بنيامين نتنياهو
تواجه الضفة الغربية المحتلة مرحلة مفصلية في ظل سياسات حكومة رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي تسعى لتحويل "الضم الفعلي" للأراضي إلى ضم رسمي، عبر سلسلة من الإجراءات البيروقراطية والإدارية التي تستهدف ترسيخ السيطرة الإسرائيلية وتقويض أي فرص مستقبلية لقيام دولة فلسطينية.
سلب صلاحيات بلدية الخليل.. نموذج "بلدية داخل بلدية"
وجد يوسف الجعبري، الذي انتُخب قبل أيام رئيسا لبلدية الخليل، نفسه مجردا من الصلاحيات في أكثر قضايا المدينة حساسية؛ حيث أعلنت حكومة الاحتلال سحب سلطات التخطيط حول الحرم الإبراهيمي الذي يُعرفه اليهود باسم "قبر البطريرك"، من الفلسطينيين ومنحها لمسؤولين إسرائيليين.
وفي تصريحات صحيفة لاحقة، وصف الجعبري هذا الإجراء بأنه محاولة لـ"إنشاء بلدية داخل بلدية"، مؤكدا أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي "تسلب صلاحياتنا ولا تحترم الاتفاقيات التي وقعتها"، وهو ما أدى لنقل القوة في أكبر مدن الضفة الغربية إلى الأقلية المستوطنة.
من الضم الفعلي إلى "الضم القانوني الزائف"
تمثل تحركات نتنياهو تسارعا دراماتيكيا لعملية "الضم البطيء" المستمرة منذ عقود؛ فبينما كان الضم سابقا يتم بشكل فعلي عبر المستوطنات، بدأت الإدارة الحالية الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل، في دفع "ضم القانوني الزائف" عبر نقل السلطة من الحكم العسكري إلى الإدارة المدنية.
وفي هذا السياق، أكدت يائيل بيردا، أستاذة علم الاجتماع والباحثة القانونية في الجامعة العبرية، في تصريحات لصحيفة "فايننشال تايمز"، أن "نقل السلطة من السلطة العسكرية إلى السلطات المدنية الإسرائيلية هو ضم قانوني وغرس للعلم"، مشيرة إلى أن قرارات الكابينت تزيل آخر بقايا اتفاقيات أوسلو التي كانت تقف عائقا أمام الضم الكامل.
أدوات السيطرة البيروقراطية ووزارة العدل
أعلن وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، عن تغييرات تهدف إلى "تطبيع" حياة المستوطنين لإنهاء وضعهم كـ"مواطنين من الدرجة الثانية".
شملت هذه التغييرات إلغاء الحاجة لموافقة جيش الاحتلال على شراء الأراضي، ومنح وزارة العدل الإسرائيلية السيطرة على سجلات الأراضي في معظم الضفة الغربية.
كذلك، منحت الإجراءات الجديدة المسؤولين الإسرائيليين صلاحية التدخل المباشر، بما في ذلك هدم العقارات، في قضايا تتعلق بالمخاطر البيئية أو مخالفات المياه داخل المناطق التي كانت تخضع تاريخيا لإدارة السلطة الفلسطينية.
طفرة استيطانية وخنق الجغرافيا الفلسطينية
وفقا لبيانات منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية، وافقت حكومة نتنياهو خلال 4 سنوات على 102 مستوطنة جديدة، وهو ما يمثل 17 ضعفا لما تمت الموافقة عليه في العقد الماضي.
ومن أبرز هذه المشاريع مستوطنة"E1" ، التي تهدد بتقسيم الضفة إلى نصفين، مما يقضي على آمال الدولة الفلسطينية المتصلة جغرافيا، كما سجلت عمليات مصادرة الأراضي أعلى مستوى لها منذ 3 عقود.
الانهيار المالي كأداة لتسهيل الضم
حذر ستيفان سلامة، وزير المالية الفلسطيني، في تصريحات لصحيفة "فاينانشال تايمز"، من أن الضغوط الاقتصادية المكثفة تهدف إلى دفع السلطة الفلسطينية نحو الانهيار المالي.
وأوضح سلامة، أن الهدف هو "خلق فراغ يسهل ضمهم للضفة الغربية"، واصفا التحركات الإسرائيلية بأنها "تهديد وجودي" في ظل غياب الضغط الدولي الفعال.
عنف المستوطنين والإفلات من العقاب
شهدت الضفة الغربية انفجارا في أعمال العنف من قبل المستوطنين؛ حيث وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" أكثر من 1800 هجوم العام الماضي.
ومنذ يناير، قتل المستوطنون الإسرائيليون 13 فلسطينيا، من بينهم الطفل أوس النعسان البالغ 14 عاما، الذي قُتل بالرصاص خارج مدرسته في قرية المغير.
وفي تصريحات للقناة 13 العبرية، عبّر تامير باردو، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد"، عن خجله مما يحدث، مشبها تلك الاعتداءات بالأحداث التي وقعت ضد اليهود في القرن الماضي.
وبحسب "أوتشا"، أدى عنف المستوطنين إلى طرد 36 تجمعا فلسطينيا من أراضيهم وتهجير 51 تجمعا آخر جزئيا.
"الاستيلاء بالمنشطات" وسجل الأراضي في المنطقة "ج"
تضمنت قرارات الكابينت تمويل استئناف تسجيل الأراضي في المنطقة "ج" المتوقف منذ 1967، وجعل السجلات علنية مع إلغاء حظر البيع لغير العرب.
وحذر يهودا شاؤول، المدير المشارك لمركز "أوفيك" الإسرائيلي للشؤون العامة، من أن هذه العملية تنقل "عبء إثبات الملكية" إلى الفلسطينيين، مما يسهل سيطرة حكومة الاحتلال على مساحات شاسعة، واصفا الأمر بأنه "استيلاء على الأراضي باستخدام المنشطات".
كابوس التهجير والحل النهائي
تتزايد مخاوف الفلسطينيين من أن الهدف النهائي هو طردهم تماما، وهو ما عبر عنه عيسى عمرو الناشط المقيم في الخليل في حديثة مع "فايننشال تايمز"، قائلا إن الخوف من "الترحيل" يسكن عقول السكان الذين يتساءلون دائما عن مصيرهم.
وبينما يظل موقف نتنياهو غامضا، كان بتسلئيل سموتريتش صريحا بدعوته في فبراير الماضي إلى "تشجيع هجرة" الفلسطينيين من الضفة ، مدعيا أنه "على المدى الطويل، لا يوجد حل آخر".