تطبيقات الاستثمار والتمويل غير المصرفي.. منافسة للبنوك أم تكامل؟ خبراء يوضحون
كتب : أحمد الخطيب
البنك المركزي المصري
أكد خبراء اقتصاديون ومصرفيون، خلال حديثهم مع "مصراوي"، أن التوسع في التمويل غير المصرفي وتطبيقات الاستثمار الرقمية يمثل تطورًا طبيعيًا داخل السوق المالية المصرية ويدعم الشمول المالي وتنشيط الاقتصاد.
وشددوا في الوقت نفسه على ضرورة إخضاع نشاط الإقراض الاستهلاكي لرقابة صارمة وقواعد دقيقة للجدارة الائتمانية، لتفادي مخاطر التعثر مع تزايد التمويلات الممنوحة للأفراد، مؤكدين أن التكامل بين البنوك وشركات التمويل الاستهلاكي أصبح جزءًا أساسيًا من هيكل السوق المالي في مصر.
جاء ذلك بالتزامن مع تصريحات هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي، بشأن مخاطر التوسع في الإقراض غير المصرفي، وهو ما أعاد الجدل حول نمو التمويل الاستهلاكي وانتشار تطبيقات الاستثمار والتقسيط، وحدود تأثيرها على القطاع المصرفي.
وفي المقابل، أكد مصرفيون وخبراء اقتصاد أن السوق يشهد رقابة متزايدة عبر منظومة "آي سكور" وقواعد الجدارة الائتمانية، معتبرين أن تطبيقات التداول والاستثمار تمثل امتدادًا طبيعيًا لتطور الأسواق المالية وتعزيز الشمول المالي، ما دامت تخضع لضوابط رقابية تمنع التوسع غير المنضبط في التمويل.
وقال مسؤول بأحد بنوك القطاع الخاص، طلب عدم نشر اسمه، إن العلاقة بين البنوك وشركات التمويل الاستهلاكي في مصر تقوم على التكامل وليس التنافس، موضحًا أن كل طرف يعمل في نطاق مختلف يخدم احتياجات متنوعة داخل السوق.
وأضاف، في تصريحات لـ"مصراوي"، أن البنوك تركز بصورة أكبر على تمويل الشركات الكبرى والمتوسطة، إلى جانب التزامها بتوجيه نسبة 25% من محافظها الائتمانية لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة وفق تعليمات البنك المركزي، بينما تتحرك شركات التمويل الاستهلاكي في قطاع التجزئة وتمويل المشتريات الصغيرة والمتوسطة التي قد لا تدخل ضمن أولويات التمويل البنكي المباشر.
وأوضح أن شركات التمويل الاستهلاكي تعتمد في الأساس على تمويلات مصرفية، مشيرًا إلى أن “الأموال التي تقرضها هذه الشركات هي في النهاية أموال بنوك”، حيث تقوم البنوك بضخ السيولة لتلك الشركات التي تعيد بدورها إقراض الأفراد بنظام التقسيط.
وأشار إلى أن البنك المركزي دعم هذا الاتجاه خلال السنوات الأخيرة، بعدما رفع الحدود المسموح بها لتمويل البنوك لشركات التمويل الاستهلاكي لتصل إلى 100% من رأسمال الشركة، مقارنة بالنسبة السابقة البالغة 40%.
وأكد أن نشاط التمويل الاستهلاكي أصبح أحد المحركات المهمة للطلب المحلي، لما له من تأثير على زيادة الإنتاج والتشغيل وفرص العمل، خاصة في قطاعات السيارات والأجهزة المنزلية والسلع المعمرة.
«آي سكور» والذكاء الاصطناعي.. رقابة مشددة على السوق
وأوضح المسؤول المصرفي أن تسجيل شركات التمويل الاستهلاكي ضمن منظومة “آي سكور” والبنك المركزي يمثل ركيزة أساسية لضبط السوق وتعزيز الرقابة، مشيرًا إلى أن البنك المركزي أصدر تعليمات رقابية استباقية خلال عامي 2025 و2026 تلزم البنوك بالتأكد من قيد الشركات الممولة داخل النظام.
وأضاف أن البنك المركزي منح الشركات مهلة لتوفيق أوضاعها، مع وقف التمويل المصرفي عن أي شركة غير ملتزمة بعد انتهاء الفترات المحددة.
وأكد أن وجود الشركة داخل منظومة "آي سكور" أصبح شرطًا رئيسيًا للحصول على التمويل البنكي، لافتًا إلى أن النظام شهد تطورًا كبيرًا عبر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية لتحليل بيانات العملاء واتخاذ قرارات التمويل خلال ثوانٍ.
وأشار إلى أن معدلات التعثر داخل القطاع ما تزال في الحدود الطبيعية، وتتراوح بين 2.9% و3.5%، مع التزام البنوك بتكوين مخصصات وفق المعايير الدولية لإدارة المخاطر.
تطبيقات التداول.. تنوع مالي لا تهديد للبنوك
وفيما يتعلق بتطبيقات التداول والاستثمار ومنصات التكنولوجيا المالية، أكد المسؤول أن دخول هذه التطبيقات يمثل تنوعًا صحيًا داخل السوق المالية ولا يشكل تهديدًا مباشرًا للقطاع المصرفي.
وأوضح أن إنشاء صناديق استثمار عبر تلك التطبيقات يفتح المجال أمام شرائح جديدة من المستثمرين والمدخرين، خاصة الشباب، مؤكدًا أن هذه الأدوات توسع قاعدة الشمول المالي والاستثماري.
وأضاف أن البنوك المصرية لا تخشى المنافسة، في ظل قوة مراكزها المالية، لافتًا إلى أن البنوك نفسها تمول العديد من القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا المالية والخدمات غير المصرفية.
المنافسة مطلوبة لكن بضوابط ائتمانية صارمة
من جانبه، قال الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، إن التنافس بين القطاع المصرفي وشركات الخدمات المالية غير المصرفية يعد أمرًا طبيعيًا وموجودًا في مختلف دول العالم، سواء في الخدمات التقليدية أو عبر التطبيقات والمنصات الإلكترونية الحديثة.
وأوضح أن السوق لا يمكن أن يحتكره طرف واحد، مشيرًا إلى أن تعدد نماذج تقديم الخدمات المالية يدعم التطور المالي ويوسع الخيارات المتاحة أمام المواطنين والمستثمرين.
وأضاف أن التوسع في الخدمات المالية الرقمية وتطبيقات شراء الأسهم والسندات الحكومية بعيدًا عن البنوك التقليدية يمثل تطورًا مطلوبًا، مؤكدًا أن المنافسة يجب أن تدفع المؤسسات لتحسين خدماتها وليس تقييد المنافسين.
وشدد على ضرورة الالتزام الصارم بقواعد الجدارة الائتمانية في نشاط التمويل الاستهلاكي، محذرًا من أن التوسع غير المنضبط في الإقراض قد يقود إلى أزمات مشابهة لما حدث خلال الأزمة المالية العالمية في 2008.
وطالب هيئة الرقابة المالية بتطبيق قواعد رقابية مماثلة لتلك المعمول بها داخل البنك المركزي على شركات التمويل الاستهلاكي والخدمات المالية غير المصرفية.
تراجع الدخل يفرض تشديد الرقابة
وفي السياق ذاته، أيد هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، تشديد الرقابة على شركات الإقراض الاستهلاكي، في ظل التحديات الاقتصادية المرتبطة بتراجع مستويات الدخل وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وضعف الادخار، بما ينعكس بصورة مباشرة على قدرة بعض العملاء على السداد.
وأوضح توفيق، عبر حسابه على “فيسبوك”، أن صناديق الاستثمار المرتبطة بأذون الخزانة أو البورصة وغيرها من الأدوات الاستثمارية تُعد آمنة، مؤكدًا أنها تخضع بالفعل لرقابة وضوابط الهيئة العامة للرقابة المالية.
توسع سريع للتمويل غير المصرفي
وكان البنك المركزي المصري قد أصدر ضوابط جديدة لتمويل البنوك لشركات التمويل، تشمل التأكد من وجود رقم تعريفي لدى البنك المركزي وشركة “آي سكور”، إلى جانب الإفصاح الدوري عن بيانات العملاء.
ويشهد قطاع التمويل غير المصرفي توسعًا متسارعًا، حيث ارتفعت التمويلات الموجهة للمشروعات الصغيرة إلى نحو 95.8 مليار جنيه، بينما سجل التمويل الاستهلاكي نحو 78.2 مليار جنيه بنهاية 2025.