الحاكم والصحفي: دائرة الصراع والتلاقي!

الحاكم والصحفي: دائرة الصراع والتلاقي!

محمد حسن الألفي
09:00 م الثلاثاء 18 ديسمبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

ماذا يريد الحاكم من الصحافة ومن الإعلام بمفهومه الأوسع؟

وماذا يريد الصحفي والإعلامي من الحاكم؟

في وقت لا يتأخر فيه الرئيس السيسي لحظة عن إبداء استيائه من الإعلام ومن الصحافة، وفي وقت لا يكف فيه الإعلاميون والصحفيون من باب أولى عن النّواح ولطم الخدود؛ بكاءً على سياسات التقييد، والتحريم والمنع، يصبح السؤال المنطقي: كيف يشكو الاثنان وأحدهما فاعل والآخر مفعول به؟

كيف يردد الحاكم أنه غير راض، وهو من وضع في الإعلام وفي الصحافة الأشخاص أنفسهم الذين هم بأدائهم موضع سخطه وعدم ارتياحه؟

ثم كيف يشكو الإعلاميون والصحفيون، وهم لم يتأهلوا بالقدر الكافي لملء فراغ مناصبهم، وجعلهم أدائهم المتهافت خارج دائرة احترام السلطة، فلا صنعوا لأنفسهم هيبة، ولا صاغوا رأيًا عامًا فاهمًا وواعيًا ومتابعًا، ولا وجهوا نقدًا رشيدًا قويًا يجبر الحاكم على احترام منطقهم ورؤاهم؟

يعتقدون أن النفاق هو المطلوب. ويعتقد الحاكم أن حسن الفهم وتقدير الموقف واعتبارات الضغوط هي المطلوبة !

عن جدلية الصراع الأبدي بين السلطة والقلم والكاميرات، يأتي كتاب في غاية الأهمية للدكتور السيد بهنسي، أستاذ الإعلام بجامعة عين شمس، ليس فقط لمحتواه العلمي الغني، بل أيضا لمواكبته "قضية- أزمة" يعيشها الحاكم، ويعيشها الإعلام في مصر معا. كما تعيشها أنظمة الحكم في أمريكا/ ترامب، وفي فرنسا/ ماكرون، وفي بريطانيا/ تيريزا ماي. كلاهما- الأنظمة والإعلام- غير راضٍ عن الآخر.

الكتاب صدر هذا العام بعنوان كاشف هو "صراع المعايير بين صانعي القرار والإعلاميين".

أهمية الكتاب أنه تطبيقي مائة في المائة، فهو يطرح فرضيته الإعلامية، ويحققها ويبرهن عليها، من خلال الأحداث العالمية، كما رواها، وسجلها قادتها وأصحابها، فتأتي حية، وكاشفة ومؤكدة صعوبة التلاقي عادة بين الإعلاميين وصانعِ قرارٍ مضغوطٍ بالسرية والاعتبارات المحلية والدولية أو بالتوقيت، أو بالكراهية الفطرية لوسائل الإعلام؛ إذ يراها بلا جدوى في توصيل أفكاره، وليس لها من حقوق في تنوير الرأي العام.

في هذا السياق العام، أنت تقرأ عشرات الكتب والمذكرات لقادة سياسيين وإعلاميين تركوا وراءهم كنوزا من المواقف التي جسدت لعبة القط والفأر بين حكام بلادهم وبين رؤساء المحطات الفضائية ورؤساء التحرير، وأهم من هؤلاء جميعًا، ضغوط التنافس، وضغوط التوقيت وضغوط احتياج القارئ نفسه للمعرفة.

ستقرأ لتوني بلير، وإريك أوران، وجورج بوش الأب، وأحمد أبوالغيط، وكونداليزا رايس، وهيكل، وتشومسكي، وبوب وودوارد، وبطرس غالي، وعشرات غيرهم أخذ عنهم ومنهم الكاتب، وحلل، وبرهن على جدلية الصرع الدائم بين السلطة والحق في المعرفة، والمحاسبة.

لا تبدو المعالجة العلمية للمادة الصحفية والإعلامية في كتاب الدكتور السيد بهنسي متعالية عن محيطها المصري أو العربي، ولا هي منعزلة عنه، بل هي في القلب منه، وهي بأسلوبها العلمي الصحفي (قد جمع بينهما بسلاسة ودفء مهني في الكتابة).

يلتمس الكاتب للطرفين (الحاكم والصحفي) الأعذار؛ فالسلطة لا تزال، حتى في أمريكا/ ترامب غير قادرة على قبول فكرة مناطحتها والندية مع القرار السياسي، وهي أيضا لم تستوعب أن الصحفي والإعلامي لم يعد جامعًا للمعلومات وناقلًا لها، بل هو شريك بما له من تأثير وفعالية، وجمهوره هو ذاته أدوات ضغطه على القرار وصانعه.

ومن ناحية أخرى، لا يضع الإعلامي ولا الصحفي في اعتباره نوعًا الضغوط التي تأخذ بخناق صانع القرار، من توقيت ومن خصومة المعارضة في الداخل وفي الخارج، ومن التمويل، ومن سطوة الرؤية الخاصة للحاكم على تصرفاته، ومن قوة أو ضعف شخصيته.

إلى أي حد يعتقد الحاكم أن الصحفي مهمته ووظيفته أن يعبر عنه وحده، ويمرر للناس ما يراه هو وحده؟!

كيف يولد الطغاة من إسكات المعارضة؟

لا تزال صفحات الكتاب تنطوي على الكثير المثير الذي يهم الرئيس، أي رئيس، والقارئ، صحفيا أو من عموم الجمهور. نواصل الأسبوع القادم.

إعلان

إعلان

إعلان