اليهودية.. ذبح يهوة باسم الهوية
ثمة لحظة انكسار مريرة في تاريخ أي عقيدة يا صديقي القارئ لا تُقاس بعقارب الساعة، بل بسقوط المعنى في فخ المنفعة. حين يتحول الدين من صرخة بحث عن الله إلى مجرد كتالوج يبرر للإنسان أطماعه، فنحن هنا لا نتحدث عن انهيار نص، بل عن جريمة تزوير مكتملة الأركان، حيث تُعاد صياغة المقدس في غرف السياسة المظلمة ليخرج للناس في ثوب إرادة سماوية لا تُناقش يا عزيزي.
في البدء لم تكن اليهودية سوى رسالة عهد ضيقة وانضباطا روحيا لجماعة تحاول تلمس طريقها في صحراء الوجود، ولم يكن في أفقها مشروع للهيمنة أو سحق الآخر. لكن ببطء شديد يثير الرعب بدأ المعنى ينزاح، والكلمات التي كانت تبحث عن الخلاص صارت تبحث عن التوسع يا صديقي، حتى تغيرت الغايات تماما، وصار المقدس خادما للطموح الدنيوي. هنا تحول الدين من علاقة مع الخالق إلى هوية قاتلة، ولم يعد الإيمان تجربة قلبية، بل صار سياجا يفصل بين البشر، فنحن في الداخل والجميع في الخارج.
وفي هذه النقطة بالتحديد يا عزيزي القارئ، وُلدت فكرة الاختيار المشوهة، فلم يعد الاختيار تكليفا أخلاقيا ثقيلا، بل صار امتيازا وجوديا يمنح صاحبه الحق في ترتيب العالم كما يشاء، وتحويل الآخر إلى مجرد هامش أو عقبة يجب إزاحتها بلا ندم.
الأخطر من ذلك كله هو زحزحة المركز يا صديقي، فلم يعد الله هو الغاية، بل صارت الجماعة هي الإله الجديد. لم يُلغَ النص، بل تم استئناسه وتدجينه ليصبح أداة تبرير لا أداة تقويم. يا عزيزي، إن المشكلة لم تكن يوما في الحبر المسكوب على الأوراق، بل في تلك القلوب التي تسيء قراءة الحبر لتمارس القتل بضمير مستريح وتدعي الوصل بالسماء. ومع تقادم الزمن يا صديقي القارئ، تجذر هذا الانحراف ليصبح رؤية شاملة للكون، ولم يعد الأمر مجرد إيمان، بل صار نظارة مشوهة يرى من خلالها المرء السياسة والآخر والذات.
وحين تلمس هذه الرؤية أرض الواقع تتحول الفكرة إلى نصل حاد، وهي لغة مغلفة بالأخلاق، لكنها تذبح الأخلاق في كل جملة. كيف يمكن لإنسان أن يسرق الأرض ويسحق الروح وهو يرتل آيات الرحمة يا عزيزي؟ هذا هو اللغز الذي فكه التأويل المنحرف.
المعركة الحقيقية اليوم ليست على الفعل ذاته، بل على تفسير الفعل يا صديقي، فحين تُعاد صياغة العدالة لتناسب القوي، وتُقدم القوة بوصفها ضرورة وجودية، ويُختزل الإنسان الآخر في صورة تهديد دائم، يصبح تمرير أبشع الجرائم أسهل من شربة ماء. نحن نعيش في منطقة رمادية قاتلة، حيث يختنق الدين في قبضة السياسة، وحيث تتحول القيم إلى مجرد كلمات متقاطعة يحلها القوي كيفما يشاء. في نهاية المطاف يبقى السؤال معلقا فوق رؤوسنا كالسيف يا عزيزي القارئ: فهل النص هو الذي يقودنا أم نحن الذين نسحل النص خلف أهوائنا؟
إن أي دين ينفصل عن جوهره الأخلاقي الكوني لا يعود دينا، بل يتحول إلى سلاح في ترسانة الصراع البشري. المسافة بين إيمان يحرر الإنسان وتأويل يستعبده هي ذات المسافة بين الحياة والعدم. يا صديقي، إن استباحة الإنسانية تبدأ دائما بكلمة يتم تأويلها بشكل خاطئ، لتنتهي بدم يُسفك بدم بارد تحت راية يزعمون أنها مقدسة.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع