إعلان

أنقذوا طيارهم أم فشلوا.. هل تسيطر أمريكا "فعلًا" على سماء إيران؟

كتب : محمد طه

09:26 م 05/04/2026 تعديل في 06/04/2026

مشهد مستوحى من موقع الحطام (AI)

تابعنا على

36 ساعةً قضاها طيار أمريكي محاصرًا وسط تضاريس الغرب الإيراني الوعرة، كانت كفيلةً بتحويل سماء إيران إلى مسرح للروايات العسكرية المتضاربة. ففي حين خرج الرئيس دونالد ترامب عبر منصته "تروث سوشيال" ليزفّ بنبرة الانتصار المطلق نبأ نجاح القوات الأمريكية في استعادة ضابطها الساقط كبرهان ملموس على هيمنة واشنطن التي لا تُقهر، كانت شاشات التلفزة الإيرانية ترسم مشهدًا مغايرًا تمامًا. وفي التوقيت ذاته تقريبًا، أعلنت قيادة "خاتم الأنبياء" المشتركة في طهران إحباط عملية الإنقاذ، متحدثةً عن إسقاط طائرة إضافية ومروحيات إسناد أمريكية وسط أعمدة دخان أسود وُصفت بأنها مقبرة جديدة للعتاد الأمريكي.

وبين إعلان "حصلنا عليه" العابر للقارات من واشنطن، وصور الحطام المحترق في طهران، تقف حقيقة العملية العسكرية الأشد تعقيدًا معلقةً في دخان، لتطرح سؤالًا يتجاوز مصير الطيار الناجي: أية سيطرة أمريكية فعلية على سماء إيران؟

اقرأ أيضًا:

كذّبته طهران في إسرائيل.. هل أقنع ترامب أحدًا بخطابه حول حرب إيران؟

رئيس الأركان راندي جورج.. لماذا طرده هيجسيث في ذروة حرب إيران؟

سقطت في سماء إيران.. من المسيّرة إلى المقاتلة

لفهم أين وصلنا، لا بد من العودة إلى أول الخيط. في 28 فبراير 2026 شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ما باتت تُعرف بعملية "Epic Fury"، فضرب السرب المشترك أكثر من 1000 هدف في الساعات الأربع والعشرين الأولى.

وحين بدا المشهد مُسيطرًا عليه إلى حد الاكتمال، سقطت في 6 مارس مسيّرة MQ-9 Reaper فوق أصفهان - أول خسارة جوية أمريكية في الحرب. ولم تكن هذه الطائرة الأخيرة في هذه الحرب؛ فبحلول 9 مارس كان مسؤولون أمريكيون قد أكدوا لشبكة CBS News سقوط ما لا يقل عن 11 مسيّرة MQ-9 داخل الأجواء الإيرانية.

وبحسب تقرير "بلومبرج" في 19 مارس، بلغ إجمالي الطائرات الأمريكية المفقودة - بين إسقاط بنيران إيرانية وحوادث تشغيلية - 17 طائرة على الأقل. لكن الانتقال النوعي الحقيقي جاء في 3 أبريل حين أُسقطت F-15E Strike Eagle، أول طائرة مأهولة تُدمَّر بنيران معادية منذ غزو العراق عام 2003 بحسب Military.com، ليُصبح ما كان رقمًا في تقرير خسارةً بشرية محتملة.

ما تقوله واشنطن.. الرواية "الهوليودية" المُذهلة

الرواية الأمريكية الرسمية لا تخلو من بهاء أرقامها. في 16 مارس، أعلن الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، أن القوة المشتركة نفّذت أكثر من 6,000 طلعة قتالية خلال ستة عشر يومًا، وأغرقت أكثر من 100 سفينة إيرانية، وأمّنت مضيق هرمز بالكامل.

وأضاف أن منظومات الدفاع الجوي الإيرانية تعرّضت لضربات أتلفت ما يقارب 80% من قدرتها التشغيلية.

وفي الأول من مارس، وصف الجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، الوضع الجوي جنوب إيران بأنه بلغ مرحلة "السيطرة الجوية الكاملة". وتحوّل المصطلح بسرعة من تقرير عسكري إلى خطاب سياسي، فيما باتت كلمة "الهيمنة" تتردد في البيانات الرسمية كأنها حقيقة منجزة.

واشنطن من الداخل.. حرب بلا تفويض

لكن الرواية الأمريكية لا تعيش في فراغ - فهي تواجه تشككًا حادًا من داخل المنظومة السياسية ذاتها. يقول د. مهدي عفيفي، عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي، في تصريحات خاصة لمصراوي، إن ما يُقدّمه ترامب على أنه انتصار كامل ليس سوى "محاولة للظهور أمام مؤيديه بأنه الرجل القوي المنتصر ذو القرارات الصحيحة".

ويضيف عفيفي أن قرار الحرب "لم يكن استراتيجيًا ولا مدروسًا، لأنه لم تكن هناك أي استعدادات لخوض هذه الحرب التي جاءت بتحريض من نتنياهو وبالتواطؤ مع أعضاء في مجلس الشيوخ ذهبوا إلى إسرائيل قبلها للاتفاق على كيفية إقناع ترامب"، مشيرًا إلى سيناتور ليندسي جراهام بالاسم.

وعلى صعيد المساءلة الدستورية، يلفت عفيفي إلى معضلة قانونية صريحة: "الكونجرس عادةً يُسأل ولازم تكون هناك موافقته قبل إعلان الحرب - لكن ترامب يُسمّي هذا عملية عسكرية ولا يُسمّيها حربًا، والأغلبية الجمهورية في الغرفتين تجعل أي مساءلة فعلية مستحيلة حاليًا، لأن الأعضاء الجمهوريين يخافون من معارضة ترامب".

غير أن عفيفي يُبقي نافذة مفتوحة على تغيير قريب، فيقول: "نأمل مع حلول نوفمبر والانتخابات النصفية أن يكون الكونغرس مسيطرًا عليه من الديمقراطيين، وفي هذه الحالة يمكن منع ترامب من اتخاذ قرارات كثيرة".

السيطرة الجوية.. ماذا قالت مراكز الدراسات؟

السؤال نفسه حول السيطرة الأمريكية الفعلية على سماء إيران، لا تُصادره البيانات الرسمية، بقدر ما تُعيد صياغته بدقة أكاديمية في أروقة مراكز البحث. ففي 30 مارس، نشر موقع Small Wars Journal تحليلًا موسّعًا لباحثَي مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) مارك كانسيان وكريس بارك، بعنوان "تقييم الحملة الجوية بعد ثلاثة أسابيع: حرب إيران بالأرقام".

وقد خلص هذا التحليل إلى أن إيران سجّلت بحلول اليوم الرابع عشر انخفاضًا 95% في إطلاق المسيّرات و90% في الصواريخ، إلا أن الباحثَين نبّها إلى ما أسمياه "قدرة إطلاق متبقية"، قائلَين إن طهران تبدو في وضع الحفاظ على المخزون لا الاستنزاف الكامل، وأن "عدم اليقين الجوهري يبقى قائمًا حول حجم المخزون الصاروخي المتبقي وقدرة إيران على زعزعة استقرار مضيق هرمز".

وبالتوازي مع ذلك، أصدر الكاتب لانس جوردون في المركز ذاته تحليلًا مكمّلًا أكد أن الحملة لا تسعى فقط إلى تدمير القدرات بل إلى "إعادة تشكيل سلوك إيران وتضييق فضائها القراري" - وهو تمييز يقول الكثير عمّا لم تنجزه العملية بعد. بينما جاءت صياغة مركز Critical Threats التابع لمعهد American Enterprise Institute، في تقريره الخاص بـ 3 مارس أكثر دلالةً: أشار إلى أن القوة المشتركة تواصل تدمير منظومات الدفاع الجوي "للحفاظ على السيطرة الجوية فوق أجزاء من إيران" - وفي كلمة "أجزاء" تكمن نصف الإجابة.

إنفوجراف

36 ساعة في جبال إيران: الاختبار الحيّ

ذلك التمييز الأكاديمي الدقيق بين "أجزاء من إيران" وادعاء السيطرة المطلقة حوّله الميدان في 3 أبريل إلى مشهد حيّ. أُسقطت F-15E Strike Eagle بنيران إيرانية، ونجح أحد طاقمها في القذف بالبراشوت والاختباء جريحًا في جبال غرب إيران، فيما بدأ سباق محموم بين القوات الأمريكية وقوات الحرس الثوري للوصول إليه.

اندفعت طائرات أمريكية عدة صوب المنطقة، وبحسب الرواية الإيرانية التي نقلتها وكالة فارس استُهدفت بعضها.

نحو 36 ساعة بعد الإسقاط، نفّذت وحدة SEAL Team 6 عملية الإنقاذ وأعادت الضابط المصاب إلى قاعدته، فيما بثّت طهران صورها المضادة لهذه الرواية في التوقيت ذاته تقريبًا، معلنةً انتصارًا مغايرًا تمامًا.

لم يكن هذا مجرد حادثة ميدانية؛ كان الاختبار الأعنف لمعنى "السيطرة الجوية" في الزمن الفعلي للحرب.

نظرية النسبية في الرواية الأمريكية

من هنا تتبلور الإجابة الحقيقية على سؤال السيطرة الأمريكية على سماء طهران، وهي إجابة لا تُريح واشنطن ولا تُسعد طهران.

العقيدة العسكرية الأمريكية تُفرّق بين ثلاثة مستويات متصاعدة: Air Superiority وتعني القدرة على العمليات دون تهديد وجودي من العدو، وAir Dominance وتعني تفوقًا ساحقًا يُضيّق الخيارات، وAir Supremacy وتعني الغياب الكامل لأي تحدٍّ جوي.

ما تمتلكه أمريكا فوق أجزاء من إيران هو المستوى الأول، لا الثالث. أما تحليل War Wings Daily بتاريخ 13 مارس الماضي، فكان الأوضح في تعبيره: "عملية Epic Fury نجحت في تدمير البنية التحتية، لكنها لم تُجب بعد على السؤال الأصعب: كيف تنتهي هذه الحرب؟". وهو سؤال يُعيد القارئ حتمًا إلى المشهد الافتتاحي لهذا التقرير.

ويقول اللواء أركان حرب عادل العمدة، المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، في تصريحات خاصة إلى مصراوي، إن واشنطن "حيّدت بالفعل الدفاعات الإيرانية وتمكنت من السيطرة على سماء الدولة الإيرانية وهي تحقق أغراضها باحترافية شديدة هناك"، لكنها لا تزال تتولى النطاق الجنوبي الغربي - بوشهر وخوزستان، فيما تعمل إسرائيل على النطاق الشرقي، في تقسيم جغرافي واضح للمسؤوليات الجوية.

لكن العمدة - وهو الصوت العسكري المصري الأكثر وضوحًا في هذه القراءة - لا يتوقف عند الإقرار بالسيطرة. فيُضيف أن إيران "دولة عميقة، أكيد في عناصر من الدفاع الجوي جاهزة ومتأهبة"، غير أنه يُفاجئ بحكم قاطع حين يُسأل عن الإسقاطات الإيرانية، وإذا ما كانت إيران لديها القدرة على انتقاء أهدافها الجوية بكفاءة تُحدث أثرًا في الرواية الأمريكية، فيقول: "مش بتتعامل بانتقاء صريح، كل الأحداث فيها محض صدفة وتوفيق - لو عندها منظومة دفاع جوي جيدة ما كانش حصل اللي حصل 28 فبراير".

ويستكمل العمدة قراءته بالتنبيه إلى متغير لا تذكره بيانات البنتاجون فيما يتعلق بالدعم الاستخباراتي الروسي والصيني لطهران، "في إطار التنافسية والنظام العالمي الجديد المزمع تكوينه".

صورة من موقع الحطام (وكالة أنباء فارس)

رواية إيرانية مفصلة.. هل كذّبت واشنطن؟

الرواية الإيرانية لا تكتفي بنفي ما قاله ترامب، بل تُقدّم سردًا موازيًا يملأ الخريطة بأسماء المحافظات وأعداد الطائرات ومسارات الهروب.

يقول د. مصدق بور، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية العربية، في تصريحات خاصة إلى مصراوي: "الرواية التي تروّج لها الولايات المتحدة عن عملية الإنقاذ رواية كاذبة. إيران أسقطت طائرتين - الأولى قريبة من المياه الخليجية ونُقل طيارها إلى الكويت، والثانية سقطت في وسط إيران في محافظة كهكيلويه وبویر أحمد. إيران قالت هذا منذ البداية، ثم اعترفت به كل وسائل الإعلام وحتى الأمريكيون".

ويُفصّل مصدق بور ما يصفه بـ"حقيقة ما جرى"، فيضيف: "دخلت طائرتا شحن C-130 من على مرتفع قليل وهبطتا في منطقة شمال نقطة سقوط الطيار قريبةً من مدينة شهرضا في محافظة أصفهان - الملاصقة لمحافظة كهكيلويه وبویر أحمد. أخرجوا منها مروحيتين وبدأوا عمليات البحث بأجهزة التنصت والرصد الآلي. ثم فجأة قرروا إلغاء العملية عندما شعروا بالخطورة - يتعذر عليهم معرفة مكان الطيار: هل هو أسير وإيران تريده ورقةً تفاوضية، أم أنه قُتل".

12 طائرة وهروب مُتسرَّع

عند هذه النقطة تتشعب الروايتان إلى فرعين لا يلتقيان: فواشنطن تقول إنها دمّرت ما تركته على الأرض حمايةً للأسرار التقنية، وطهران تقول إنها من أسقطت كل شيء. "الرواية الإيرانية تشير إلى أن عدد الطائرات المدمرة بلغ 12 طائرة - بما فيها طائرتا شحن وثماني مروحيات"؛ يقول مصدق بور.

ويختتم قراءته للسيطرة الجوية بتقييم يجمع بين الإقرار الجزئي والتحدي: "الادعاء الأمريكي بالسيطرة الجوية - نعم، ربما لديهم سيطرة لكنها ليست كالأيام السابقة. إيران جهّزت دفاعاتها وركّبت منظومات كانت معطّلة بسبب ظروف الحرب، والأجواء الإيرانية لم تعد سانحة لتجوال هذه الطائرات".

ثم يستحضر مصدق بور ذاكرة جيوسياسية ترسم خطًا بين عامَين تفصلهما 45 سنة: "هذا يذكّرنا بطبس - النكسة الأولى حين جاءوا بالطائرات ونزلوا في الصحراء فاصطدمت مروحياتهم واحترقت. هذه النكسة الثانية وإيران تعدهم بالمزيد". بينما يُفجر المفاجأة الأخيرة بإشارة إلى بث التلفزيون الإيراني الرسمي، الذي أُعلن قبل قليل عن صورة "لجثمان محترق"، قيل إنه ربما لأحد الطيارين أو أحد أعضاء الفريق التقني المرافق بين أشلاء الطائرة التي نسفتها القوات الإيرانية، في وثيقة أخرى تُفنّد ادعاءات الرئيس الأمريكي، وتزيد السؤال حدة: إلى أي مدى تسيطر أمريكا على سماء إيران فعلًا؟

صورة نشرها التلفزيون الإيران لما قال إنه جثمان جندي أمريكي

الخلاصة التي لا تُريح أحدًا

حتى لو عاد الضابط الأمريكي إلى قاعدته كما أعلن ترامب. سيبقى مشهده التيه الذي تعرض له لأكثر من يوم ونصف في الجبال الإيرانية قبل أن تصله فرقة SEAL Team 6، يقول بصوت هادئ ما لا تستطيع بيانات البنتاجون أن تقوله بصراحة: السيطرة على السماء لا تعني بالضرورة السيطرة على الأرض التي تحت تلك السماء. وبين هذه المسافة - من السماء إلى الأرض - تتشكّل الفجوة الحقيقية بين ادعاء الانتصار ومعادلة الحرب.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان