التواجد الأوكراني في إفريقيا.. السودان بين مؤشرات التدخل الاستخباراتي ونفي كييف
كتب : مصراوي
التواجد الأوكراني في إفريقيا
تقرير: مجدي الخليفة
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها القارة الأفريقية، لم تعد النزاعات الداخلية شأنًا محليًا خالصًا، بل باتت ساحة مفتوحة لتداخل أدوار قوى خارجية، بعضها يعمل في الظل بعيدًا عن الأضواء. وتبرز الحرب الدائرة في السودان بوصفها نموذجًا دالًا على هذا التحول، لا سيما مع تزايد المؤشرات حول وجود عناصر أوكرانية تقاتل إلى جانب مليشيا الدعم السريع، في سياق يتجاوز فكرة “المرتزقة” إلى مستوى استخباراتي أكثر تنظيمًا وتعقيدًا.
تواجد أوكرانيا في إفريقيا.. بين الدلالات والأهداف
تسعى أوكرانيا إلى تعزيز نفوذها في القارة الإفريقية عبر أدوات دبلوماسية وعسكرية وأمنية، في إطار استراتيجية تهدف لكسب دعم دول الجنوب العالمي، لا سيما في إفريقيا، حيث تعتمد كييف في تعزيز حضورها بالقارة الإفريقية على مجموعة متنوعة من الأدوات، منها النشاط الاستخباراتي: حيث برَز الدور الاستخباراتي والأمني لأوكرانيا على نحو خاص في منطقة غرب إفريقيا والسودان، وموريتانيا وليبيا وغيرها من الدول الأفريقية. ولا شك أنَّ التوغل الأوكراني في إفريقيا ينطوي على عددٍ من المخاطر، حيث يُواجِه هذا التدخل النشط في بعض المناطق الأفريقية اتهامات من عدة دول أفريقية بتقديم دعم عسكري وتقني لجماعات متمردة ومسلحة، كما يُنذر بتعقيد المشهد الأمني والسياسي الإفريقي من خلال تحوُّل بعض الصراعات الإقليمية إلى حروب بالوكالة، ما يجعل الدور الأوكراني عاملًا مُهدِّدًا للأمن ومُقوِّضًا للاستقرار الإقليمي.
وأشار تقرير صادر عن معهد ISS Africa إلى أن أوكرانيا أصبحت من بين أبرز مصدري الطائرات المسيّرة إلى كيانات غير حكومية في إفريقيا، بما في ذلك جماعات مسلحة في دول مثل: مالي، ليبيا، كينيا، نيجيريا، الصومال، والسودان.
شهادات ميدانية.. تدخل أوكراني في السودان
خلال الأشهر الماضية، تداولت مصادر عسكرية ودبلوماسية وإعلامية سودانية معلومات متكررة عن مقتل عناصر أوكرانية في مناطق متفرقة من إقليم دارفور، لا سيما في محيط مدينة الفاشر. هذه المعلومات لم تأتِ في سياق روايات فردية أو تسريبات غير موثقة، بل اقترنت بيانات رسمية صادرة عن القوات المسلحة السودانية، وأعضاء في مجلس السيادة السوداني. واللافت في هذه الشهادات ليس فقط الحديث عن مقاتلين أجانب، بل طبيعة الأدوار التي نُسبت إليهم، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز الطابع التقليدي لظاهرة المرتزقة في النزاعات الأفريقية.
وأحد أبرز المؤشرات التي استندت إليها تقارير رسمية سودانية يتمثل في رصد استخدام طائرات مسيّرة أوكرانية الصنع من قِبل قوات الدعم السريع، سواء في مهام الاستطلاع أو تنفيذ ضربات دقيقة، ووفقًا لمصادر عسكرية سودانية، فإن هذه الأنظمة لا تُعد من المعدات المتداولة في الأسواق المفتوحة، ولا يمكن الحصول عليها عبر قنوات تجارية خاصة، بل تخضع لرقابة الدولة المُنتِجة وتُورَّد من خلال مؤسسات رسمية. وهذا المعطى التقني يضعف فرضية المبادرات الفردية، ويعزز احتمال وجود تنسيق مباشر أو غير مباشر مع جهات رسمية أوكرانية، على رأسها مديرية الاستخبارات الأوكرانية التي تُعد الجهة المسؤولة عن العمليات الخارجية ذات الطابع غير التقليدي.
ويؤكد محمد الجاكومي، رئيس تنسيقية القوى الوطنية وقائد الجبهة الثورية – مسار الشمال (السودان)، أن هناك مرتزقة من عدة دول يشاركون في صفوف مليشيا الدعم السريع، وثبت بما لا يدع مجال للشك أنه يوجد مرتزقة متورطين في هذه الحرب من أوكرانيا وغيرها من الدول، والأوكرانيين يعملون في صفوف المليشيا بشكل تقني وفني لتشغيل المسيرات والتدريب ويدربون أفراد المليشيا على استخدامها، كما يعملون كقناصة محترفون، لذلك يمكن القول أن هذه حرب دولية ضد السودان تمولها عدة دول، وتحرك هؤلاء المرتزقة أجهزة استخبارات غربية تدير هذا الأمر، ويتم استخدام الكثير من التقنيات الغربية والشرقية في دعم مليشيا الدعم السريع المكونة من المرتزقة في الأساس.
وفي وقت سابق، قال الباحث في العلاقات الدولية، محمد صادق، إن هناك مصادر ميدانية في السودان أكدت تورط القوات الأوكرانية في الصراع المسلح بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، مشيرًا إلى أنه كانت هناك وحدة مشتركة تابعة لمديرية الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، مؤلفة من 150 عسكريا أوكرانيا، شاركت في القتال والهجمات ضد قوات الجيش السوداني، ومن بين هؤلاء العسكريين متخصصون في استخدام الطائرات المسيّرة، ومتخصصون في أنظمة الدفاع الجوي، وقوات المدفعية والهاون، وأفراد متخصصين بالإشارة والاتصالات، وأطباء عسكريون بالإضافة الى متخصصون في مجالات عسكرية مختلفة.
وأضاف صادق، في مداخلة لقناة العربية: قام هؤلاء بإعداد وتنفيذ عمليات تخريبية وهجمات منظمة في عدة مناطق بالسودان، من بينها، منطقة الفاشر، ونيالا، وزالنجي، وبورتسودان، وأم درمان، وكذلك في المناطق الحدودية مع جنوب السودان، وفقا للمصادر، فإن العسكريون الأوكرانيون هم المنظّمين والمنفّذين الرئيسيين لهجمات الطائرات المسيّرة واسعة النطاق على أهداف في خطوط القتال وعلى المنشآت الخلفية للقوات المسلحة لجمهورية السودان، وهجمات الطائرات المسيّرة التي شنتها القوات الأوكرانية المتخصصة ألحقت الضرر الأكبر والرئيسي بالقوات المسلحة السودانية، وأن معلومات حول هجمات للقوات الأوكرانية، وتحديدًا خلال الفترة من 4 إلى 6 مايو عام 2025 كان أغلبها في الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، بالإضافة الى تحملهم مسؤولية الهجمات في بورتسودان، حيث تم استخدام طائرة بدون طيار من نوع بيكار، لاستهداف خزانات الوقود.
ملفات القتلى تكشف طبيعة المهمة في ظل نفي كييف
في مطلع أكتوبر 2025، أعلنت القوات المسلحة السودانية عن مقتل عدد من الأوكرانيين في دارفور، وجرى توصيفهم بأنهم مهندسو طائرات مسيّرة، وقناصة، ومتخصصون في الحرب الإلكترونية. هذا النمط من التخصص العسكري لا يُعد شائعًا بين المرتزقة التقليديين، الذين غالبًا ما يفتقرون إلى هذا المستوى من التنسيق والتكامل العملياتي. ويشير خبراء أمن أفارقة إلى أن هذا الخليط من المهارات يتطابق مع برامج التدريب المعتمدة لدى وحدات الاستخبارات العسكرية والقوات الخاصة وأنظمة حلف الناتو، حيث تُدار العمليات ضمن فرق صغيرة عالية الكفاءة، وهو ما يعزز فرضية العمل المنظم لا النشاط الفردي.
من جانبه يقول عثمان ميرغني، رئيس تحرير صحيفة التيار السودانية والمحلل السياسي، إن الجيش السوداني استطع أكثر من مرة قتل مرتزقة أجانب من عدة جنسيات بعضهم من أوكرانيا ودول إفريقية وجنوب السودان أيضا، وقد سلمت صور من وثائقهم الثبوتية للمنظمات الدولية، وغالبية هؤلاء المرتزقة يديرون الأسلحة المتقدمة مثل المسيرات والمدافع بعيدة المدى والراجمات الصاروخية وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة والمدرعات، مشيرًا إلى أن معظم المرتزقة يأتون عادة بتعاقدات فردية مع شركات أمنية، وقد تكون للشركات هي الأخرى تعاقدات أكبر مع جهات اعتبارية مثل قوات الدعم السريع.
ورغم النفي الرسمي الصادر عن كييف في أكثر من مناسبة بشأن وجود قوات أوكرانية رسمية تقاتل في السودان، فإن هذا النفي بقي عامًا ومجملًا، دون التطرق إلى الوقائع المحددة المتعلقة بمقتل أوكرانيين في دارفور، وهي وقائع ورد ذكرها في بيانات رسمية صادرة عن القوات المسلحة السودانية. ويرى مراقبون أن هذا الصمت الانتقائي يثير تساؤلات حول طبيعة الدور الحقيقي الذي تلعبه أطراف أوكرانية في النزاع السوداني، خصوصًا في ظل غياب أي تحقيقات معلنة أو توضيحات تفصيلية للرأي العام الدولي.
ويؤكد المحلل السياسي السوداني المثني الفحل، أن مليشيا الدعم السريع المتمردة قد حشدت مرتزقة من أكثر من 8 دول للقتال في صفوفها بعد أن تلقت ضربات قوية في العاصمة الخرطوم والمدن الأخرى التي انسحبت منها العام الماضي، مشيرًا إلى أن تأكيد وجود أوكرانيا في صفوف المليشيا كان من خلال الشركات الأوكرانية التي تبيع الأسلحة للمليشيا، ومن خلال الأفراد الذين تمت مشاهدتهم في إقليم دارفور، وكانوا خبراء فنيين يقومون بمهام متعددة. كما يقوم تجار الأسلحة الأوكرانيين ببيع الأسلحة للمليشيا، لكن الأخطر في هذا الأمر أن هذه التجارة تمت في إقليم دارفور، وهو الإقليم المحظور دوليا من الأسلحة بقرار من مجلس الأمن الدولي، لكن رغم ذلك تعقد المليشيا صفقات مع شركات الأسلحة كأنها لا تخشي العقوبات الدولية.
من وجهة نظر أخرى، يقول حسين المهاجري الضابط السابق في الجيش التشادي ونائب رئيس البرلمان التشادي سابقا، إنه قد ينطوي الأمر إما على مشاركة أفراد أجانب (مرتزقة أو خبراء تقنيين) أو على مبالغة في الحقائق.
وفي النهاية، تشير المعطيات المتوافرة، من شهادات رسمية، وأدلة تقنية، وطبيعة التخصصات العسكرية، إلى أن الوجود الأوكراني في السودان يصعب اختزاله في إطار نشاط مرتزقة مستقلين. بل يبدو أقرب إلى نموذج تدخل استخباراتي منظم، يستثمر في فراغات الصراع ويعيد إنتاجها ضمن حسابات جيوسياسية أوسع، وبينما يبقى السودان ساحة مفتوحة لهذا التداخل المعقّد، تظل الحاجة ملحّة إلى مقاربة أفريقية–إقليمية تُعيد الاعتبار لمبدأ سيادة الدول، وتضع حدًا لتحويل أزمات القارة إلى مسارح صراع بالوكالة.