إعلان

أوروبا... حياد بدم بارد

محمد جادالله

كتب - محمد جادالله

07:00 م الإثنين 20 أبريل 2026

لم يكن الاتحاد الأوروبي يوما كيانا بريئا يقف على مسافة واحدة من صراعات العالم، كما يحب أن يُظهر نفسه في خطاباته الدبلوماسية. فمنذ نشأته وهو يرفع شعارات «الحياد القيمي» و«الوساطة الحضارية»، لكن الحقيقة التي بدأت تتكشّف، يا صديقي القارئ، أن هذا الحياد لم يكن سوى قشرة رقيقة تخفي وراءها حسابات أكثر برودة وتعقيدا. ومع كل أزمة كبرى، يتراجع هذا القناع خطوة، لتظهر ملامح واقع لا تحكمه القيم بقدر ما تحكمه المصالح.

وقد بدا ذلك واضحا في غزة، حيث لم تعد اللغة الدبلوماسية قادرة على إخفاء التناقض. فبينما كانت أوروبا تتحدث عن «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، كانت مدن كاملة تُسحق تحت هذا العنوان، وكان الأطفال يُنتشلون من تحت الركام في مشهد لا يحتمل التأويل. ومع ذلك، جاءت المواقف الأوروبية رمادية، تميل إلى التهدئة في خطابها، لكنها في جوهرها تساوي بين طرفين لا يتساويان في القوة ولا في الكلفة الإنسانية. وهنا، يا عزيزي، لم يعد السؤال: ماذا تقول أوروبا؟ بل: ماذا تختار أن تتجاهل؟

غير أن الصورة لا تكتمل إذا توقّفنا عند غزة فقط، لأن ما يجري أوسع من ذلك بكثير. فالتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، وما يصاحبه من رسائل نارية وضربات محسوبة، يكشف عن مشهد إقليمي يتجه نحو إعادة تشكيل توازناته. وفي قلب هذا المشهد تقف إسرائيل، لاعبا يدفع نحو التصعيد حينا، ويستدعي الدعم حينا آخر، بينما تتحرك واشنطن بعقل استراتيجي يحاول ضبط الإيقاع دون أن يفقد السيطرة. وفي خضم كل ذلك، تبدو أوروبا وكأنها تراقب أكثر مما تقرر، وتواكب أكثر مما تقود.

ومن هنا تتضح المفارقة: أوروبا التي تتحدث عن «خفض التصعيد» لا تملك الأدوات الكافية لفرضه، وأوروبا التي تدعو إلى التوازن تجد نفسها، في اللحظات الحاسمة، أقرب إلى الانحياز العملي منه إلى الحياد الحقيقي. وكأنها تدرك حدود دورها، لكنها تفضّل البقاء داخل هذا الهامش بدلا من محاولة تجاوزه. وهذا ما يجعل موقفها يبدو مترددا، لا هو قادر على الحسم، ولا هو صادق في ادعاء الوقوف على مسافة واحدة من الجميع.

ومع تكرار هذه الأنماط في أكثر من أزمة – من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط – يتأكد أن الاتحاد الأوروبي لم يعد ذلك الصوت المستقل الذي يمكنه أن يعيد صياغة المعادلات الدولية. فقد تآكل نفوذه تدريجيا تحت مظلات أكبر، وتراجع حضوره في لحظات القرار الحقيقية، حتى أصبح أقرب إلى شريك في المشهد منه إلى صانع له. وهنا، يا صديقي، لا تعود المشكلة في ضعف التأثير فقط، بل في فقدان القدرة على اتخاذ موقف أخلاقي واضح حين يكون ثمنه مرتفعا.

وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بما تقوله أوروبا في بياناتها، بل بما تختاره حين تضيق المساحات وتشتد الأزمات. فالتاريخ لا يُكتب بالعبارات المتزنة، بل بالمواقف التي تُتخذ حين يكون الصمت خيارا سهلا. وإذا كان الحياد فضيلة في أوقات الاستقرار، فإنه في أوقات الدم يتحول إلى شكل ناعم من أشكال التواطؤ، حتى لو جاء مغلفا بلغة دبلوماسية أنيقة.

لقد كشفت هذه اللحظة – بكل ما فيها من تشابك وتعقيد – أن العالم لم يعد يحتمل الأقنعة الطويلة. وأن من يختار أن يقف في المنتصف بينما النيران تحيط بالجميع، قد ينجو مؤقتا، لكنه يخسر شيئا أعمق بكثير. لأن القوة، في عالم يعاد تشكيله الآن، لن تُقاس فقط بالتحالفات أو الاقتصاد، بل بالقدرة على اتخاذ موقف إنساني واضح حين يكون الثمن حقيقيا.

وسيكتشف الاتحاد الأوروبي، عاجلا أم آجلا، أن أكبر خسائره لم تكن في تراجع نفوذه، بل في تآكل صورته الأخلاقية. لأن الشعوب قد تنسى التفاصيل، لكنها لا تنسى من وقف مترددا في لحظة كانت تحتاج إلى وضوح. وفي تلك اللحظات تحديدا، يُكتب التاريخ... لا في الهامش، بل في صميمه.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان