إعلان

هيكل سليمان.. الحقيقة التي لا يريدونك أن تراها

محمد جادالله

كتب - محمد جادالله

07:00 م الإثنين 13 أبريل 2026

لم يكن «الهيكل» في بدايته أكثر من رمز تعبدي في قلب العقيدة اليهودية، بيت للعبادة يوحد القلوب، ويذكر الإنسان بعهد الله. لكنه، يا صديقي القارئ، مع مرور الزمن، ومع تصاعد النزعة القومية في الفكر اليهودي، تحوّل من مكان للقاء الروح بالله إلى راية للسيطرة على الأرض والزمان. صار الهيكل في المخيلة الصهيونية المعاصرة أكثر من بناء مفقود، بل مشروعًا سياسيًا يُعاد بناؤه في كل حرب، وكل احتلال، وكل مستوطنة، وكأن الفكرة لم تعد روحًا بل سلاحًا.
تاريخ الهيكل في النصوص ليس تاريخ حجر بقدر ما هو تاريخ فكرة، وهنا الخطورة يا عزيزي. فحين دمّره نبوخذنصر (ملك بابل الذي هدم الهيكل الأول وسبى اليهود إلى بابل)، لم يكن الحدث نهاية لمعبد بل بداية لأسطورة. منذ تلك اللحظة، صار «الهيكل المفقود» حلمًا يُغذي الوجدان اليهودي، وأصبح رمزًا لبقاء الأمة حتى في الشتات. لكن حين انتقل هذا الحلم من أيدي الأنبياء إلى أيدي السياسيين، تبدل جوهره من مكان للعبادة إلى أداة للهيمنة، وصار استعادة الأرض مقدمة على استعادة الإيمان.
ومنذ قيام إسرائيل، لم تفارق فكرة «الهيكل الثالث» عقل المؤسسة الدينية والسياسية معًا. فكل حجر يُحفر في القدس، وكل اقتحام للمسجد الأقصى، يُقدم على أنه خطوة نحو إعادة بناء «البيت المقدس». لكن الحقيقة التي قد لا تُقال لك بوضوح، يا صديقي، أن المقصود ليس بيت الله، بل بيت القومية الذي يُراد إقامته على أنقاض المقدسات الإسلامية والمسيحية معًا. وهنا يكمن الخطر الأعظم، حين تتحوّل الرموز الدينية إلى مشروعات عسكرية، يصبح الهدم عبادة، ويصبح القتل طقسًا يُبرَّر باسم العقيدة.
إن الفكرة التي يحملها الإسرائيليون اليوم عن الهيكل ليست فكرة روحانية، بل خطة جغرافية واضحة. فهم لا يبحثون عن الله بقدر ما يبحثون عن حدود يرونها موعودة، ويستمدّون من الأسطورة مبررًا للاستيلاء على القدس وتهويدها بالكامل. كل ذلك باسم «تحقيق النبوءة»، وكأن التاريخ يُعاد تشكيله ليتناسب مع أطماع الحاضر، وهنا تحديدًا تتجلى المفارقة التي يجب أن تنتبه لها يا عزيزي.
الهيكل في جوهره، كما ورد في النصوص القديمة، كان رمزًا لحضور الله بين شعبه. أما في الفكر الصهيوني الحديث، فقد غدا رمزًا لحضور «الشعب» بدل الله. لم يعد الله هو الغاية، بل صار وسيلة لتقديس الذات الجماعية، وتحويل الإيمان إلى أداة سياسية. وهكذا، يا صديقي، لم تعد الفكرة مجرد عقيدة، بل أصبحت أيديولوجيا تسعى للسيطرة على الوعي العالمي، تُقدم في صورة «إرث حضاري»، بينما تخفي في عمقها مشروعًا للهيمنة على القدس ونزعها من هويتها.
ومن المدهش، يا عزيزي، أن ترى كيف تتحدث إسرائيل عن «حرية الأديان»، في الوقت الذي تُدمَّر فيه المساجد وتُحاصر الكنائس، وكل ذلك تحت شعار «الهيكل الموعود». لقد صار هذا الرمز بوابة لتبرير العدوان، وصار الحلم القديم أداة نفسية لتحريك الجماهير واستدرار التعاطف الغربي. إنها ببساطة «سياسة الأسطورة»، حيث تتحول المأساة إلى مبرر دائم للهيمنة.
ورغم أن علماء الآثار لم يعثروا حتى اليوم على دليل قاطع على وجود الهيكل في موقع الأقصى، إلا أن إسرائيل تبني مشروعها على «إيمان غيبي» لا على حقيقة تاريخية. فهي لا تحتاج إلى دليل مادي بقدر ما تحتاج إلى قناعة جماعية تبرر استمرار الاحتلال. وهنا، يا صديقي، يتحول الدين إلى مسرح، ويصبح الوهم أداة واقعية تُستخدم لتبرير ما لا يُبرر.
الهيكل، كما يُقدَّم في الخطاب الصهيوني، ليس مجرد أطلال في كتب التاريخ، بل مشروع متكامل لتغيير هوية القدس. فكل حجر يُهدم، وكل طريق يُغلق، هو خطوة في بناء هذا المشروع. إنها محاولة لإعادة هندسة التاريخ نفسه، لتبديل الذاكرة، واستبدال الحقيقة بالأسطورة، وكأن الماضي يُعاد كتابته ليخدم الحاضر.
لكن الحقيقة الأعمق، يا عزيزي، أن الهيكل الذي بشر به الأنبياء لا يُبنى بالحجارة، بل بالعدل. الهيكل الحقيقي لا يحتاج إلى جرافات ولا دماء، بل إلى صدق وإيمان ورحمة. وكل من يحول الدين إلى سيف، والرمز إلى ذريعة للقتل، إنما يهدم الهيكل في داخله حتى لو ظن أنه يبنيه على الأرض.
إن معركتنا اليوم ليست على معبد غابر، بل على معنى الإيمان ذاته. هل يكون الإيمان طريقًا للتحرر أم وسيلة للهيمنة؟ وهل تُبنى الأمم على العدل أم على الأسطورة؟ هذه الأسئلة، يا صديقي، هي التي يجب أن تُطرح في وجه هذا المشروع. لأن اللحظة التي يُختزل فيها الله في حجر، تتحول فيها العبادة إلى أداة استعلاء، ويتحول الهيكل إلى ساحة دم لا بيت صلاة.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان