ملتقى التفسير بالأزهر يكشف عن وجوه الإعجاز في حديث القرآن عن النخل
كتب : علي شبل
ملتقى التفسير بالأزهر
عقد الجامع الأزهر ملتقى التفسير ووجوه الإعجاز القرآني الأسبوعي تحت عنوان: "وجوه الإعجاز في حديث القرآن عن النخل" وذلك بحضور كل من: أ.د محمد سبتان، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بالقاهرة جامعة الأزهر، وأ.د عبد الواحد محجوب، أستاذ بكلية الزراعة جامعة الأزهر، ويدير الحوار الشيخ علي حبيب الله حسن، الباحث بالجامع الأزهر الشريف.
في مستهلّ الملتقى أشار فضيلة الدكتور محمد سبتان إلى دقة التعبير القرآني في قوله تعالى: "وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ"، وقد جاءت كلمة النخل جاء عطفًا على ما قبلها من المنصوبات في سياق ثلاثيات بديعة؛ بدأت بالسماء في قوله تعالى: "أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾، ثم الأرض: "وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ"، ثم الماء وما ينشأ عنه من النعم: "وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ"، كما أن اختيار النخلة يحمل دلالة عميقة؛ إذ تنبت من نواة صغيرة ثم تعلو وتثمر، في صورة تبين قدرة الله تعالى على الإنماء والإحياء، كما أنها دعوة للتأمل في خلق الله سبحانه وتعالى ونعمه على خلقه، كما أن المولى سبحانه وتعالى أبدع في هذه النواة لينشئ منها هذه النخلة العظيمة.
وأوضح فضيلته، أن المتأمل في النواة التي توجد داخل التمرة لوجد فيها ثلاث دلالات دقيقة أشار إليها القرآن الكريم؛ ففي وسط هذه النواة شق دقيق توجد به فتيلة صغيرة بيضاء، وهي التي أشار إليها قوله تعالى: "لَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا"، وخلف هذه الفتيلة تظهر نقرة صغيرة، عبر عنها القرآن بقوله: "وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا"، أما الغلاف الرقيق الشفاف الذي يحيط بالنواة فقد أشار إليه الحق سبحانه بقوله: "وَمَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ"؛ في تصوير بليغ يجمع بين الإحكام اللغوي والدقة الحسية، ليؤكد أن أدق ما في الكون لا يغيب عن علم الله، وأن عدله سبحانه منـزه عن الظلم ولو بمقدار ما لا يرى إلا بالتأمل، مضيفًا أن النبي ﷺ قال: "يَبْلَى ابنُ آدمَ كلُّهُ إلا عَجْبَ الذَّنَبِ، منه خُلِقَ ومنه يُركَّب"، وأشار الحق إلى هذا بقوله: "كذلك الخروج"، والمقصود بالخروج هنا هو البعث؛ أي كما أنبت الله هذه النخلة العظيمة من نواة صغيرة، كذلك ينشئ الإنسان يوم القيامة من عجب الذنب، فيعاد خلقه على الهيئة التي كان عليها، دون نقص أو تغير، في دلالة واضحة على كمال القدرة الإلهية في الإحياء بعد الفناء.
من جانبه قال فضيلة الدكتور عبد الواحد محجوب، إن الإعجاز القرآني في الحديث عن النخيل لا يتمثل في ذكر النخيل بوصفه شجرة مثمرة، بل في تقديم وصف دقيق لمراحل تموه، فقد ورد ذكر النخيل في القرآن الكريم في سياقات متعددة، تشير إلى خصائصه البيولوجية والبيئية، مثل قوله تعالى: "وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ" وقوله سبحانه: " وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ" في إشارات إلى مراحل الإزهار وتكون التمر، كما بين النبي ﷺ مكانة النخلة ومشابهتها للمؤمن: "إنَّ من الشجرةِ شجرةً لا يَسقطُ ورقُها، وهي مثلُ المؤمنِ، حدِّثوني ما هيَ؟ قال عبدُ اللهِ: فوقعَ الناسُ في شجرِ البوادي، ووقع في نفسي أنَّها النَّخلةُ، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: هي النخلةُ"، وفي هذا التشبيه دلالة على دوام العطاء والثبات والبركة، وهي صفات يشترك فيها المؤمن مع النخلة.
وبين فضيلته إن من مظاهر الإعجاز أن النخيل من النباتات التي تتميز بوجود الذكر والأنثى، وهو ما يتوافق مع القاعدة الكونية التي أشار إليها القرآن الكريم بقوله تعالى: "وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ" في تشابه واضح مع نظام خلق الإنسان وسائر الكائنات الحية، إضافة إلى قدرة النخل على التكيف والنمو في بيئات وأرض متباينة، قال تعالى: "وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ" وتشير الآية إلى اختلاف التربة رغم تجاورها، مع احتفاظ النخيل بقدرته على النمو والإثمار في تلك البيئات المختلفة.
يذكر أن ملتقى التفسير ووجوه الإعجاز القرآني يعقد الأحد من كل أسبوع في رحاب الجامع الأزهر الشريف، تحت رعاية فضيلة الإمام الأكبر وبتوجيهات من فضيلة الدكتور محمد الضويني وكيل الأزهر الشريف، ويهدف الملتقى إلى إبراز المعاني والأسرار العلمية الموجودة في القرآن الكريم، ويستضيف نخبة من العلماء والمتخصصين.