شهر شعبان وتحويل القبلة.. دروس وعبر يكشف عنها عالم بالأزهر
كتب : علي شبل
الدكتور عطية لاشين
كشف الدكتور عطية لاشين، أستاذ الفقه وعضو لجنة الفتوى بالأزهر، عن بعض الدروس المهمة والعبر المستفادة من حادث تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بمكة المكرمة.
يقول العالم الأزهري إن لكل أمة من الأمم لهم مكان مقدس تتعبَّد فيه بكل أنواع العبادة من صلاة وحَجٍّ وذَبح وغير ذلك، قال تعالى: (لِكُلِّ أُمةٍ جعلْنَا مَنسَكًا هُم ناسِكُوه) (الحج: ٦٧) وقال تعالى: (ولِكُلِّ أُمةٍ جعلْنَا مَنسَكًا ليذكُروا اسمَ اللهِ علَى مَا رزَقَهُم مِن بَهيمةِ الأنعامِ) (الحج: ٣٤) وسواءٌ أكان هذا الجَعْل تَشريعًا من الله أراده ورَضِيَه لعباده، أم جَعْل تكوين لا يُشتَرط أن يكون مَرضيًّا عنه، كما في قوله تعالى: (كذَلِكَ زينَّا لكلِّ أُمةٍ عملَهُم ثُمَّ إلَى ربِّهِم مرجِعُهُم) (الأنعام: ١٠٨) فإن لكل جماعة من الناس مكانًا مُقدَّسًا يتقرَّبون فيه إلى إلههم، ومن التقرب التوجُّه إليه عند الدعاء والصلاة.
واشار عضو لجنة الفتوى بالأزهر إلى أن الوثنيين كانوا يتوجَّهون إلى أصنامهم في الأرض، أو إلى الكواكب في السماء، كما توجَّه المصريون إلى الشمس في بعض عهودهم في الدعاء والمناجاة، وكما توجَّه البابليون إلى النجوم على ما حكاه القرآن الكريم في مُحاجَّة إبراهيم لهم في سورة الأنعام، حيث رأى كوكبًا ثم رأى القمر ثم رأى الشمس وافترض أنها هي الإله الذي يعبدونه فلما غابت ألزمهم الحُجَّة بأن الإله لا يجوز أن يَغيب. ثم بَنَوْا بُيوتًا رمزية ـ لآلهتهم يعبدونها فيها عند اختفائها وقت غروبها، فكانت البيوت قِبْلتهم ومَنْسكَهم الذي يرتضون.
وأوضح لاشين أنه قد مر تحويل القبلة بمراحل كثيرة، وفي كل مرة كان درسا لأصحاب النبي -ﷺ- وللمسلمين من بعدهم:
١- روى الإمام أحمد بن حنبل عن السيدة عائشة ـرضي الله عنهاـ أن النبي -ﷺ- قال: “إن اليهود لا يَحْسُدُونَنا على شيء كما يَحْسُدُونَنا على يوم الجمعة التي هدانا الله إليها وضلُّوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله إليها وضلُّوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام آمين". [قال الشيخ الأرناءوط : إسناده حسن]
٢- وقد حدَث أن الله سبحانه أمر نبيه -ﷺ- باستقبال بيت المقدس في الصلاة، وظلَّ على ذلك نحو سنة ونصف السنة بالمدينة، ثم صَرَفَهُ الله عن هذه القبلة إلى استقبال الكعبة، فقال اليهود: اشتاق محمد إلى بلد أبيه بمكة، وهو يريد أن يُرضِي قومه قريشًا ولو ثَبَتَ على قبلتِنا لرجونا أن يكون هو النبي الذي يأتي آخر الزمان. وهذا القول منهم يدل على أنهم انتهازيون لا يَجْرُون إلا وراء المصلحة، دون اعتبار للعقائد والقيم، فهم كفروا بالرسول لمجرد أنه حوَّل وَجْهَهُ ـ بأمر ربه ـ إلى البيت الحرام، ناسين أن الأرض كلها لله، وأن الجهات جميعها واحدة بالنسبة لوجود الله واطِّلاعه على عباده والتوجُّه إليه بالطاعة، قال تعالى (وللهِ المشرقُ والمغربُ فأينمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللهِ) (البقرة: ١١٥)، وقال في حقِّهم (سيقولُ السفهاءُ مِنَ الناسِ مَا وَلَّاهُم عَن قبلتِهِمُ التِي كانُوا عليهَا، قُلْ للهِ المَشرِقُ والمغرِبُ يَهدِي مَن يشاءُ إلى صراطٍ مُستقيمٍ) (البقرة: ١٤٢).
وندَّد الله بهم في كفرهم بالنبي ـﷺـ على الرغم من الأخبار المُبشِّرة به فقال: (وإنَّ الذينَ أُوتُوا الكتابَ لَيَعلمُون أنَّهُ الحقُّ مِن ربِّهِم) (البقرة: ١٤٤)، وقد أَيْأَسَهُ الله من إيمانهم به ما دامتْ قبلته للصلاة غير قبلتهم فقال: (ولَئِنْ أَتَيْتَ الذينَ أُوتُوا الكتابَ بِكلِّ آيةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ومَا أنتَ بتابعٍ قِبْلَتَهُم، ومَا بعضُهُم بتابعٍ قِبْلَةَ بعضٍ) (البقرة: ١٤٥) ومن هنا انقطع أملُهم في ضمِّ محمد -ﷺ- فجاهَرُوه بالعداوة، وكانت له معهم الْتحامات وقصص مذكورة في كتب التاريخ.
ومن المعلوم أن أول بيت وُضع للعبادة هو بيت الله الحرام في مكة “الكعبة” قال تعالى: (إنَّ أوَّلَ بيتٍ وُضِعَ للناسِ للذِي ببكَّةَ مباركًا وهدىً للعالمين) (آل عمران: ٩٦)، وكما تقول الروايات إنه موضوع من أيام آدم عليه السلام، وكانت الأنبياء تَحُجُّ إليه، وكان دور إبراهيم ـ عليه السلام ـ إبراز معالمه التي عفَّى عليها الزمن أو جَرَفَتْها السُّيول على ما يُفهَم من التعبير بالرَّفع في قوله تعالى: (وإذْ يَرفعُ إبراهيمُ القواعِدَ مِنَ البيتِ وإسماعيلُ) (البقرة: ١٢٧) وقوله تعالى: (وإذْ بَوَّأْنَا لإبراهيمَ مكانَ البيتِ) (الحج: ٢٦) أي: البيت المعهود سابقًا في التاريخ، أو الذي سيُبني بعدُ،
٣ـ فُرِضَت الصلاة في الإسلام أولاً بمكة، واستقرت خمس صلوات ليلة الإسراء قبل الهجرة بحوالي سنتين أو أكثر، فإلى أية قبلة كانوا يتجه المصلون بمكة؟ قيل: لم تكن هناك قبلة معينة، فالجهات كلها قبلة على ما فهمه البعض من قوله تعالى: (وللهِ المشرِقُ والمغرِبُ فأينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وجهُ اللهِ) (البقرة: ١١٥)، وإن كان هناك مَيْل إلى التوجُّه إلى الكعبة لأنها بيت المقدس عند العرب، وهو أَثَرُ سيدنا إبراهيم الذي قال الله له في إحدى السور المكية: (ثُمَّ أوحينَا إليكَ أنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبراهيمَ حنيفًا) (النحل : ١٢٣) على ما يفيده عموم اللفظ، وكما حَكَت السيرة أن النبي ـﷺـ اختار التحنُّث في غار حِراء؛ لأنه يشرف على الكعبة. وقيل: إن قبلة المسلمين في مكة كانت الكعبة أولاً، لقوله تعالى: (ومَا جعلْنَا القبلةَ التِي كُنْتَ عليهَا) أي حوَّلناك في المدينة من بيت المقدس إلى الكعبة وهي القبلة التي كنت عليها من قبل، فهذا نص على أن القبلة في مكة كانت الكعبة، لكن ذلك كان لفترة. ويدل عليه ما أخرجه الطبري عن ابن جُريج: صلَّى النبي -ﷺ- أو ما صلَّى إلى الكعبة ثم صُرِفَ إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلَّى ثلاث حِجَج، ثم هاجر فصلَّى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرًا، ثم وُجِّه إلى الكعبة.
وقيل: إن القبلة في مكة كانت بيت المقدس أولًا؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي رواه أحمد: كان النبي -ﷺ- يُصلِّي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه، لكن هل يدل هذا على أن بيت المقدس كان هو القبلة الأولى في مكة وكان النبي يحب أن يستقبل معه الكعبة، فيجعلها بينه وبين بيت المقدس ليجمع بين القبلتين، أو أن بيت المقدس كان قبلة لاحقة بعد أن كانت هي الكعبة؟ ذلك كله جائز، ولعل من التوفيق القريب بين الأحاديث التي يتضارب ظاهرها أن يقال: إن النبي -ﷺ- صلَّى بمكة أولاً إلى الكعبة، ثم صُرِفَ عنها إلى بيت المقدس ثلاث حجج، فكان يُحبُّ أن يجمع بينهما على النحو المذكور، ولما هاجر أَمَرَهُ الله بالاستمرار في استقبال بين المقدس، وكان يشتاق لاستقبال الكعبة نحو سنة ونصف السنة فُوجِّه بعد ذلك إليها.
اقرأ ايضًا:
التجليات الكبرى في معجزة الإسراء والمعراج.. يكشف عنها عالم أزهري
علي جمعة يوضح معنى وصف سيدنا محمد "صخرة الكونين وسند العالمين"