إعلان

من حملة نابليون إلى "وصف مصر".. كيف وثق الفرنسيون الحضارة المصرية؟

كتب : محمد لطفي

08:00 ص 13/05/2026

هل تقترب مصر من استعادة آثارها المنهوبة؟

تابعنا على

تجدد الأمل في استعادة عدد كبير من الآثار المصرية من فرنسا، بعد إقرار البرلمان الفرنسي بشكل نهائي قانونًا جديدًا يُسهِّل إعادة الممتلكات الأثرية والفنية المنهوبة خلال الحقبة الاستعمارية، وهو ما أثار اهتمامًا واسعًا باعتباره خطوة تعكس مساعي باريس لإعادة صياغة علاقتها بالقارة الإفريقية.

يأتي ذلك بعد نحو 9 سنوات على طرح الفكرة لأول مرة، فيما تعتبره الحكومة الفرنسية مدخلًا "لفتح صفحة جديدة" مع إفريقيا وتعزيز مسار المصالحة التاريخية.

وفيما يلي نستعرض الجهود العلمية للحملة الفرنسية على مصر (1798 - 1801)، التي لم تكن مجرد مغامرة عسكرية، بل حملة علمية بامتياز.

فإلى جانب جنوده، اصطحب نابليون بونابرت نحو 150 عالمًا وفنانًا، من بينهم مهندسون ومعماريون وفنانون وعلماء طبيعة.

وكان الهدف المعلن هو "تحرير" مصر من حكم المماليك، لكن الهدف الخفي كان علميًا واستراتيجيًا، يتمثل في توثيق حضارة كانت لغزًا للعالم الغربي.

ولم يقتصر دور العلماء الفرنسيين على الرسم والتسجيل فقط، بل كانت مهمتهم شاملة، تضمنت دراسة الآثار وجغرافية مصر وتاريخها الطبيعي.

وعندما عاد العلماء إلى فرنسا، أمضوا أكثر من 20 عامًا في تجميع مشاهداتهم، لتخرج إلى النور موسوعة "وصف مصر" (Description de l'Égypte)، وهي موسوعة ضخمة تجاوزت 23 مجلدًا، ووصفت بأنها واحدة من أعظم إنجازات النشر الفرنسي على الإطلاق.

أبرز العلماء والجهود الميدانية في الحملة الفرنسية

لم ينتظر العلماء العودة إلى باريس لبدء العمل، بل باشروا توثيق الآثار وسط رمال الصعيد، رغم الظروف العسكرية الصعبة، ومن أبرزهم دومينيك فيفان دنون (Dominique Vivant Denon).

ويُعتبر دنون "عراب" علم المصريات، وكان فنانًا وكاتبًا رافق الجنود الفرنسيين على طول نهر النيل. وخلال رحلته، دوّن وصفًا دقيقًا ورسومًا تفصيلية للمعابد، خاصة بعدما شاهد روعة معابد الأقصر والكرنك، وهو ما وصفه بأن الجيش بأكمله "ذهل وصفق بحماس".

وعاد دنون إلى فرنسا مع نابليون، ونشر كتابه "رحلة في مصر السفلى والعليا" عام 1802، الذي أشعل ما عُرف بـ"الجنون المصري" في أوروبا.

مهندسو الآثار: جولي وديفيليه

بينما كان المهندس العسكري الرئيسي بيير سيمون جيرارد يريدهم أن يرسموا خنادق الري، أصرّ المهندسان الشابان هنري جولي وجولوا ديفيليه على تسجيل المعابد.

وقد أنجزا أول مسح طبوغرافي كامل لمنطقة دندرة، كما أعدّا رسومات دقيقة للأسقف والجدران، محاولَين "إعادة بناء" المجد القديم للمعابد كما كانت تبدو عليه.

وفي سبتمبر 1799، عزز نابليون الفريق بإرسال لجنة متخصصة ضمت مهندسين بارزين، مثل إدمي جومار، وجان باتيست لوبير، والمعماري تشارلز لويس بالزاك.

وتميز جراتيان لوبير برسوماته الترميمية الرائعة، وأشهرها تصويره لصالة الأعمدة في معبد فيلة بالألوان.

ورغم الإخفاق العسكري واستيلاء البريطانيين على العديد من القطع الأثرية، مثل حجر رشيد، نجح العلماء في الحفاظ على "الذاكرة" المصرية.

فمن خلال الرسومات الدقيقة التي أعدوها، تمكن العالم الفرنسي شامبليون لاحقًا من فك رموز اللغة الهيروغليفية عام 1824، ما أدى إلى ولادة علم المصريات الحديث.

وكانت حملة نابليون لحظة فارقة؛ إذ انتقلت مصر من عالم الأساطير إلى عالم العلم، وافتُتح أول متحف مصري في متحف اللوفر عام 1827 كنتيجة مباشرة لهذا الحماس العلمي.

ولم ينتصر الفرنسيون في المعركة، لكنهم انتصروا في توثيق التاريخ.

ويُعد الإصدار الأول من كتاب "وصف مصر"، المكوَّن من 34 مجلدًا، واحدًا من أعظم إنجازات النشر الفرنسي، ويمثل ذروة واحدة من أكثر الدراسات الأكاديمية طموحًا وأهمية في التاريخ الحديث.

وتعود جذور هذه المجموعة الاستثنائية، التي تضم 844 لوحة محفورة بالغة الدقة، إلى حملة نابليون على مصر.

فبالإضافة إلى أهدافه العسكرية، استغل نابليون تلك الحملة بأسلوب غير مسبوق لإطلاق أول بعثة علمية شاملة تهدف إلى دراسة مصر القديمة والحديثة على حد سواء.

ولهذا الغرض، اصطحب معه إلى مصر 150 عالمًا لدراسة المنطقة وسكانها بشكل منهجي، وكانت النتيجة النهائية لأبحاثهم المستفيضة كتاب "وصف مصر".

واستغرق إنجاز هذه المجلدات المفصلة أكثر من 20 عامًا، ولا تزال حتى اليوم من أكثر الآثار العلمية إثارة للإعجاب والتأثير في مسيرة البحث العلمي.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان