إعلان

رصاصة أسفل طاولة مفاوضات إيران وأمريكا.. من يطلقها في إسلام آباد؟

كتب : محمد طه

02:06 م 18/04/2026

هناك رصاص أسفل طاولة مفاوضات إسلام آباد (AI)

تابعنا على

منذ انهيار جولة الثاني عشر من أبريل الجاري، لم تلتقِ واشنطن وطهران وجهًا لوجه. غادر الطرفان طاولة إسلام آباد آنذاك تاركين خلفهم فجوة عميقة من الخلافات وشروطًا متعارضة، قبل أن يشهد الشرق الأوسط تحولًا دراماتيكيًا مفاجئًا؛ هدنة في لبنان.

على السطح، بدا هذا التطور الميداني وكأنه استجابة أمريكية-إسرائيلية لشرط إيراني رئيسي، وتنازل تكتيكي لضمان عودة طهران إلى طاولة المفاوضات المرتقبة. وسارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للاحتفاء بهذه الهدنة عبر تصريحات متتالية، مسوقًا إياها كحجر أساس لسلام إقليمي شامل يطوي صفحة الأزمة النووية، في حين التقط المفاوضون الإيرانيون الأنفاس بهدوء دبلوماسي لافت يشي بمرونة حذرة.

غير أن هذه اللوحة الهادئة التي تُمهد لعودة مصيرية إلى إسلام آباد، تقابلها على الجانب الآخر تحركات استراتيجية مغايرة ومريبة في مياه الخليج العربي المحاصرة وأروقة البنتاجون. وأمام هذه المشهدية المزدوجة التي تتأرجح بين "حمائم الدبلوماسية" و"هدير البوارج"، يبرز التساؤل الاستراتيجي الأهم: هل تمثل محادثات إسلام آباد الجديدة فرصة حقيقية لتفكيك شيفرة الصراع ووقف آلة الحرب، أم نحن أمام مرحلة استراحة وإعادة تموضع قبل الانزلاق الأخير؟

كيف دفع الليطاني ثمن الوصول إلى مفاوضات إسلام آباد؟

لا يمكن قراءة المشهد التفاوضي في الغرف المغلقة دون النظر إلى الساحة المشتعلة في الجنوب اللبناني. هناك، تُرسم المعطيات الميدانية تمهيدًا لطرحها مخرجات على طاولة التفاوض.

ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تروج للتهدئة، تجنبت ممارسة أي ضغط حقيقي على إسرائيل لوقف إطلاق النار الفوري، مانحةً إياها تفويضًا كاملًا ووقتًا إضافيًا لتنفيذ عملية خنق جغرافي شاملة.

وقد كثف الجيش الإسرائيلي لضرباته، وتدمير جميع الجسور والمعابر الحيوية فوق نهر الليطاني، لعزل مئات الآلاف من المدنيين وخلق منطقة عازلة محروقة بالكامل قبل ساعات من بدء سريان الهدنة، وهو ما تُرجم ميدانيًا برفض تل أبيب السماح للسكان بالعودة جنوب الليطاني رغم سريان وقف إطلاق النار، لتثبيت هذا الانتصار الجغرافي.

اقرأ أيضًا: بدأت هدنة لبنان.. كيف نقرأ تفاصيل الدبلوماسية المتناقضة فوق الليطاني؟

وما يؤكد أن هذا الدمار ليس مجرد أضرار جانبية للعمليات العسكرية، هو ما وثقته منظمة هيومن رايتس ووتش، في أحدث تقاريرها، والذي كشف أن الضربات الإسرائيلية استهدفت عمدًا المعابر الأساسية لقطع شرايين الحياة عن الجنوب اللبناني، مما أدى إلى مقتل المئات وتفريغ المنطقة من سكانها.

وهذا السلوك الميداني يتقاطع بشكل وثيق مع التحليلات الاستراتيجية الغربية؛ إذ يجادل مركز كارنيجي للسلام الدولي بأن الهدف الإسرائيلي يتجاوز مجرد إبعاد مقاتلي حزب الله، ليصل إلى "هندسة ديموغرافية" طويلة الأمد تضمن إنشاء شريط حدودي خالٍ من أي كثافة سكانية تشكل بيئة حاضنة للمقاومة.

وهذا هو ما أعطته واشنطن لحليفتها تل أبيب مقابل القبول بهدنة في لبنان، تمنع تعطيلًا إيرانيًا مبررًا لمسار التفاوض في إسلام آباد.

خريطة الليطاني

واشنطن في إسلام آباد.. ماذا يحدث داخل مصانعها؟

إذا كانت الجبهة اللبنانية تمثل نقطة انطلاق التكتيك التفاوضي، فإن كواليس العاصمة الأمريكية تكشف الوجه الحقيقي لاستراتيجية واشنطن.

تتعمد الإدارة الأمريكية تسريب أنباء إيجابية متتالية حول قرب التوصل إلى اتفاق يضمن الإفراج عن 20 مليار دولار من الأصول الإيرانية مقابل تجميد التخصيب، في مسعى واضح لتخدير الرأي العام العالمي وتهدئة الأسواق.

غير أن لغة الميدان تتحدث بوقائع مغايرة تمامًا؛ وقد فضحت تسريبات وكالة رويترز ووسائل إعلام غربية أخرى، في مارس الماضي، وجود أوامر إسرائيلية مدعومة لوجستيًا من أمريكا بتسريع هدم المنازل اللبنانية على الخطوط الأمامية، وهو أمر يعكس نية مبيتة لاستمرار العمليات العسكرية بمجرد انتهاء المهلة الدبلوماسية.

في تفكيكه لشفرة هذا التناقض الحاد بين أروقة السياسة وقرقعة السلاح، يرى د. مهدي عفيفي، عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي، أن الصورة الكاملة أهم مما يُقرأ في شريط الأخبار العاجلة حاليًا، وهذه الصورة التي يراها رُجل مثله، شارك بحملتي بيل كلينتون وباراك أوباما، تقول إن الولايات المتحدة تتجهز لشيء آخر غير السلام.

هل دُقت ساعة الصفر؟

ويكشف عفيفي، في تصريحاته الخاصة لمصراوي، كيف أن واشنطن - رغم إعلان السلام الوشيك - تحشد معدات عسكرية ضخمة، في تحرك لم يعد سريًا بعد إعلان الرئيس ترامب رسميًا استمرار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية بكامل قوته.

ويضيف عفيفي أن خطورة هذا الحشد تتجاوز مجرد لغة الأرقام إلى التكتيك الغريب، بتجنب القوات للمرور عبر البحر الأحمر، مسخدمةً مسارًا بدلًا عبر رأس الرجاء الصالح نحو الخليج، بالتزامن مع سحب بطاريات دفاع جوي من أوروبا وآسيا لتعزيز تمركزها في الشرق الأوسط.

هذا الاستنفار العابر للقارات ينعكس بقوة في الداخل الأمريكي، ليكشف تحولًا خطيرًا نحو "اقتصاد الحرب". إذ يشير عفيفي إلى أن واشنطن تضم حاليًا مصانع مدنية تفرغت بالكامل للإنتاج الحربي لتوفير الذخيرة والإلكترونيات، في وضع استثنائي يشبه حالة التعبئة إبان الحروب الكبرى.

ويفسر عفيفي هذا التخبط بين التفاوض والتحشيد للحرب باستسلام المطبخ السياسي الأمريكي لضغوط اللوبي الصهيوني، الذي يرى في هذه اللحظة فرصة تاريخية لا تعوض لتدمير القدرات الإيرانية.

وتُرجم هذا النفوذ مؤخرًا بإفشال تصويت حاسم لسحب صلاحيات الحرب من ترامب، بمشاركة نائب ديمقراطي انضم للجمهوريين، مما يبرهن بوضوح على رغبة المؤسسة العميقة في إبقاء جذوة التصعيد مشتعلة تحت غطاء السلام.

اقرأ أيضًا: يحرق "أمريكا أولًا".. كيف أصابت "لعنة إيران" ترامب في الداخل؟

طهران في إسلام آباد.. تشتري الوقت أم تنقذ اقتصادها؟

في مواجهة آلة الضغط الأمريكية المزدوجة، تدير القيادة السياسية في طهران معركتها بدرجات عالية من البراجماتية، متجاوزة الشعارات الرنانة لتقترب من طاولة المصالح البحتة. إذ تواجه إيران ضغطًا اقتصاديًا داخليًا هائلًا ينذر باحتقان مجتمعي واسع، وهو ما يدفعها لاستثمار مفاوضات إسلام آباد لتأمين شريان حياة مالي عاجل.

وقد أكدت تقارير صحفية أن المناقشات السرية تتركز حول معادلة "المليارات مقابل اليورانيوم"، حيث تسعى طهران لتحويل ورقة التخصيب النووي إلى أداة مقايضة تجارية تضمن لها سيولة نقدية فورية. والهدف الاستراتيجي من هذه المناورة هو كسب الوقت الضروري لترميم بنيتها التحتية المنهكة، مبتعدةً عن أي سيناريو للاستسلام المجاني.

يشرح هذه الاستراتيجية الإيرانية المعقدة، د.مصدّق بور، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية العربية، الذي يقدم قراءة تحليلية مضادة للسردية الأمريكية في تصريحاته الخاصة لـ"مصراوي".

ويقلل بور من أهمية التصريحات الأمريكية المتفائلة التي زعم فيها ترامب مؤخرًا استسلام إيران نوويًا، واصفًا تغريدات ترامب بأنها "علاج كلامي" وتمنيات تهدف لتغذية طموحاته الشخصية وخداع جمهوره بأنه المنتصر.

إنفوجراف المفاوضات

مفاوضات إسلام آباد.. سر التجميد وفجوة المليارات

ويكشف الباحث الإيراني - المقرب من النظام الإيراني - السر الميداني خلف قبول طهران المؤقت بتجميد اليورانيوم، موضحًا أن المواقع النووية الثلاثة تعرضت للقصف، وأن بلاده تحتاج ببساطة إلى مدة زمنية لإعادة بناء هذه المنشآت قبل أن تتمكن من استئناف عملية التخصيب بكفاءة، مما يجعل الموافقة على التجميد تكتيكًا اضطراريًا وإلى أمد محدود، وليس تنازلًا مبدئيًا.

لا تتوقف عقدة التفاوض عند التخصيب، بل تتمدد لتشمل التفاصيل المالية الدقيقة التي قد تنسف المحادثات برمتها.

يؤكد بور أن العائق الأكبر يتمثل في الفجوة بين المطالب الإيرانية والعروض الأمريكية؛ إذ تطالب طهران بـ 27 مليار دولار كدفعة أولى من أصولها المجمدة، بينما تناور واشنطن بعرض يقف عند حدود 20 مليارًا.

هذا الخلاف المالي يعكس جوهر المعركة؛ فإيران تربط أي استجابة للخطط الأمريكية بضخ أموال نقدية قادرة على تهدئة الأسواق الداخلية ورفع الحظر، لضمان بقاء هيكل الدولة صامدًا أمام العقوبات المتراكمة.

كيف تُربك "أوراق الضغط الإيرانية" حسابات البنتاجون؟

بموازاة مسار اليورانيوم، تلعب طهران بمهارة بورقة الممرات المائية كأداة ضغط قصوى لتركيع الإدارة الأمريكية وجرها للتفاوض الجاد.

وقد استشعر الاقتصاد العالمي خطر الانهيار الشامل نتيجة التهديدات بإغلاق مضيق هرمز، وهو ما وثقته صحيفة الجارديان في تقريرها حول "إنذار الثماني والأربعين ساعة"، حين هدد ترامب بتدمير محطات الطاقة الإيرانية. وجاء الرد الإيراني حاسمًا بربط أمن الطاقة العالمي بوقف العمليات الإسرائيلية، محولًا هدنة لبنان من مطلب إقليمي إلى أولوية دولية قصوى لضمان استمرار الملاحة البحرية وتجنب كارثة نفطية عالمية.

مضيق هرمز (صورة لذا أتلنتك)

يشرح مصدق بور الآلية الحاكمة لهذه الورقة، مشيرًا إلى أن طهران وضعت شرطين أساسيين لفتح المضيق، على رأسها وقف الحرب في لبنان. ويوضح أن تراجع إسرائيل وضغط واشنطن لتحقيق الهدنة كان استجابة مباشرة لهذه الشروط، مما دفع إيران لفتح المضيق لساعات معدودة كـ"بادرة حسن نية".

غير أن هذا الفتح لم يدم طويلًا؛ ففي تصعيد دراماتيكي يواكب توتر الساعات الأخيرة، أعلن مقر "خاتم الأنبياء" الإيراني إعادة إغلاق مضيق هرمز بالكامل، ردًا على إعلان ترامب استمرار الحصار البحري.

هذه المناورة الإيرانية السريعة (فتح المضيق ثم إغلاقه فورًا) جاءت كرسالة تحدٍ نارية لواشنطن، لتؤكد طهران أن شريان الطاقة العالمي سيبقى رهينة لفك الحصار عن موانئها. وينفي الباحث الإيراني بشدة.

وقد شدد بور على أن هذا الفتح موجه ومحسوب، فالمضيق لا يزال مغلقًا أمام السفن التي تخدم المشروع الحربي لترامب.

وينفي الباحث الإيراني بشدة تخلي طهران عن حلفائها، مؤكدًا التمسك الصارم بمبدأ "وحدة الساحات" والقدرات الصاروخية الاستراتيجية، باعتبار أن المقاومة هي رد فعل حتمي وطبيعي لاستمرار سياسات الاحتلال والظلم في المنطقة.

وأمام هذه التكتيكات الإيرانية الصلبة، تسعى واشنطن لتوظيف أي تنازلات مرحلية لغايات أبعد وأخطر. ووفقًا لتقرير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، تعتبر الإدارة الأمريكية الهدنة المتقطعة فرصة ذهبية لتفكيك قبضة تحالفات إيران سياسيًا بعد استنزافها عسكريًا.

يتوافق هذا التحليل مع تأكيدات مهدي عفيفي بأن الولايات المتحدة لا تزال تفرض حصارًا خانقًا يمنع وصول السفن لإيران، وتسعى لاحتكار مسألة التخصيب بمنع مشاركة دول أخرى كروسيا.

ومع إصرار واشنطن على وقف التخصيب لعشرين عامًا مقابل عرض إيراني بخمس سنوات فقط، تظل المفاوضات تسير في حقل ألغام قابل للانفجار عند أي لحظة.

رصاصة أسفل طاولة إسلام آباد.. ماذا وراء الستار الدخاني؟

تقف منطقة الشرق الأوسط اليوم على حافة هاوية حقيقة، ممزقة بين وعود سلام دبلوماسية وحقائق ميدانية قاسية. ففي إسلام آباد، تجلس واشنطن وطهران حول طاولة تفاوض محاطة بترسانة حربية غير مسبوقة وأزمات اقتصادية خانقة، في مشهد أقرب إلى "لعبة روليت روسية" منه إلى حوار سياسي جاد.

الإدارة الأمريكية تُشهر سيف العقوبات وتلوح بأسطولها البحري لفرض استسلام نووي كامل وتقليم أظافر النفوذ الإقليمي، بينما تتخندق القيادة الإيرانية خلف استراتيجية "الصبر والمناورة"، مستخدمةً ورقة التخصيب ومضيق هرمز كدروع استراتيجية لمنع انهيارها وحماية مصالحها الحيوية.

وهذا الصدام المباشر بين الإرادات يؤكد أن أزمة مفاوضات أمريكا وإيران قد تجاوزت مجرد البحث عن تسوية تقنية لنسب اليورانيوم، لتصبح معركة "كسر عظام" حقيقية ستحدد هوية النظام الإقليمي الجديد.

ويبقى أن التسويات الكبرى في تاريخ الصراعات لا تُصنع بالنوايا الحسنة، بل تُنتزع دائمًا تحت وطأة التهديد المتبادل.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان