• القاضي "عياض" .. عالم المغرب الأول الذي قتله الموحدون وأخفوا قبره

    06:08 م الأربعاء 12 ديسمبر 2018

    كتب - هاني ضوه :

    مما يميز الأمة الإسلامية أن بها علماء كبارا ملأوا الأرض علمًا وفضلًا وخيرًا، وعند تصفحنا لسير هؤلاء العلماء العظام نجد أنهم قد بدأوا تلقي العلم منذ نعومة أظافرهم وتدرجوا فيه حتى بلغوا مرتبتهم العالية.. وفي هذا التقرير يرصد مصراوي نموذجا فريدا من العلماء بدأ تلقي العلم بعد أن بلغ العشرين من عمره وأظهر براعة عجيبة في الفهم والاجتهاد.

    إنه القاضي عياض الذي بلغت شهرته وعلمه الآفاق خاصة في منطقة المغرب العربي حتى قيل عنه إنه "لولا عياض ما ذُكِر المغرب"، فقد كان صاحب مصنفات عظيمة ومتنوعة في مختلف علوم الشريعة والتي امتازت بدقة تخريجاته وضبطه وتعليقاته واستدراكاته، ونقده.

    وقد ذكر الإمام شهاب الدين التلمساني في كتابه "أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض" والإمام الذهبي في ترجمته أن الإمام القاضي عياض ولد في مدينة سبتة عام 467 للهجرة (1083 للميلاد)، والذي تعود أصول أسرته إلى قبائل اليمن العربية القحطانية، وبالتحديد إلى يحصب بن مالك الذي ينتمي إلى بطون حِمْيَر، وهاجرت أسرته إلى الأندلس ثم انتقلت إلى فاس بالمغرب، وأخيرا استقر بها المقام في مدينة سبتة المغربية.

    ولعلك قد تتعجب إذا علمت أن القاضي عياض لم يطلب العلم في صغر سنه كعادة كبار العلماء، بل طلبه بعد أن جاوز العشرين، وكان أول سماعه وطلبه للعلم إجازة مجردة من الحافظ أبي عليّ الغسَّاني، ثم رحل إلى الأندلس سنة 503هـ وسمع من شيوخها وعلمائها، وانقطع لطلب العلم، فاستبحر من شتى العلوم؛ الحديث والفقه، وعلوم اللغة، وتمهر فيها حتى فاق معاصريه وشيوخه، وبذ الأقران، وجمع وألف، وناظر وأفتى.

    فأخذ القاضي عياض العلم عن كبار علماء عصره بقرطبة عن القاضي أبي عبد الله: محمد بن علي بن حمدين وأبي الحسين بن سراج وعن أبي محمد بن عتاب وغيرهم وأجاز له أبو علي الغساني وأخذ بالمشرق عن القاضي أبي علي: حسين بن محمد الصدفي وغيره وعني بلقاء الشيوخ والأخذ عنهم وأخذ عن أبي عبد الله المازري كتب إليه يستجيزه وأجاز له الشيخ أبو بكر الطرطوشي.

    وعندما قارب القاضي عياض الثلاثين من عمره كان قد برع في جملةِ علوم الشريعة، وأصبح علماً مشهوراً يشار إليه بالبنان، وبان فضله وعلمه للعامة والخاصة، ولذلك فإنه لما عزم على السفر إلى الأندلس؛ لأخذ العلم عمّن لم يلق من علمائها، وجد معارضة من أحد كبار شيوخه بأن من سيرحل إليهم عياض هم أحوج إلى عياض من احتياجه إليهم.

    وبدأ القاضي عياض في التصنيف والتأليف فأصبحت كتبه مصنفاته يشار إليها بالبنان واشتهرت في كافة البلدان، وجاء في كتاب "سير أعلام النبلاء" وغيره من الكتب التي تناولت سيرة القاضي عياض أنه تولى منصب القضاء سنة 510ه في بلده سبتة مدة طويلة حُمدت فيها سيرته، ثم نقل عنها إلى قضاء غرناطة، ومن شدة أهليته للمنصب ارتبط واقترن اسمه بلقب القاضي على الرغم من صغر سنه، فلقد تولى القضاء وله خمس وثلاثون سنة فقط.

    وقد تعرض القاضي عياض -رحمه الله- للكثير من الأزمات والصراعات، فقد عاصر حكم سلطتين سياسيتين هما: دولة المرابطين ودولة الموحدين، فقد ولد في دولة المرابطين، وتوفي والحكم للموحدين، وقد كان موالياً لدولة المرابطين لوقوفها عند حدود الله تعالى من حيث الجملة، وكان معارضاً لدولة الموحدين مجاهداً لمخالفاتها العقدية والتشريعية، مثل زعم ابن تومرت أنه المهدي المنتظر، وادعاؤه العصمة والعلم بالمغيبات وغير ذلك من الموبقات، ولذلك سعى الأمير تاشفين بن علي عند أبيه أمير المسلمين علي بن يوسف، حتى يصرف القاضي عياض عن منصبه، وبالفعل تم مراده، وعُزل القاضي عياض عن منصبه في رمضان سنة 532هـ، ولكن تاشفين عاد مرة أخرى واجتهد لإعادة القاضي عياض لنفس المنصب، وذلك عندما احتاج لعلمه وزهده ونزاهته، وكان ذلك عام 539هـ.

    وللقاضي عياض الكثير من التصانيف المفيدة البديعة أشهرها:

    إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم، وكتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا الكتب الفريد قد أبدع فيه القاضي عياض كل الإبداع وسلم له أكفاؤه كفايته فيه ولم ينازعه أحد من الانفراد به ولا أنكروا مزية السبق إليه بل تشوفوا للوقوف عليه وأنصفوا في الاستفادة منه وحمله الناس عنه وطارت نسخه شرقاً وغرباً.

    ومن مصنفاته كذلك كتاب مشارق الأنوار في تفسير غريب حديث الموطأ والبخاري ومسلم وضبط الألفاظ والتنبيه على مواضع الأوهام والتصحيفات وضبط أسماء الرجال، وكتاب التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة جمع فيه غرائب من ضبط الألفاظ وتحرير المسائل، وكتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، وكتاب الإعلام بحدود قواعد الإسلام، وكتاب الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع وكتاب: بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد، وكتاب الغنية في شيوخه وكتاب المعجم في شيوخ بن سكرة، وكتاب نظم البرهان على حجة جزم الأذان، وكتاب مسألة الأهل المشروط بينهم التزاور، وغيرهم الكثير.

    وقيل في وصف القاضي عياض أنه كان حسن المجلس كثير الحكاية والخبر ممتع المحضر عــذب الكــلام مليـح المنطـق، حلو الدعابة لين الجانب، صبورا حليما، لايستسـهل التكليف للنـاس والتحـامل عليهم، مبادرا لقضاء الحوائج، من أكرم أهل زمانه كثير الصدقة والمواساة عاملا مجتهدا صواما يقوم ثلث الليل الآخر بجزء من القرءان لم يترك ذلك قط على أية حالة حتى يغلب، وكان كثير المطالعة لايفارق كتبه كثير البحث عن العلم توفي.

    وتوفي القاضي عياض رحمه الله بمراكش يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة وقيل في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة رحمه الله تعالى ودفن بباب إيلان داخل المدينة، وقد مات مقتولًا لأنه رفض بدعة الموحدين، وأعلن أنه لا عصمة لابن تومرت، ولا مهدية له، وأنه دجال ضال في باب العقائد والأقوال والأفعال، وأن دماء الأبرياء في رقبته، وهو مسؤول عنها يوم القيامة، وذلك يوم 9 جمادى الآخر سنة 544هـ؛ فقام الموحدون بقتله بالرماح –حسبما ذكر الإمام الذهبي وابن خلكان- حتى قطعوه إربًا، ثم قاموا بجمع أشلائه ودفنوها في مكان مجهول بمراكش، بلا صلاة ولا غسل، كأنه واحد من غير المسلمين، بل وقاموا بعد ذلك بما هو أنكى من ذلك؛ فأقطعوا تلك المنطقة للمسيحيين؛ فبنوا بجوار قبره كنيسة وبعض الدور.

    وعثر على قبر القاضي عياض سنة 712 هـ في عهد الدولة المرينية والتي أسقطت دولة الموحدين ، وفرح الناس والعلماء بذلك الأمر بشدة، وأمر القاضي أبو إسحاق بن الصباغ بتسوية ما حول القبر وإشهاره وإظهاره، واجتمع الناس عنده وصلوا عليه مرات كثيرة.

    إعلان

    إعلان

    إعلان