العصور الإسلامية.. "أحفاد الصحابة" يحكمون
كشف محمود عبد ربه أحمد، خبير التراث الواحاتي بالوادي الجديد، لـ"مصراوي"، أن النظام القضائي في الواحات قديماً كان نسيجاً فريداً يجمع بين الشريعة الإسلامية والأعراف السائدة، ونظراً لطبيعة المجتمع الواحاتي المغلق، جرى إيكال مهمة القضاء إلى رجال يدركون خبايا العائلات وعاداتهم.
وقال عبد ربه، إنه في سابقة تاريخية جرى تعيين القضاة في ذلك العصر من نسل الصحابي الجليل عبادة بن الصامت الخزرجي الأنصاري، الذين استوطنوا مدينة الخارجة منذ الفتح الإسلامي.
وأشار عبد ربه، إلى أن عائلة "عمدة بلاط" تنحدر من هذا النسل الشريف، حيث تولوا منصب "نواب الشريعة"، ليتمكنوا من الموائمة الدقيقة بين نصوص القانون وعادات القبائل، ولم يُعين قاضٍ من خارج أهل الواحة لضمان العدالة الناجزة، بينما كان حق الاستئناف في تلك الحقبة يُرفع إلى "مجلس الشرع الشريف" بمدينة منفلوط التابعة لأسيوط حالياً.
عصر المماليك.. "الكاشف" وجباية الضرائب
مع دخول عصر المماليك، لم يتبدل الجوهر القضائي كثيراً، لكن جرى استحداث منصب رقابي أمني، هذا ما أكده الأستاذ الدكتور عبد الله محمد حنفي، من أبناء واحة الداخلة، وأستاذ الجغرافيا بجامعة بورسعيد، وخبير في تراث وتاريخ الواحات، لمصراوي، موضحًا أن المماليك وضعوا بجانب كل نائب شرعي (قاضي) نائباً عن السلطة سُمي بـ"الكاشف".
وقال حنفي، إنه لم تكن مهام "الكاشف" قضائية بالدرجة الأولى، بل انحصرت اختصاصاته في تحصيل الضرائب الأميرية وحفظ الأمن العام، وفي تلك الفترة، تحولت وجهة استئناف الأحكام؛ فبدلاً من منفلوط، أصبحت القضايا تُستأنف أمام مجلس الشرع بـ"الداخلة"، نظراً لأن الخارجة كانت تابعة إدارياً لحكم الداخلة، واللتان كانتا جزءاً متمماً لولاية شملت "الأشمونيين" ومنفلوط وجرجا.
العائلة العلوية.. من "العادة" إلى "القانون"
وتابع حنفي، إنه في حقبة العائلة العلوية، شهد النظام القضائي تحولات دراماتيكية، حيث أصدر "محمد علي باشا" مرسوماً يُقر فيه أهالي الخارجة على الحقوق التي اكتسبوها بحكم "العادة"، كان الهدف هو استمالة الأهالي، إلا أن النتيجة جاءت عكسية؛ حيث أدى الاعتماد الكلي على العرف إلى اختلال الأمن وضياع حقوق المتقاضين، مما استدعى تدخلاً حكومياً عاجلاً.
لتدارك الفوضى، جرى إصدار "ديكريتو" (مرسوم) في 22 فبراير 1890، ثم تلاه قانون عام 1891 الذي منح "المعاون" (ممثل السلطة) حق الحكم النهائي في قضايا المخالفات البسيطة، تجنباً لإرسال المتخاصمين في قضايا تافهة إلى جرجا أو أسيوط للمحاكمة، وهو ما كان يمثل "عذاباً" حقيقياً في ظل وسائل النقل البدائية آنذاك.
أول تشكيل لمحاكم الواحات
ورغم تلك المحاولات، ظل الأهالي يئنون من بُعد جهات التقاضي الرئيسية، وهنا، أكد أحمد مسعود عكاشة، خبير التراث الواحاتي من أبناء مدينة الخارجة، لـ "مصراوي" بأن الحكومة أدركت في مطلع القرن العشرين أن تحويل "معاون الواحات" إلى رجل ضبطية قضائية لم يكن كافياً.
وقال عكاشة، إنه في عام 1900، جرى سن قانون محوري سد الفراغ التشريعي، وبموجبه تشكلت محاكم نظامية بالواحات تتكون من "المأمور" أو "المعاون" رئيساً، وعضوية اثنين من أعيان البلد، واختصت هذه المحاكم بالفصل النهائي في المخالفات، والفصل في القضايا المدنية التي لا تتجاوز قيمتها 1500 قرش، بينما ظلت قضايا الجنح والمدني (فوق 1500 وحتى 5000 قرش) قابلة للاستئناف أمام مديرية أسيوط، لتخفيف عبء السفر جزئياً عن كاهل المواطنين.
تطور المقرات.. من "الطوب اللبن" إلى حي الزهور
وعن التطور العمراني لدور العدالة، رصد عكاشة، رحلة مقرات المحاكم التي تعكس تطور العمران في الواحات موضحاً :
•في الداخلة: لا تزال "محكمة القصر القديمة" شاهدة على التاريخ، محتفظة بطرازها المعماري الفريد كأثر إسلامي هام.
•في الخارجة: قديماً، كان مقر المحكمة ملاصقاً لـ"دار الحكم" ومقر ديوان الشيوخ والعمد.
•عام 1903: جرى بناء أول مقر مؤقت لمحكمة الخارجة من "الطوب اللبن"، ثم تحول إلى مقر دائم بميدان الشعلة، وهو المبنى الذي تدهورت حالته مؤخراً وتعرض للانهيار.
•السبعينيات: مع الانفتاح، جرى تشييد المقر الثاني بشارع العدل، والذي تمت إزالته لاحقاً لتهالكه.
•عام 2011: صدر قرار وزير العدل رقم 2173 لسنة 2011 بنقل مقر محكمة الخارجة وبعض المأموريات التابعة لمحكمة أسيوط الابتدائية إلى مقر مؤقت بمبنى "بيوت الطلبة" بحي الزهور، كحل انتقالي استمر لسنوات.
العصر الرقمي وتدشين "مجمع المصالح"
القفزة الكبرى التي نقلت قضاء الواحات من العصور التقليدية إلى "الجمهورية الجديدة"، تحققت يوم الأحد الموافق 16 نوفمبر 2025.
وأكد محمود عبد ربه أحمد، خبير التراث الواحاتي بالخارجة، لـ"مصراوي" أن زيارة المستشار عدنان فنجري، وزير العدل، إلى محافظة الوادي الجديد، كانت بمثابة "إعلان استقلال قضائي" للمحافظة، حيث جرى افتتاح مجمع محاكم الوادي الجديد، ومقر هيئتي قضايا الدولة والنيابة الإدارية، ضمن "مجمع المصالح الحكومية الجديد" المميكن بمنطقة أرض المطار، والذي يُعد نموذجاً للمباني الذكية في مصر.
نهاية عذاب السفر لأسيوط
تتويجاً لهذه المسيرة الطويلة، وعقب افتتاح المجمع الجديد، أصدر وزير العدل، قراراً تاريخياً وصفه محمد عمر علي حسونة، نقيب المحامين بالوادي الجديد، في تصريحات لـ"مصراوي" بأنه "القرار الأهم في تاريخ قضاء الوادي الجديد"، والقرار الذي بدأ سريانه اعتباراً من الأول من ديسمبر 2025، نص على بدء نظر جميع ملفات قضايا استئناف أسيوط داخل "مأمورية استئناف الوادي الجديد" بالمقر الجديد بالخارجة.
وأوضح نقيب المحامين بالوادي الجديد، أن القرار يشمل عقد جلسات: "المدني الكلي المستأنف، الأسرة المستأنف، العمالي المستأنف، وجنايات أول درجة والجنايات المستأنفة"، وبذلك، ودّع أهالي الواحات ومحاموها مشقة السفر وتكاليف الانتقال الباهظة إلى أسيوط، ليسدل الستار على حقبة استمرت قرنين من الزمان، كانت فيها الأحكام تُعقد وتُستأنف في "منفلوط وجرجا والقلمون"، لتبدأ حقبة العدالة الرقمية الناجزة من قلب الوادي الجديد.