النيابة العامة في قضية "ثأر العمرانية": الدم يتوارث ويشعل القلوب.. والقاتل: لو رجع بيا الزمن هقتله
كتب : رمضان يونس
المستشار علاء فتحي الإسلامبولي
استمعت محكمة جنايات الجيزة، برئاسة المستشار محمود عبد الحميد سليمان، رئيس المحكمة، مرافعة وكيل النائب العام علاء فتحي الإسلامبولي، في القضية المعروفة إعلامًيا بـ "ثأر العمرانية"، المتهم فيها شقيقان بقتل عامل ثأرًا لقتله والدهما في معركة عائلية وقعت في صعيد مصر، قبل نحو 6 سنوات مضت.
وقال وكيل النائب العام علاء فتحي الإسلامبولي، إن كل دليل بالدعوى ركيزة في صرح الحقيقة، وسطر في شهادة الضمير، حتى تكتمل الصورة جلية لا غبار عليها، فيراها القضاء كما تراها العدالة نفسها، كل ذلك جاء مترابطا متعاضداً في إثبات قيام جريمة القتل العمدي مع سبق الإصرار والترصد وتأكيد نسبتها للمتهمين. مؤكدًا أن المتهم الأول أقر بأنه وما أن تلقى نبأ الإفراج عن المجني عليه أعد سلاحًا ناريًا مُسدساً وذخائر، بل تردد مرات على سكن المجني عليه سعيا للخلاص منه، وفي يوم الجريمة أبصر "مينا" وتأكد من هويته، فاستل سلاحه وترجل من سيارته التي أمده بها شقيقه وتسلل خلفه وذخر سلاحه وأطلق رصاصات الغدر التي أودت بحياته.
وأوضح وكيل النائب العام في مرافعته أمام هيئة المحكمة، أن المتهم الأول "ريمون" عندما سُئل عن سبب تواجده بمسرح الواقعة أجاب: "أنا كنت هناك بلف بالعربية علشان أدور على ميلاد واقتله أول ما أشوفه". وأجابت النيابة العامة وهو يستجلي ملابسات الواقعة و الباعث على ارتكابها، فأجاب المتهم الأول نصا: " زي ما ميلاد قتل أبويا أنا لازم أقتله"، مؤكدًا أن "ريمون"، أقر أنه بيت النية وعقد العزم على ذلك القتل المصمم مستشهدًا بنص اعترافه أمام النيابة: "من سنة 2020 وقت ما مات أبويا وأنا بخطط".
وذكر "الإسلامبولي"، أن "ريمون" تتبع "مينا"، منذ الإفراج عنه وسلاحه الناري لا يفارقه، فأجاب نصا: أنا كنت واخد الشنطة بتاعة الطبنجة والذخيرة علشان لو شفت ميلاد أقتله"، موضحًا أن المتهم بعدما فاضت روح المجني عليه أمامه إلى بارئها لم ينتابه لا ندم ولا ألم، فقد تملك الانتقام منه "أنا شعوري إن الدنيا خربت كلها لكن في النهاية أنا أخدت حقي وقتلته ولو رجع بيا الزمن هقتله تاني".
وقال وكيل النائب العام في مرافعته أمام هيئة المحكمة، إن الأركان القانونية لجريمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد قد توافرت، فالجريمة ليست غضبة ساعة بل نية مبيتة وتخطيط دقيق وعداء دفين، مستشهدا بقوله تعالى "وَالَّذِينَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ بِغَيْرِ حَقٍ. فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا"، أي لا يتجاوز حدود القصاص ولا يتخذ الثأر سبيلا إلى العدوان. فكيف بالمتهم الذي تجاوز حدود الله وتجرأ على حرمات الدماء بغير حق ولا سلطان.
واختتم "الإسلامبولي" مرافعته أمام المحكمة، قائلا "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ"، وقال سيدنا عيسى عليه السلام "لا تدينوا لكي لا تدانوا لأن بالدينونة التي بها تدينون تدانون". كلا الكتابين نادى بالرحمة والعدل ونبذ الانتقام والغل، فكيف بإنسان جمع في صدره الحقد والرصاص معا. وإن ما أتاه المتهمان عدوان على حق الله في الحياة، وعلى حق المجتمع في الأمن، وعلى هيبة الدولة في سلطانها، مؤكدًا أن الثأر ليس رصاصة في جسد، بل لعنة في الوعي يبدأ بدمعة وينتهي بدم، ويزرع في القلوب عشب الحقد بدل سنابل السلام.
وذكر الإسلامبولي"، أن ضحايا سلسلة الثأر لا تنتهي، وميراث الدم يتوارثه الأبناء عن الآباء، كأن الأرض لم تشبع من دماء أبنائها. لقد خلق الإنسان ليعمر لا ليدمر، وليكون في الأرض خليفة يقيم العدل لا يقتص بغضب أعمى. إن الثأر لا يعيد ميتا، ولا يبرد قلبا، بل يشعل ألف قلب بالحقد، وألف بيت بالبكاء، فاحكموا حكما يعيد للعقل هيبته، و للقانون سلطانه، و للدم حرمته، وللوطن طمأنينته. مُلتمسًا بتوقيع أقصى العقوبة المقررة على المتهمين جزاء وفاقا لما اقترفت أيديهما.
وبعد المداولة، وسماع مرافعة النيابة العامة والدفاع، قضت محكمة جنايات الجيزة برئاسة المستشار محمود عبد الحميد سليمان، وعضوية المستشارين علي علي الزيات، وأسامة محمد الشاذلي جاد الكريم، وحازم حسين عواض الجيزاوي، وبحضور وكيل النائب العام علاء عاطف الإسلامبولي، معاقبة المتهم الأول "ريمون" بالسجن المؤبد، فيما برأت شقيق "ميخائيل" من اتهام القتل.