صفقة ألمانية تُزلزل بورصة تل أبيب وتُثير قلقًا في الأوساط العسكرية
كتب : مصراوي
بورصة تل أبيب
وقّعت شركة "هاباج لويد" الألمانية، خامس أكبر شركة شحن حاويات في العالم، اتفاقية رسمية للاستحواذ على منافستها الإسرائيلية "زيم" للخدمات الملاحية، مقابل 4.2 مليار دولار (ما يعادل 3.5 مليار يورو)، في صفقة من العيار الثقيل بقطاع الملاحة العالمي.
وتم التوقيع على الاتفاقية يوم الإثنين الماضي، 18 فبراير 2026، بعد جولات مكثفة من المفاوضات. وبينما نالت الصفقة موافقة مجلس إدارة شركة "زيم" بالإجماع، إلا أنها لا تزال بانتظار "الضوء الأخضر" الرسمي من الحكومة الإسرائيلية، التي تمتلك حقوقا خاصة بموجب ميثاق تأسيس الشركة.
وبموجب هذا الاندماج، ستدير الشركة الجديدة أسطولا ضخما يضم أكثر من 400 سفينة، بسعة استيعابية تتخطى 3 ملايين حاوية نمطية، وقدرة نقل سنوية تزيد على 18 مليون حاوية.
يُذكر أن شركة "زيم"، التي تتخذ من مدينة حيفا مقرا لها وتعد الميناء الرئيسي لإسرائيل، تحتل المرتبة العاشرة عالميا في قطاع الشحن، وهي مدرجة في بورصة نيويورك منذ عام 2021، حيث تدير شبكة خطوط ملاحية واسعة تغطي مختلف أنحاء العالم.
وعلى صعيد أسواق المال، قدم العملاق الألماني عرضا مغريا بقيمة 35 دولارا للسهم الواحد، وهو ما يمثل علاوة سعرية (Premium) تصل إلى 58% مقارنة بسعر إغلاق السهم البالغ 22.20 دولاراً في 13 فبراير الماضي.
وفور الإعلان عن الصفقة، استجابت الأسواق سريعا، حيث قفزت أسهم شركة "زيم" بأكثر من 30%، وسط تفاؤل المستثمرين بمستقبل الكيان الملاحي الجديد.
وتنظر إسرائيل إلى شركة "زيم" باعتبارها أصلا استراتيجيا يتجاوز كونها مجرد خط ملاحي تجاري؛ إذ تقوم الشركة بدور حيوي في العمليات اللوجستية الطارئة وخطط الأمن القومي الإسرائيلي، وهو ما يجعل الاستحواذ الألماني عليها خطوة ذات أبعاد سياسية وأمنية معقدة.
وبحسب مركز الأبحاث الإسرائيلي "من يربح؟"، تبرز الأهمية القصوى لشركة "زيم" في كونها "الشريان الرئيسي" لنقل شحنات المساعدات العسكرية الأمريكية إلى إسرائيل بموجب اتفاق طويل الأمد. هذا الدور المحوري يضاعف من تردد تل أبيب في التفريط بالسيطرة عليها، خاصة في ظل التحديات الراهنة المتمثلة في الصراع بغزة، والتوترات المتصاعدة مع إيران، وحالة عدم الاستقرار الإقليمي.
وتعتمد خطة "هاباج لويد" على استراتيجية تقسيم الشركة الإسرائيلية إلى كيانين؛ الأول يضم عمليات شحن الحاويات الأساسية ليتم دمج سفنها وخطوطها وعقودها بالكامل ضمن الشبكة العالمية للعملاق الألماني. أما الكيان الثاني، فسيكون أصغر حجما ومركزا داخل إسرائيل، على أن ينتقل لملكية صندوق الاستثمار المحلي "فيمي"، ليتولى إدارة الأصول المتبقية والالتزامات المرتبطة بـ "الحصة الذهبية" للدولة الإسرائيلية.
وتصاعدت حدة المعارضة الداخلية في إسرائيل ضد صفقة استحواذ شركة "هاباج لويد" على "زيم"، حيث دعا رئيس بلدية حيفا، يونا ياهف، إلى وقف الصفقة فورا، واصفا الشركة بأنها شريان حيوي لاقتصاد وأمن إسرائيل لا يمكن التفريط فيه.
ورغم تطمينات الشركة الألمانية بأن عملية الفصل ستسمح لتل أبيب بالاحتفاظ بالإشراف الأمني واللوجستي، إلا أن سلطة الموانئ الإسرائيلية وجهت صفعة قوية للمشروع، واصفة إياه بـ "التهديد الوجودي". وحذرت السلطة من أن الكيان الجديد المنبثق عن الصفقة سيعاني من نقص حاد في الموارد وسيكون عرضة لتقليص حجمه، بعد تجريده من أرباح العمليات التجارية الكبرى.
وعلى الأرض، انتقلت الأزمة إلى الموانئ؛ حيث نفذ نحو 800 عامل (من أصل 1000) إضرابا احتجاجيا شاملا أدى إلى شلل في حركة السفن بموانئ حيفا وأشدود. وقالت زيفا لاينر شكولنيك، ممثلة النقابة في "زيم": "لن نسمح بأي أنشطة بعد الآن.. لقد أوقفنا السفن تماما".
وتسود حالة من "الرعب الوظيفي" بين العاملين، حيث تشير تقديرات النقابة إلى أن الشركة الجديدة ستحتاج إلى 120 موظفا فقط، مما يضع أكثر من 900 وظيفة على حافة الهاوية.
وفي المقابل، حاولت "هاباج لويد" طمأنة المحتجين عبر متحدثها الرسمي، مؤكدة أن الوظائف في المقر الرئيسي والإدارة "آمنة تماما"، وهو ما لم ينجح في تهدئة الشارع العمالي حتى الآن.
ورغم ضخامة العرض المالي، لا يزال الغموض يلف الموقف النهائي للحكومة الإسرائيلية، حيث يرى مراقبون أنه من السابق لأوانه الجزم بمصير الاستحواذ. ومع ذلك، برزت وزيرة النقل، ميري ريجيف، كأقوى عقبة أمام الصفقة حتى الآن، متخذة موقفا شديد اللهجة هددت فيه صراحة بـ "عرقلة البيع".
وأمرت ريجيف بإجراء مراجعة فورية لتداعيات الصفقة، مطالبة وزارتها بتقييم إمكانية تدخل الحكومة عبر تفعيل "الحصة الذهبية"؛ وهي الأداة القانونية التي تمنح الدولة حق "الفيتو" لمنع نقل ملكية الأصول الاستراتيجية لجهات أجنبية إذا رأت في ذلك تهديدا للأمن القومي.
وفي مقابل حزم وزيرة النقل، يسيطر "الصمت المطبق" على مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وكذلك وزارتي المالية والاقتصاد، حيث لم يصدر عنهم أي موقف علني حتى الآن.