مَنْ كان وراء السمعة السيئة للدهون العظيمة؟!

د. أمــل الجمل

مَنْ كان وراء السمعة السيئة للدهون العظيمة؟!

د. أمل الجمل
07:00 م الأحد 28 يونيو 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع


هناك مثل إنجليزي يقول: "تفاحة في اليوم تُبقي الطبيب بعيدا".
المثل له تفسيرات عدة، أهمها أن الوقاية خير من العلاج. لا شك أن الصحة تاج فوق الرؤوس. الصحة مسئولية كل إنسان. لا تثق بأحد. أنت مسئول عن صحتك، ولا تلُم أحدًا إن لم تعتنِ بها. صحيح أن جسمك مؤهل للتعامل مع المخاطر والأضرار التي ترتكبها في حقه حين تأكل بشكل خاطئ، لكنه سيتحمل ذلك لفترة محدودة - قد تطول أو تقصر وفق إمكانيات كل إنسان - وبعدها سيتركك جسدك وحيداً تُواجه مصيرك، ثم يتخلى عنك.

أما الأطباء، فلن يهتموا بصحتك. هذا ليس دورهم، هذا ليس من قبيل الإدانة لهم - حتى وإن كان أغلبهم كل ما يشغله هو ما في حافظتك - لكن أيضاً لأن مهنتهم كما تعلموها في كليات الطب هي التعامل مع المرض والعرض، فليس دورهم الشفاء التام من الأمراض، إنهم فقط يحاولون التقليل من الأعراض، أو إخفاءها. وأثناء ذلك الفعل سيتسببون في خلق أعراض أخرى - في متوالية قد لا تنتهي - نتيجة الآثار الجانبية للأدوية، فلا يوجد دواء من دون آثار جانبية، وأي دواء خالٍ من الآثار الجانبية هو دواء غير فعال بالمرة.

تحويل المحنة لنعمة
رغم ما سبق فلا يزال هناك أطباء يهتمون بصحة الإنسان، يعملون على نشر الوعي، ويسعون لتصحيح المفاهيم الخاطئة، ويكشفون ما خفي من حقائق. بعضهم قد يفعل ذلك لأسباب دينية، أو بوازع أخلاقي وتحت تحفيز الضمير الإنساني والمسئولية الاجتماعية، كما يفعل دكتور بيرج - دكتور التغذية الأمريكي الشهير، الذي عانى من مشاكل تسوس في جميع أسنانه منذ كان في الحادية عشرة من عمره، وصار لديه مشكلة مع مستوى السكر في الدم آنذاك. كان بيرج يعيش مع والديه في أمريكا، ووفقا للشائع في الثقافة الطبية وصحة التغذية هناك لم يحذره والداه أبداً من مخاطر تناول السكر.

عانى بيرج من مشاكل صحية عديدة، منها فشله في العثور على حلول لسمنته وخموله، كان جسده في حالة فوضى، وكان يجوب الولاية بحقيبة من الفيتامينات والمعادن ويسأل الأطباء والصيادلة ويجرب هذا وذاك، من دون أي نتيجة إيجابية.

الأمر الإيجابي الوحيد والأهم أن تلك المحنة الصحية جعلته يُقرر أن يفهم الجسد الإنساني، أن يدرسه، كي يتعلم مفاتيح التعامل معه. من هنا، من تلك اللحظة التي تدهورت فيها حالته الصحية في شبابه دون علاج قرر أن يترك مهنته، وأن يدرس طب الأغذية ويتخصص فيه ويمارسه على مدار نحو ثلاثين عاماً.

الوثائق السرية المُسيئة للدهون
في إحدى حلقاته على يوتيوب يُفاجئنا دكتور بيرج بملخص وثائق سرية مكونة من نحو ٣٠٠ صفحة، تم إظهارها مؤخراً تكشف السر وراء السمعة السيئة للدهون التي تم تكريسها - وإكسابها الطابع العلمي - على مدار سنوات وتحديدًا منذ الخمسينيات.

توجد في هذه الوثائق مراسلات بين مؤسسات أبحاث السكر وبعض العلماء، ملخصها أن مؤسسة أبحاث السكر - وهي مجموعة تابعة لقطاع السكر - أجروا بحثا بأنفسهم واكتشفوا وجود علاقة قوية بين تناول السكروز وأمراض القلب، اكتشفوا هذا بأنفسهم، لكن الإعلان عن تلك النتيجة كان سيضر بالمبيعات.
لذلك وضعوا خطة استراتيجية تضمنت شيئين، الأول: تجاهل بيانات البحث وهي أن السكر يُسبب هذه المشكلة أو يزيد خطورتها، بل أخفوها، ولم يتم الإفصاح عنها، أو تأكيدها.

ثانيا: التأكيد على وجود علاقة بين الدهون وأمراض القلب تأكيداً شديداً، لذلك وظفوا باحثين وعلماء، وشخصا اسمه فريدريك ستار الذي كان خبير التغذية المسؤول في جامعة هارفارد، قسم الصحة، وقد دفعت له شركة كلوقز وعدة شركات أخرى، منها شركة توباكو مليون دولار في عام ١٩٦٥.

الطبيب المرتشي
تخيلوا حجم المليون دولار عام ١٩٦٥، إذن فلنتصور حجم الأرباح الخرافية التي كانت تجنيها تلك الشركات من مبيعات السكر على حساب صحة الناس. ثم تلقى هذا الطبيب نفسه في التسعة والعشرين عاما التالية ٢٩ مليون دولار أخرى.

شركات السكر قدمت هذه الأموال للطبيب كنوع من الرشوة لفعل شيئين، أولاً: اغفال العلاقة بين السكر وأمراض القلب، ثم التأكيد على وجود تلك العلاقة بين أمراض القلب والدهون، لأنهم لم يريدوا أن يتوقف الناس عن تناول السكر. هذا جذر القصة، فشركات صناعة السكر هي مصدر السمعة السيئة التي لاحقت الدهون لعقود، وحدث الشيء نفسه عام ١٩٧١ مع تسوس الأسنان في قطاع طب الأسنان بأكمله.

السكر وحصتك الحقيقية
هل تعلم أن حصتك اليومية من السكر يجب ألا تزيد على ملعقة واحدة، لكن المرء يتناول ما يعادل ٣١ ملعقة سكر مما يُشكل كارثة صحية، فجسمك سيساعدك، ويحاول حمايتك من آثار هذا السكر والدفاع عنك، لكن لفترة محدودة، بعد ذلك ستخرج الأمور عن السيطرة.

شخصياً، اكتشفت الوهم الذي كنت أعيشه، كنت أقول لنفسي الحمد لله فأنا لا أتناول أي ذرة سكر، ثم اكتشفت الكارثة؛ إذ لا تُوجد عبوة مواد غذائية واحدة من دون أن يدخل السكر في مكوناتها، فالسكر لا يقتصر وجوده على المشروبات الغازية، والوجبات السريعة، إنه يقتحم حياتنا ويحاصرنا من كافة منافذها. لكننا قادرون على التخلي عنه، وأن تستبدل بكل ذلك كل ما هو طبيعي وغير مُعلب.

اللافت أنه عند قراءة مكونات أي منتج غذائي لن تجد السكر في المقدمة أبداً، سيصدرون لك الدهون أولاً. إنها طريقة شديدة اللؤم. فالسكر مهم في زيادة المبيعات، ليس بسبب مبيعات السكر نفسه، ولكن السكر محفز للشهية، ويجعلك تطلب المزيد، والمزيد من الطعام، لأنه يخلق لديك الشعور بعدم الشبع، وهذا تحديدا ما يُريدونه.

السرطان والسكر
تُشير نتائج الأبحاث إلى أن أخطر مرض يقتل معظم الناس هو مرض القلب، يليه مرض السرطان. والاثنان بينهما عامل مشترك واحد هو السكر. في الأعوام الأخيرة يُؤكد العلماء أنه إذا منعت السكر عن جسمك، فستحميه من السرطان. لماذا؟ لأن الخلايا السرطانية تتغذى على السكر.

لذلك، إذا أردتم تغذية السرطان، فاستمروا في تناول السكر. إذا أردتم الصحة، فتوقفوا عن هذا المنتج اللعين. يمكنكم البدء، سيكون الأمر صعبا وشاقا، لكنه ليس مستحيلاً أبداً. فالمؤشرات التي يطرحها أكثر من طبيب تؤكد أن المشقة تتراوح بين ثلاثة أيام وأربعة أسابيع.
ماذا يعني أن تتحمل ألم ومشقة أربعة أسابيع في سبيل إنقاذ نفسك واستعادة صحتك. أنت قادر على إنقاذ نفسك، بنفس قدرتك على الصيام.

وأخيراً، تذكر أن السكر هو نوع رديء جدًا من الوقود. بل هو أردأ أنواع الوقود، بينما الدهون هي أرقى وأفضل أنواع الوقود التي تفيد جسمك، وتمنحك الشعور بالشبع لفترات طويلة، وهي التي تحميك من ارتفاع الإنسولين، وتلك حكاية أخرى. ربنا يحفظكم جميعًا.

إعلان

إعلان