إعلان

"سقوط" الرب في التوراة

محمد جادالله

كتب - محمد جادالله

07:00 م الإثنين 04 مايو 2026

من يقرأ التوراة بعين لا تستسلم للسرد الموروث، يكتشف أن الصورة الإلهية التي تتشكل داخل النص ليست صورة السماء كما استقرت في الوعي التوحيدي لاحقا، بل بناء شديد الاضطراب تتداخل فيه السلطة بالغضب، ويتجاور فيه المقدس مع ردود الفعل الإنسانية، حتى يصبح من الصعب أحيانا التمييز بين ما هو إلهي وما هو بشري. وهنا يا صديقي القارئ تبدأ الرحلة الحقيقية في تفكيك الصورة قبل الإيمان بها أو رفضها.

في سفر التكوين، لا يبدأ المشهد بنور مطلق يفيض بالسكينة، بل يبدأ بعلاقة توتر بين الإله والإنسان، تنتهي إلى عقوبة وطرد ولعنات، وكأن النص منذ لحظته الأولى يؤسس لفكرة أن العلاقة بين السماء والأرض ليست علاقة انسجام دائم، بل علاقة محاسبة مستمرة. وهنا يا صديقي تتشكل أول نغمة في السرد: إله حاضر بقوة، لكن حضوره مشبع بالفعل العقابي أكثر من كونه حضورا رحيما مطلقا.

ومع امتداد السرد التوراتي، تتسع هذه النغمة لتتحول إلى مشاهد كبرى من الطوفان وإهلاك المدن والحروب التي تقدم داخل إطار ديني، حيث يصبح الفعل التاريخي نفسه محمولا على معنى لاهوتي. وفي بعض هذه المقاطع، يا عزيزي، تتشكل صورة إله لا يقف على مسافة واحدة من البشر، بل يظهر وكأنه طرف في الصراع، يمنح الشرعية لفعل القوة ويمنحه غطاء مقدسا، فتختلط السياسة بالنص، ويتداخل التاريخ مع العقيدة في بنية واحدة معقدة.

ومع الزمن، لم تبق هذه الصورة داخل حدود النصوص، بل خرجت إلى دوائر التأويل والفكر، حيث حاول بعض الفلاسفة اليهود لاحقا إعادة النظر في هذا البناء، معتبرين أن فكرة الانحياز أو الاختيار الحصري لا تنسجم مع تصور الإله المطلق الذي يتجاوز الجماعات والحدود. لكن في المقابل، تمسكت قراءات تقليدية بظاهر النص، فاستمر التوتر بين قراءة ترى الإله كونيا شاملا، وقراءة أخرى تبقيه داخل حدود الجماعة والتاريخ.

وهنا يا عزيزي تصبح المسألة أعمق من مجرد نص ديني، لأنها تتحول إلى سؤال عن طريقة إنتاج المعنى نفسه: كيف يقرأ المقدس؟ وكيف يعاد توظيفه حين ينتقل من سياقه الروحي إلى المجال التاريخي والسياسي؟ فحين يحدث هذا الانتقال، لا يعود النص مجرد سرد، بل يصبح قوة تفسيرية تستخدم في فهم الواقع أو إعادة تشكيله.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال الصورة في اتجاه واحد، لأن داخل هذا التراث نفسه وجدت محاولات لإعادة بناء الفهم على أساس أخلاقي أوسع، يرى أن الإله لا يمكن أن يحاصر داخل صراع بشري، ولا أن يختزل في فعل قوة، بل هو أفق للعدل يتجاوز الانتماءات. وهنا يا صديقي يظهر أن النص ليس كتلة مغلقة، بل فضاء مفتوح للتأويل، تتصارع داخله قراءات متعددة، بعضها يعيد إنتاج الصورة القديمة، وبعضها يحاول تحريرها منها.

وفي النهاية، حين نصل إلى ما يسمى بسقوط صورة الإله في التوراة، فنحن لا نتحدث عن سقوط في السماء، بل عن اهتزاز في الوعي الإنساني الذي أعاد تشكيل المقدس على صورة تجربته التاريخية. والسؤال الذي يظل معلقا يا عزيزي ليس عن النص وحده، بل عن الإنسان الذي قرأه: هل كان يقرأ السماء، أم كان يرى نفسه فيها دون أن يدري؟

وهكذا يبقى النص مرآة مزدوجة، تعكس المقدس بقدر ما تعكس الإنسان، وتكشف أن المعركة الحقيقية لم تكن يوما بين إله وناس، بل داخل وعي الإنسان وهو يحاول أن يفهم الإله من خلال ذاته.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان