إعلان

معرض الكتاب.. مثقفون: «الشخصية المصرية» ماسة حضارية صاغها التاريخ والأدب والدين

كتب : مصراوي

07:17 م 23/01/2026

تابعنا على

كتب- محمد لطفي:

شهدت قاعة الندوات المتخصصة ندوة مؤسسة «معًا للإعلام والثقافة» بعنوان «الشخصية المصرية.. بذورها الثقافية وتحولاتها المعاصرة»، بحضور كل من الدكتور جمال شقرة، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، والدكتور زين عبد الهادي، المشرف العام على مكتبات مدينة الثقافة والفنون، والكاتب محمد مندور، والدكتور عمرو سليمان سليمان، أستاذ الطب النفسي، وأدارت الندوة الإعلامية والمخرجة يسر فلوكس.

ومن جانبه، قال الدكتور جمال شقرة: إن المصري حين يكون خارج بلاده يُعرف فورًا بأنه مصري، «ابن الحضارة مرسومة على وجوهكم».

وأضاف شقرة أنه في إندونيسيا، وخلال ندوات عديدة في فيتنام، حظي بتكريم من دول الشرق الأوسط فقط لأنه ابن مصر.

وأشار شقرة إلى أن المشكلة تكمن في أننا بين الحين والآخر نطرح سؤالًا يبدو غريبًا: من نحن؟ وكأننا لا نعرف هويتنا، مؤكدًا أن معرض الكتاب يعيد التأكيد على أننا مصريون، وأن جينات هذه الأرض وُضعت فينا منذ آلاف السنين، وأن حدود هذه البلاد عبر تاريخها كانت دائمًا درعًا لحماية الأمن القومي المصري.

وأوضح شقرة أن مصر عبر تاريخها لعبت أدوارًا دبلوماسية وسياسية محورية، فكانت إما دولة قائدة نشطة ومؤثرة في الإقليم والعالم، أو دولة ذات ثقل استثنائي داخل الإمبراطوريات الكبرى، مشيرًا إلى أنها وُصفت في التاريخ الإسلامي بـ«الولاية العصية»، وقيل عنها في زمن الحروب الصليبية «رأس الأفعى» وغيرها.

وتساءل شقرة: من نكون؟ مجيبًا بأن مصر «ماسة أو سبيكة نادرة»، تكونت عبر تاريخ طويل، ومنحت أبناءها ملامح وقيمًا متعددة تشكلت خلال رحلة حضارية عظيمة، توارثتها الأجيال حتى يومنا هذا.

وفي السياق ذاته، قال الدكتور زين عبد الهادي إن نجيب محفوظ يمكن اعتباره أحد أنهار مصر، مؤكدًا أنه سيتناول في حديثه طه حسين من منظور فكري، من خلال مقارنة ما أنتجه طه حسين بما قدمه نجيب محفوظ.

وأوضح زين عبد الهادي أن طه حسين كان حامل لواء التنوير في مصر، وأن مشروعه الفكري كان موجهًا إلى المجتمع بأكمله، حيث تحدث عن مستقبل التعليم، وتنمية المصريين، وانتماء مصر إلى حضارة البحر المتوسط، وعلاقتها بأوروبا، وتعريب التعليم، وغيرها من القضايا الكبرى.

وأشار إلى أن طه حسين كان يمتلك برنامجًا متكاملًا للنهوض بالشخصية المصرية، يرتكز على تصور نظري للحضارة والهوية.

في المقابل، أوضح أن نجيب محفوظ، وعلى عكس طه حسين، لم يقدم برنامجًا فكريًا مباشرًا، بل عبّر عن السر الأدبي للشخصية المصرية من خلال رواياته التي تناولت المجتمع المصري، وركزت بشكل خاص على الطبقة المتوسطة، معتبرًا أن محفوظ قدّم مصر من داخلها، بينما كان طه حسين باحثًا عن مصر ككل من منظور فكري شامل.

وأضاف عبدالهادي أن وجهة نظر طه حسين تقوم على تقديم برنامج نظري للنهوض لا يمكن تحقيقه إلا بعد تفكيك الشخصية المصرية، بينما يجيب نجيب محفوظ عن سؤال: من هي الشخصية المصرية؟ من خلال الأدب، وهو ما يجعل الأدب أطلسًا حيًا للشخصية المصرية ودوره في تشكيل الهوية.

وأشار عبدالهادي إلى أن هذا يطرح تساؤلات جوهرية: هل الشخصية المصرية ثابتة أم متحركة؟ مغلقة أم منفتحة؟ مؤكدًا أن أعظم صفات المصريين هي القدرة على التوافق والتكيف، وهي السمة التي مكنت الشخصية المصرية من امتصاص الصدمات التي تعرضت لها عبر التاريخ، وهو ما جسده نجيب محفوظ بوضوح في أعماله الروائية.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن نجيب محفوظ ظل يعمل عبر الأدب على تفكيك الشخصية المصرية وتحليلها، على عكس طه حسين الذي قدم تصورًا فكريًا تنظيريًا لها.

وفي السياق ذاته، قال الكاتب محمد مندور إن كتابه «ديانة القاهرة» يبحر في عمق الشخصية المصرية، كاشفًا عن مكوناتها الدينية التي تُعد مؤثرًا أساسيًا في العقل والوجدان، مؤكدًا أن هذا هو المعنى الحقيقي للثقافة، إذ إن الدين جزء أصيل ومكون أساسي من الشخصية المصرية.

وأضاف مندور أنه كان يتساءل دائمًا: لماذا حين ندخل مسجدًا أو كنيسة، أو نقرأ القرآن أو الإنجيل، نشعر بدرجة كبيرة من التشابه؟ موضحًا أنه عندما نغوص في القاهرة، ويقصد بها مصر كلها، نجد أن الفارق الحقيقي يكمن في الآيات القرآنية أو الصلبان أو نصوص الإنجيل، بينما يظل الصانع واحدًا، فالصانع هو المصري.

وأشار مندور إلى أن زخرفة المصحف وصناعة الإنجيل كلاهما نتاج للروح المصرية، في عملية «تمصير» واضحة لكل ما يدخل مصر، مستشهدًا برؤية المفكر جمال حمدان في كتابه «وصف مصر»، وهيرودوت الذي وصف مصر بأنها «هبة النيل»، مؤكدًا أن الشخصية المصرية شخصية تراكمية تشكلت عبر التاريخ، وأن كل غازٍ أو حاكم دخل مصر ترك بصمته، لكنه في النهاية تمصر وذاب في نسيجها، ليصبح النهر الثالث هو نهر الشخصية المصرية نفسها.

وتساءل مندور: لماذا نحب هذه الشخصية رغم كل التحديات التي تمر بها؟ مجيبًا بأن تفردها واختلافها وقدرتها على الاستيعاب هي سر هذا الارتباط العميق بها.

وانتقل مندور للحديث عن فيلمه «ذاكرة المدينة»، قائلًا إن الحكاية تسكن الشوارع والأحياء، وإن لكل مدينة تاريخًا حيًا، مشيرًا إلى تعاونه مع وزارة الثقافة في فيلم ضمن أحد المشروعات المعنية بالمدن والذاكرة العمرانية.

وأكد محمد مندور أن همه الأساسي في هذا الفيلم كان التعبير عن الشخصية المصرية، وإبراز أن الشوارع لها تاريخ، وأن حتى أدق التفاصيل تحمل أهمية كبرى في تشكيل الوعي الثقافي والتاريخي.

كما تساءل الدكتور عمرو سليمان: «أين كنا وكيف أصبحنا؟»، معتبرًا أن هذا السؤال يظل حاضرًا لديه دائمًا، ويرتبط بصناعة البشر، وهو ما يلتقي مع علم النفس في تأثيره العميق والدائم على الإنسان.

وأوضح عمرو سليمان أن المصري، حتى وهو يبني الحجر، كان يصنع حضارة، مشيرًا إلى أن الكتل الحجرية التي وُضعت في مساجد المماليك لم تكن مجرد بناء، بل كانت تعبيرًا عن وعي معماري وفكري متكامل.

وأضاف عمرو سليمان أن الدولة المملوكية، حين أرست أسسها العمرانية، اختارت طرازًا معماريًا مصريًا خالصًا، ليصبح واقعًا يعبر عن الدولة والمجتمع، مؤكدًا أن المعمار المصري كان له تأثير شامل، ولم يكن مجرد شكل أو زخرفة.

وأشار سليمان إلى أن أي قوة أو حضارة عظيمة لم تبلغ ذروة تأثيرها إلا بعد مرورها بالقاهرة، وحتى القوى الحديثة مثل فرنسا وإنجلترا مرت بمصر أثناء طريقها إلى الهند، معتبرًا أن مصر كانت، ولا تزال، ناقلة للحضارة بامتياز، دون أن تفقد هويتها أو تذوب في غيرها.

وأضاف سليمان أن مشروع الشخصية المصرية قائم على هذا الامتداد، مشيرًا إلى أن طه حسين، ونجيب محفوظ، والعقاد، وعلي باشا إبراهيم، وغيرهم، يمثلون نماذج متفردة صنعت هذا التميز.

واختتم سليمان حديثه بالتأكيد على أن من يبحث عن فكرة الشخصية المصرية، عليه أن يراها في قدرتها على التعامل مع الزمن، وفي وعيها بالتاريخ، وفي استمرار عطائها رغم كل التحولات.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان