ارتفاع أسعار الأضاحي يسبق الزبائن إلى الأسواق.. والركود سيد الموقف (صور وفيديو)
كتب : إبراهيم الهادي عيسى
-
عرض 15 صورة
-
عرض 15 صورة
-
عرض 15 صورة
-
عرض 15 صورة
-
عرض 15 صورة
-
عرض 15 صورة
-
عرض 15 صورة
-
عرض 15 صورة
-
عرض 15 صورة
-
عرض 15 صورة
-
عرض 15 صورة
-
عرض 15 صورة
-
عرض 15 صورة
-
عرض 15 صورة
-
عرض 15 صورة
تصوير: محمد معروف
"سوق عيد الأضحى السنة دي أسوأ من كل سنة".. هكذا بدأ محمد كلامه مع "مصراوي" أثناء لقائه بسوق برطس للمواشي التي لم يتغيب عنها منذ سنوات بعيدة، ويضيف: "الأجرة اللي كنت بدفعها 800 جنيه بقت 1500".
ليل كل أربعاء، يضع محمد ناجي مواشيه بسيارة أجرة وينطلق من بلدته التابعة لبني سويف إلى سوق بشمالي الجيزة، ليعرض حيواناته على التجار صبيحة الخميس، بينما يبحث وجيه عن "حتت أضاحي"، كوصفه، لزبائنه بالمنوفية، في ظل ركود ظاهر تعانيها السوق رغم دخول موسم عيد الأضحى.
ومن المنيل جاء المهندس محمود محمد، الذي اعتاد قبل 3 سنوات على الأضحية بعجل كامل دون شريك، ولكنه بدأ الشراكة منذ 2024 بالنصف ثم بالربع في 2025، وانتهى حاله بالموسم الحالي بقرار شراء خروف واصطحابه بخزانة سيارته وإيداعه لدى الجزار حتى العيد.
"مصراوي" أجرت جولة بسوق الأبعدية الشهير ببرطس منذ بدء حركته بعد فجر الخميس 14 مايو الحالي وحتى انفضاضها فيما بعد العاشرة صباحًا.. آراء شتى، تتفق على أن الماضي أشد رخاء من الواقع.
تحدث "مصراوي" إلى 43 تاجرًا ومشاركًا بسوق برطس، وحسب تحليل بيانات خطاباتهم، فإن نحو 44% يرون أن السوق تعاني ركودًا واضحًا، فيما يرجع 33% الأزمة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، بينما يربط 16% التراجع بانخفاض القدرة الشرائية، في حين أبدى 7% فقط رؤية متفائلة.
لماذا الأمس أفضل من عيد الأضحى القادم؟
محمد الغنام (تاجر مواشٍ من القناطر الخيرية)، يقول لـ"مصراوي" إن سوق الأضاحي للعام الحالي تشهد ارتفاع أسعار صاخب مقارنة بـ2025، حسب وصفه، بينما تعاني ضعف القدرة الشرائية وتراجع حركة البيع.
محمد الغنام يخالفه عبد الفضيل (تاجر مواشٍ من أوسيم)، إذ يرى الأخير أن السوق تشهد نشاطًا ملحوظًا خلال الأسبوعين الحاليين مع اقتراب العيد، رغم استمرار الغلاء وارتفاع تكاليف التربية والأعلاف، حسبما قال لـ"مصراوي".
ويفسر عبد الفضيل أن حركة البيع عادة ما تكون "باردة" أغلب شهور السنة، حسب وصفه، لكن موسم الأضحى أنعش السوق نسبيًا، مشيرًا إلى أن إقبال الزبائن للعام الحالي أفضل من الماضي بنحو 30%.
لم يخلُ رأي عبد الفضيل من تفنيد، إذ رد عليه وجيه (تاجر من المنوفية) بأن سوق الأضاحي للعام الحالي تعاني ضعف إقبال واضح من القاهرة أو المحافظات، مرجعًا ذلك لارتفاع أسعار الأعلاف وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
"الفلاح نفسه بقى متضرر من الغلا، والمضحي بيلاقي صعوبة في تدبير تكلفة الأضحية.. الناس عايشة بالعافية" يقول وجيه لـ"مصراوي"، مشيرًا إلى احتمالات حدوث ركود سوقي إذا استمر ضعف الطلب خلال الأسابيع المقبلة.
ويشير إلى أن زيادة المعروض مقابل قلة المشترين قد تدفع الأسعار للتراجع، موضحًا أن الأضحية التي تصل لـ60 ألف جنيه قد تهبط لـ40-45 ألف جنيه حال استمرار الركود، في ظل عدد الزبائن المحدود بالموسم الحالي.
ورغم الأسعار المرتفعة للأضاحي، ولكن مصر تستورد سنويًا بملايين دولارية آلافًا من رؤوس الماشية والأغنام والماعز، حسب بيانات الأمم المتحدة للتجارة، إذ استوردت في 2025 بنحو 421 مليون دولار.
أسعار لمن استطاع إليها سبيلًا
عبد الفضيل يقول إن متوسط سعر كيلوجرام العجول البقري يدور حول 220 جنيهًا، بينما يسجل الجاموسي نحو 170 جنيهًا للكيلو، والأخيرة نفس مستويات سعر الجمال، بينما تتراوح الماعز بين 200 و250 جنيهًا للكيلو حسب حالة الحيوان وجودة التغذية.
وذكر أن أسعار الغنم تتراوح بين 200 و220 جنيهًا للكيلو، مشيرًا إلى إلى أن بعض اللحوم الرخيصة قد تكون ذبائح أقل جودة أو مصابة، ما يفسر فارق السعر.
بخلاف عبد الفضيل، يقول المنجي (تاجر أغنام بأرض اللواء)، إن سعر كيلو الغنم البلدي الأكثر دسامة لا يتجاوز 200 جنيه، بينما يصل سعر "البرقي" الخفيف الأقل دهنًا لنحو 230 جنيهًا للكيلوجرام.
ويضيف لـ"مصراوي" أن أسعار العجول تدور حول 200 جنيه للكيلو القائم، واصفًا الفروق السعرية بين الموسم الحالي والماضي بـ"زيادات محدودة" لارتفاع تكاليف النقل فقط، حسب قوله.
عبد الفضيل يناقضه عبد المقصود حلمي (تاجر مواشٍ من المنوفية)، إذ يقيم الأخير حجته بأن أسعار الأضاحي ارتفت مقارنة بالموسم الماضي، لزيادة تكاليف الأعلاف وتراجع أوضاع الفلاحين والمربين، حسب حديثه لـ"مصراوي".
ويوضح أن سعر كيلوجرام الماعز للموسم الحالي يدور حول 250 جنيهًا، مقابل 230-240 جنيهًا للعام الماضي، فيما تسجل أسعار الجاموس ما بين 160 و165 جنيهًا للكيلو، بينما تتراوح أسعار العجول البقري بين 190 و210 جنيهات حسب التغذية.
بيبو الغنام (تاجر أغنام من أرض اللواء)، يقول إن أسعار الغنم للموسم الحالي تبدأ من 220 جنيهًا للكيلو، بينما تُباع "الأنثى" بسعر 180 جنيهًا للكيلو.
وعند مواجهته بكلام المنجي بأن سعر الغنم لا تتجاوز 200 جنيهًا للكيلوجرام، أجاب: "أي سعر أقل من 220 بيبقى فيه لعب أو ضحك على الزبون".
عبد المقصود يلفت إلى أن تراجع أوضاع الزراعة خلال العامين الأخيرين أضعف سيولة المزارعين، معتبرًا أن الأضحية للعام الحالي ارتبطت بالمقتدرين فقط أو بأصحاب نية الشراء رغم أي ظروف.
زبائن عيد الأضحى في خبر كان
ورغم عدم وجود إحصاء رسمي لجميع الأضاحي بمصر سنويًا، تشير تقديرات دراسة "The impact of religious festival on roadside livestock traders in urban and peri-urban areas of Yogyakarta, Indonesia" إلى أن ما بين مليون إلى 1.4 مليون حيوان يُذبح سنويًا في عيد الأضحى بمصر، شاملة الأبقار والجاموس والأغنام والماعز.
ومن المؤكد أن التعداد الذي قدرته الدراسة المنشورة في 2019 بمجلة "Veterinary World" قد انخفض كثيرًا بسبب الضغوط الاقتصادية التي حوّلت أيادٍ عليا إلى سفلى، ومن ثم قلّ العدد بعد مرور نحو 6 سنوات.
سامح يوسف (تاجر مواشٍ من بولاق أبوالعلا)، يقول إن السوق تمر بركود واضح مع استمرار ارتفاع الأسعار، واصفًا حركة البيع والشراء بـ"ضعيفة" مقارنة بالموسم الماضي، في ظل أسعار "البقري" التي وصل الكيلوجرام منها إلى 200 جنيه، بينما يتراوح "الجاموسي" بين 170 و175 جنيهًا، والغنم لنحو 230 جنيهًا.
يتساءل يوسف: "فين الزبون اللي هيشتري عجل بـ200 جنيه قايم؟!"، واصفًا معاناة السوق بـ"وقف الحال" منذ نحو شهر ونصف، موضحًا أن نسبة الزبائن الحقيقيين لا تتجاوز 20%، مقارنة بمواسم سابقة، ويضيف: "الناس تعبانة والحاجة كلها بتغلى".
"البهيمة بقت بتصرف"، بهذه الجملة علق عادل أبو رزق (تاجر المواشي والغلال من أشمون) على كلام يوسف، ولكنه يرى أن حركة البيع بالسوق حاليًا تبدو أفضل نسبيًا مقارنة بالموسم الماضي، رغم أسعار الأعلاف التي دفعت أسعار المواشي للارتفاع من 12 ألف جنيه إلى 18-19 ألف جنيه للطن.
يضيف أبو رزق أن التاجر لا يستطيع البيع بأسعار قديمة في ظل ارتفاع تكلفة التربية، "اللي يشتري علف غالي لازم يبيع غالي" كما يقول، مشيرًا إلى أن العلف هو المحرك الأساسي لأسعار السوق، إذ ارتفعت العجول البقري من 160 جنيهًا العام الماضي إلى 190 جنيهًا للموسم الحالي، بينما يدور سعر الجاموسي حول 160 جنيهًا للكيلوجرام.
أبو رزق يجزم بأن نسبة المشترين الحقيقيين بالسوق نحو 10%-12% فقط من إجمالي المتواجدين بـ"برطس"، بينما يسيطر التجار على أغلب تعاملات السوق.
التجار على فيض الكريم
حسن العسكري (تاجر مواشٍ من القليوبية) يقول لـ"مصراوي": "التجار مش بيغلّوا بمزاجهم"، مشيرًا إلى أن طن "الكُسب" ارتفع من نحو 12-13 ألف جنيه للعام الماضي إلى 17-18 ألف جنيه، كما صعدت "الردّة" من 10 آلاف إلى 14 ألف جنيه، بينما تضاعف سعر طن التبن من 3 آلاف جنيه إلى 6-6.5 آلاف جنيه.
ويضيف أن الرعاية البيطرية أصبحت أكثر تكلفة، موضحًا أن الجرعات العلاجية والوقائية ارتفعت حاليًا إلى 500 و600 جنيه للجرعة المستورد، بعدما كانت تكلف بين 100 و200 جنيه للعجل الواحد.
ويستطرد العسكري أن العامل كان يحصل مسبقًا على 700 جنيه أسبوعيًا ولكنه بات يتقاضى 1500 جنيه، فضلًا عن ارتفاع أسعار الكهرباء والمياه والخدمات بالمزارع، ما أضعف هامش الربح لدى التجار، معتبرًا أن 2018 كان من آخر الأعوام التي شهدت استقرار سوق المواشي قبل موجات الغلاء المتتالية.
وعلى إثره، يقول أبو رزق إن تكلفة تربية العجل الواحد قد تستهلك نحو 300 جنيه يوميًا للإعاشة والتغذية، بينما يقول محمد الغنام إن شيكارة العلف ارتفعت من 500 جنيه إلى 800-900 جنيه، كما زادت أسعار "الدشيشة" من 350 جنيهًا إلى 450-500 جنيه.
عبد الفضيل يقول إنه يمتلك 10 عجول كبيرة تستهلك يوميًا أعلافًا بنحو 5 آلاف جنيه، بينما ترتفع التكلفة الإجمالية بعد احتساب المياه والكهرباء والعمالة والخدمة إلى 650 جنيهًا يوميًا للعجل الواحد.
محمد (تاجر مواشٍ من بني سويف)، يقول لـ"مصراوي" إن سعر التبن ارتفع إلى 2400 جنيه، إضافة لأسعار الردة والعلف، ما ينعكس مباشرة على التكلفة النهائية للحيوان، إضافة لأعباء الإيجار والزراعة والتغذية والنقل والرعاية.
أما عبد المقصود فيجزم بأن أسعار الأعلاف تلتهم أي مكاسب محتملة، إذ إن سعر الطن للعام الماضي كان 15 ألف جنيه، بينما ارتفع حاليًا إلى نحو 25 ألف جنيه.
التشبث بأهداب اللاشيء
سامح يوسف يقول إن التجار يواصلون عملهم رغم ضعف السوق لتجنب الخسائر الكاملة، موضحًا أن بعضهم يعتمد على بيع أعداد محدودة أو التعامل مع الجزارين لتغطية المصروفات اليومية فقط، مشيرًا إلى أن التاجر والفلاح يحاولان الاستمرار "ببركة الله" أملًا في استمرار النشاط وعدم الخروج من السوق.
أما وجيه (تاجر مواشٍ من المنوفية) فيقول لـ"مصراوي" إن الجاموسة التي قد تُباع في المنوفية بـ80 ألف جنيه يمكن أن يصل سعرها في سوق برطس إلى 90 ألف جنيه، وهي إستراتيجية ربحية يلجأ لها تجار الأقاليم حاليًا لتعويض خسائرهم.
يضيف وجيه، أن أرباح الفلاحين والمربين تآكلت بوضوح خلال الفترة الأخيرة، "اللي كان بيكسب 5 بقى ممكن يخسر 5"، كما يقول، بينما يرى جمال (تاجر مواشٍ من بني سويف) أن ركود سوق المواشي يعود إلى سنوات طويلة من التراجع بدأت منذ 2011، حسب حديثه مع "مصراوي".
جمال يشير إلى أن أوضاع التجارة تتراجع عامًا بعد آخر، "كل سنة التجارة بتقل والفلوس بتقل"، حسب قوله، مضيفًا أن التجار يتحملون أعباء النقل والسفر والتغذية والرعاية، ثم قد يواجهون احتمالات البيع بخسارة أو الرجوع بخفي حُنين.
أما عبد المقصود فيشير إلى دورة تربية الأضحية الممتدة إلى عامين، بمصروفات ضخمة وهامش ربح متآكل، لا سيما مع ضعف القدرة الشرائية، "السبوبة هيّ هيّ، لكن التكلفة زادت بشكل كبير" يقول عبد المقصود.
هل يحقق المواطن شعيرة الأضحية؟
أظهرت العينة الميدانية التي تحدث إليها "مصراوي" بسوق برطس للمواشي، أن ارتفاع الأسعار غيّر سلوك شراء الأضاحي بوضوح، إذ اتجه 42% إلى تقليل حجم الأضحية، و28% إلى الشراكة، و23% إلى التحول من العجل إلى الخروف، مقابل 7% فقط حافظوا على نمط الشراء الكامل دون تغيير.
أبو رزق يقول إن ارتفاع أسعار الأضاحي دفع كثيرًا من المواطنين لتقليل حجم الأضحية، مضيفًا: "اللي كان بيجيب نص عجل بقى يجيب ربع"، ويؤيده العسكري: أصبح من المعتاد أن يشترك 4 أو 6 أشخاص في شراء أضحية واحدة بسبب ارتفاع الأسعار".
أما صبري سليمان (تاجر مواشٍ من أوسيم)، يقول لـ"مصراوي" إن البعض أصبح يتجه لشراء الخراف "التي تحتاج ميزانية ليست بالبسيطة أيضًا"، على حد وصفه، موضحًا أن الخروف 60 كيلوجرام قد يصل سعره 13-14 ألف جنيه.
أما محمد الغنام فيقول إن السوق أصبحت تعتمد على إمكانيات الزبون، لافتًا إلى أن الخروف متوسط الوزن قد يصل سعره إلى 10 آلاف جنيه، وهو ما يدفع كثيرين لاختيار أحجام أصغر بما يتناسب وميزانياتهم.
نجح المهندس محمود محمد في اقتناص خروف بعدما "كَربَسَه" التاجر بحقيبة سيارته لقاء 11700 جنيه، بينما نجح وجيه في اقتناء "حتتين" كما سمّاها لشحنها إلى أشمون، ورفض ذكر السعر لـ"مصراوي".
في الحادية عشرة صباحًا، انفضت السوق، ورجع تجار المناطق القريبة لبيتوهم سريعًا بعد مكسب فرحين به أو خسارة ليست بفادحة، بينما يحمل محمد همّ الرجوع إلى بني سويف بعد ليلة قضاها في البحث عن التجارة التي لا يعرف غيرها.