إعلان

عام واحد كان كافيًا.. كيف محا ترامب إرث بايدن الرئاسي؟

كتب- محمد جعفر:

05:57 م 20/01/2026

تابعنا على

تعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال عامه الأول من ولايته الثانية، مع رئاسة سلفه جو بايدن بوصفها استثناءً تاريخيًا لا أكثر، ليس فقط عبر تفكيك سياساته، بل من خلال السعي لتجريد فترته الرئاسية بأكملها من أي شرعية سياسية أو أخلاقية، وبهذا النهج، لم يكتفِ ترامب بإلغاء إرث بايدن، بل عمل على اختزاله إلى هامش عابر في التاريخ السياسي الأمريكي.
وعادةً ما تتلاشى آثار الإدارات السابقة تدريجيًا، غير أن ما حدث مع رئاسة بايدن جاء على نحو مختلف؛ إذ نجح ترامب، في غضون عام واحد، في تقويض معظم ركائز النظام الليبرالي الذي ساد واشنطن خلال السنوات الأخيرة، مقدّمًا نفسه باعتباره نقيضًا مباشرًا لكل ما مثّله سلفه، وفق ما ذكره موقع "أكسيوس الأمريكي" في تقرير له.

الديمقراطية.. قلب السردية

بنى بايدن رئاسته على مقولة أن الديمقراطية الأمريكية تعرّضت لهجوم مباشر خلال فترة ترامب الأولى، وأن أحداث السادس من يناير (مبنى الكابيتول) شكّلت صدمة وطنية تستوجب المحاسبة وترسيخ الوضوح الأخلاقي، غير أن ترامب قلب هذه السردية رأسًا على عقب، فأصدر عفوًا عن آلاف المتهمين في أحداث اقتحام الكابيتول، وعيّن شخصيات أنكرت نتائج انتخابات 2020 في مناصب عليا، كما استخدم موارد الدولة للتقليل من شأن الهجوم على مبنى الكونجرس.
وبعد نجاته من أربع محاكمات، اتجه ترامب نحو ما اعتبره انتقامًا سياسيًا، عبر فتح تحقيقات واستهداف خصومه بلوائح اتهام، في خطوة قوّضت، بحسب منتقديه، أي ادعاء باستقلالية وزارة العدل.

العدالة العرقية.. تفكيك سياسات بايدن

في ملف العدالة العرقية، ألغى ترامب أطر التنوع والإنصاف والشمول داخل مؤسسات الدولة، وشن حملة واسعة على الجامعات والمؤسسات التي اعتبرها حاملة لأجندة "الصحوة" المرتبطة بعهد بايدن، وربط ترامب هذا التحول بمظالم عنصرية صريحة، معتبرًا أن سياسات حماية الحقوق المدنية أضرت بالأمريكيين البيض، في الوقت الذي أعاد فيه تقديم الحكومة الفيدرالية كمدافع عنهم.
وتزامن ذلك مع تشديد غير مسبوق على الهجرة بنوعيها غير الشرعية والشرعية، مستهدفًا مجتمعات الملوّنين، من بينهم الأمريكيون الصوماليون في مينيسوتا، مقابل توسيع الحماية الخاصة للاجئين البيض القادمين من جنوب إفريقيا.

البيروقراطية.. نهاية ثق بالخبراء

اعتمد بايدن على فكرة احترام المؤسسات والخبرات المهنية، خاصة في أعقاب جائحة كوفيد-19 وما رافقها من اضطراب، لكن ترامب رفض هذا النهج كليًا، فأقال آلاف الموظفين الحكوميين المحترفين، وفرض اختبارات ولاء سياسية داخل الحكومة الفيدرالية، وقوّض استقلالية وكالات كانت محصّنة تقليديًا من التدخل السياسي.
ومع صعود شخصيات غير تقليدية، مثل روبرت إف. كينيدي جونيور، تراجع شعار "ثق بالخبراء" ليصبح، في نظر إدارة ترامب، من بقايا مرحلة الجائحة، ما أدى إلى قلب عقود من الإجماع في سياسات الصحة العامة.

تغير المناخ.. من أولوية وجودية إلى ملف مهمّش

تعامل بايدن مع تغير المناخ كتهديد وجودي ومبدأ موجّه للسياسات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية، أما ترامب الذي وصف الظاهرة سابقًا بأنها "خدعة"، فقد شن حربًا مفتوحة على الطاقة النظيفة، مدافعًا عن الوقود الأحفوري بوصفه السبيل إلى خفض الأسعار ودعم طفرة الذكاء الاصطناعي.
وبعد أقل من أربع سنوات على إقرار الكونجرس لأكبر تشريع مناخي في تاريخ الولايات المتحدة، تراجع الملف المناخي بشكل شبه كامل عن جدول الأعمال الوطني.

التعددية.. تحولات في السياسة الخارجية

استندت سياسة بايدن الخارجية إلى مبدأ أن النفوذ الأمريكي ينبع من التحالفات، مع التركيز على وحدة حلف شمال الأطلسي ودعم أوكرانيا، غير أن ترامب، بعد عام واحد فقط، بدأ في إعادة صياغة نظام عالمي جديد تقوم فيه القوى الكبرى بفرض القواعد، ما أدى إلى نفور الحلفاء التقليديين عبر التهديد بالغزو الإقليمي أو استخدام أدوات الإكراه الاقتصادي.

مواقف رسمية ودوافع شخصية

وفي تعليق رسمي، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض أبيجيل جاكسون إن "الشعب الأمريكي أعاد الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض لأنه أراد التراجع عن كل قرار سياسي كارثي اتخذه بايدن.. ومحو فوضاه هو الهدف الحقيقي".
وبينما تبدو الخلافات الأيديولوجية بين الرئيسين واضحة، تشير القراءة الأعمق إلى دوافع شخصية لدى ترامب، الذي لم يتخلَّ عن ادعائه بأن انتخابات 2020 سُرقت منه، ويرى في الملاحقات القضائية التي واجهها محاولة لتدمير حياته السياسية، وحتى على المستوى الرمزي، استبدل ترامب صورة بايدن داخل البيت الأبيض بصورة قلم أوتوماتيكي، في سخرية مباشرة من سلفه وتصوير رئاسته كـ"مهزلة".

تكشف التجربة أن إرث الرؤساء الأمريكيين لا يدوم إلا بقدر ما يسمح به خلفاؤهم، وفي حين تلاشى إرث بايدن سريعًا تحت وطأة قرارات ترامب، يراهن الأخير، الساعي إلى ترك بصمة مادية وسياسية واضحة في واشنطن، على أن إرثه سيكون أكثر رسوخًا وديمومة.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان