التعليم الأزهري.. ما له وما عليه  (9 ـ 10)

د. عمار علي حسن

التعليم الأزهري.. ما له وما عليه (9 ـ 10)

د. عمار علي حسن
09:00 م الأربعاء 27 يونيو 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

سارت علاقة الأزهر والرئاسة في ظل حكم عبد الفتاح السيسي بين شد وجذب، لكنها لم تكسر التقاليد الراسخة بين المؤسستين، والتي تنبي على تبادل المنافع، أو الاحتياج المتبادل، من منطلق إدراك الرئاسة أن الأزهر عمود من أعمدة الدولة المصرية منذ ما يزيد على ألف عام، وإدراك الأزهر أن الرئيس هو "ولي الأمر" وأن معاندته، أو التمرد عليه، أو تجاهل مطالبه، سيضر بالمؤسسة العريقة، جامعا وجامعة.

في بداية حكمه أعطى السيسي دفعة قوية للأزهر حين عوّل عليه في التصدي للفكر المتطرف، ومواصلة دوره الذي لعبه بحضور شيخه إعلان "خريطة الطريق" التي أسقطت حكم "جماعة الإخوان المسلمين" في الثالث من يوليو 2013. وتحدث السيسي عن "ثورة دينية" ثم خفض الاصطلاح أو المطلب أو المقصد إلى "تجديد الخطاب الديني"، جاعلا الأزهر في قلب هذه العملية، لأن الرئيس يؤمن "بدور الأزهر المحوري في التعريف بصحيح الدين الإسلامي، والاستمرار في تقديم النموذج الحضاري الحقيقي له، في مواجهة دعوات الغُلو والتطرف"، حسبما أعلن المتحدث باسم الرئاسة في أعقاب لقاء جمع السيسي بشيخ الأزهر في الثالث من أغسطس 2016.

كان السيسي قد خاطب علماء الأزهر في يناير 2015 بطريقة صريحة تحمل وعدا ووعيدا في آن: "والله لأحاجيكم يوم القيامة، فقد أخليت ذمتي أمام الله لأنه لا يمكن أن يكون هناك دين يتصادم مع الدنيا كلها". ومطالب الرئاسة للأزهر جاءت دوما محددة في نقاط، أتى الرئيس السيسي على ذكرها غير مرة في خطبه، وهي:

1 ـ التصدي للتطرف من خلال عملٍ جاد ومنظم، والعمل على الحيلولة دون توسعه واستمراره في تشويه صورة الدين.

2 ـ مقاومة الانقسام المذهبي الذي يؤدي إلى الفرقة والتباغض والاحتقان الطائفي بين المسلمين، بما يكون له آثار مدمرة على الدول في الوقت الراهن، نظرا لأن تفاقم هذا الخلاف يؤدى إلى مزيد من التقسيم والفُرقة.

3 ـ ضرورة أن يساعد الدين الأمم على أن تقام بالعمل والجهد والإخلاص وليس بالقتل والتخريب وتدمير الأوطان وترويع الآمنين، مع الأخذ في الاعتبار أن الدول التي تسقط في براثن الإرهاب والفوضى لا تعود مرة أخرى.

وقد حددت خطب الرئيس ما يشبه المسارات التي ترمي إلى تحقيق هذين الهدفين، ومنها:

أ ـ أهمية التفكر والتدبر وإعمال العقل كقيم أساسية في الدين الإسلامي، وهو الأمر الذى يدعو إلى الاطلاع وتعميق المعرفة الدينية لترسيخ الإيمان.

ب ـ ضرورة تحقيق التوازن بين الإتباع وبين النظر والتدبر وإعمال العقل.

ج ـ التصدي للتفاسير المغلوطة والممارسات الخاطئة التي يقوم بها البعض في عالم اليوم، والعمل على إيضاح عدم صحتها حتى يتعرف عامة المسلمين على صحيح الدين.

د ـ غربلة جديدة لبعض النصوص في الحديث النبوي، انطلاقا من أن السُنة النبوية قد تمت مراجعتها في زمن سابق، لكن معطيات العلم الحديث ومناهجه لا بد من توظيفها الآن في التعامل مع هذا النص.

هـ ـ مسؤولية الفرد أمام الله- سبحانه وتعالى- عما يقدمه للمجتمع وللدين الإسلامي دفاعاً عن قيمه الصحيحة وإظهاراً لحقيقته السمحة.

لكن العلاقة بين الطرفين شابها خلاف مكتوم، إثر ما رأته الرئاسة من أن الأزهر لا يؤدي ما عليه في تجديد الخطاب الديني، بينما رأى الأزهر أن الرئاسة مأخوذة ببعض مطالب العلمانيين الذين يوجهون انتقادات لاذعة لمناهج جامعة الأزهر، ويحملونها جزءا كبيرا من مسؤولية انتشار التطرف الديني، ويتهمون مشيخة الأزهر نفسها بأنها قد تسلفت، ويتحدثون عن عدم قدرة الشيخ على مقاومة بعض المشايخ المتشددين الذين يحيطون به. كما ان الرئيس وجد لمسألة "الثورة الدينية" صدى طيبا في الخارج، هو في حاجة إليه للتغطية على الانتقادات التي توجه إليه.
وكان الشيخ أحمد الطيب يرد على هذا دوما بقوله "الأزهر لا يزال يمثل منبراً للإسلام المعتدل بوسطيته وسماحته، ولا يدخر جهداً لإيضاح الحقائق وبيان فضائل الدين، التي تحاول مجموعة من المتطرفين والإرهابيين تبرير أفعالها باسمه وهو منها براء"، ويرى في الوقت نفسه أن "الأزهر يواجه تحديات لأنه المحافظ على الدين" بل وجه كلاما صريحا إلى السيسي قائلا:" الأزهر ماض في طريق العلم والتعليم، ويفد إليه من أقطار العالم 40 ألف طالب وطالبة من أكثر من 100 دولة وينفق عليهم من أموال مصر" وزاد على هذا بأن "الإسلام والتجديد متلازمان ووجهان لعملة واحدة".

وقد بلغ الخلاف حدا ملحوظا حين اتهم وزير الثقافة حلمي النمنم التعليم الأزهري بأنه أحد أسباب تولد العنف في المجتمع المصري، قائلا: "يشكل التعليم الأزهري نسبة كبيرة في مصر، وهو أمر لا بد من إعادة النظر فيه، وكذلك إعادة النظر في المناهج الدينية التي تدرس في المعاهد الأزهرية"، بل كشف عن "تجاهل الأزهر لمطالب السيسي بتجديد الخطاب الديني، والتفافه على الأمر بالحديث النظري دون اتخاذ أي خطوات عملية".

لكن الأزهر في حقيقة الأمر استجاب، ولو جزئيا أو إجرائيا أو حتى شكليا، لدعوة الرئيس له إلى التجديد، من خلال وضع تصور يرمي للتجديد في طريقة الخطاب والوسائل المناسبة له، وفي هذا وقع بروتوكولات تعاون مع وزارات التعليم والأوقاف والشباب والرياضة والثقافة والإعلام، وقام بدعوة المثقفين للحوار حول هذه المسألة بغية وضع وثيقة أشبه بمبادئ عامة حول أصول تجديد الخطاب الديني، كما عقد مؤتمرا دوليا موسعا لاستطلاع رأي علماء الدين في التجديد، وصناعة موقف موحد من التطرف الديني والإرهاب.

وبالنسبة للمناهج قام الشيخ الطيب بتشكيل لجنة لإصلاح المناهج مكونة من 100 خبير في التعليم لتنقية وتنقيح مناهج الأزهر في مختلف القطاعات التعليمية، وضعت خريطة جديدة للمناهج قبل الجامعية، تشكل تنقيحا لها من أي نص يمكن استغلاله من أي متطرف للتحريض على العنف. وقدم وكيل الأزهر عباس شومان السبب الذي دعا المشيخة إلى تعديل المناهج حين قال إنها "استشعرت خطورة المرحلة التي تمر بها الأمة بظهور أفكار ورؤى تخالف المنهج الأزهري الوسطي، فبادرت بالعمل على إصلاح منظومة التعليم الأزهري، فتم حذف ما قد يفهم في غير معناه". وقد وعد شومان بأن يبذل الأزهر جهدا كبيرا تلبية لمطالبته بتجديد مناهجه. وهناك بالفعل خطوت تمت على هذا الدرب بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، منها:

1 ـ تعديل المناهج الدراسية كل ثلاث سنوات من أجل مواكبة العصر ومواجهة الفكر المتطرف.

2 ـ حذف الأحاديث التي قد تفهم خطأ، مثل "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله". وحذف العديد من النصوص والآراء التي كانت مقررة ضمن منهج اللغة العربية للمراحل الثانوية والإعدادية والابتدائية، والتي يمكن أن تستغل في جذب الشباب إلى التطرف الديني.

3 ـ تم دمج مواد السيرة والحديث والتفسير للشهادة الإعدادية في مادة أصول الدين، وتقليص عدد الصفحات إلى 25 تقريبا بعد أن كان كل فرع مستقلا بذاته كمادة.

4 ـ تقديم مناهج العلوم للظواهر الطبيعية على أساس أنها تخضع لأسباب مادية يمكن قياسها، بعد أن كان الأمر في المناهج السابقة يحاول أن يجد لها مبررات دينية من خلال تفاسير لبعض الآيات القرآنية والأحاديث وآراء الفقهاء القدامى.

5 ـ خضوع كثير من الدراسات الإنسانية للرؤى العلمية المتداولة في المدراس والجامعات المدنية، متخففة أحيانا، ومتخلصة أحيانا، من حمولات النهج الذي تم تحت لافتة "إسلامية المعرفة"، والذي حاول أن يضفي طابعا دينيا إسلاميا على كل المعارف، وكان الأزهر يميل إليه في السابق. كما تم إعادة النظر في المسائل الخاصة بالجهاد، لتعود إلى أصلها وهو "جهاد الدفع" وليس "جهاد الطلب" الذي اعتمد عليه المتطرفون في تبرير الهجوم والإغارة على مخالفيهم، أفرادا كانوا أو جماعات أو حتى دولا.

لكن بدا ما أقدم عليه الأزهر غير كافٍ، ليس فقط في نظر النخبة المدنية المثقفة، ولا السلطة السياسية، إنما في رأي جهات دينية أخرى، مثل وزارة الأوقاف، التي دخلت، هي ودار الإفتاء، في خلاف مع أطراف في الأزهر هو مسألة "تجديد الخطاب الديني".

وهناك من طالب الرئيس بأن يتخذ ما لديه من صلاحيات في تغيير التركيبة العليا للسلطة الأزهرية، حتى تلين في مواجهة المطالبة بالتغيير. وقد أصدر الرئيس بالفعل قرارا في 29 ديسمبر 2015 بتعيين ثلاثة من الأساتذة أعضاء بهيئة كبار العلماء بالأزهر، اثنان منهم متخصصان في العقيدة والفلسفة وهما عبدالعزيز سيف النصر عبدالعزيز مفتاح، ومحمد ربيع محمد الجوهري، والثالث متخصص في التاريخ والحضارة وهو عبدالشافي عبداللطيف عبدالشافي.

لكن هذه الإجراءات لم تحقق كل ما يريده الرئيس، ولا بعض المثقفين من الأزهر، في الوقت نفسه فإن الأزهر مقيد في قراره وتوجهه بتوازنات القوة داخله، وبشبكة علاقاته وارتباطاته برؤى ومسارات دينية خارج مصر، وبتقليده التاريخي في الحفاظ على التعددية بقدر الإمكان.

وفي الاحتفال بالمولد النبوي في 8 ديسمبر 2016 قال السيسي: "أنا أعرف دور الأزهر جيدا، وأحب الإمام الأكبر الشيخ الطيب. الناس ينظرون إلى الأزهر في العالم كله، ويقولون إنه القلعة المستنيرة التي يجب أن تحيي صحيح الدين"، لكن هذا لم يمنعه من أن يعيد تحميل الأزهريين مسؤولية تجديد الخطاب الديني والتصدي للتطرف والإرهاب، فقال لهم: "ما أقوله لكم هو غضبة في الله، لا يليق أن نقدم الله بالطريقة التي يقدم بها للناس. ويكون الخراب والدمار والقتل هو نصر لربنا. لن يقوم بناء على الهدم والقتل والتدمير".

في حقيقة الأمر، لا مجال للحديث عن إصلاح ديني دون خمسة شروط، أولها أن نقر بأن الإيمان مسألة فردية، لا دخل لأحد فيها، سواء كان عالم دين أم غيره، وأن نعتبر العقل مكملا لمسار الوحي، وليس خصيما له، ولا نكتفي بمجرد التلفيق بين الأول والثاني، كما يفعل الوعاظ حاليا، وأن نلتفت إلى الجوانب الأخلاقية، ونراها هي جوهر الدين، وليست الطقوس، ونهتم بالإصلاح الاجتماعي، وأن يكون الدين رافعة له، وليس خصما منه، وأن نميز بشكل واضح لا لبس فيه بين الدين والسلطة السياسية التي يجب أن تكون مدنية، والسيادة فيها للناس، والتشريعات للمؤسسات التي يختارونها.

ونكمل الأسبوع المقبل إن شاء الله تعالى.

إعلان

إعلان

إعلان