إعلان

الإيجار القديم على "أبواب البريد": غموض حول السكن البديل

كتب : مارينا ميلاد

05:33 م 20/01/2026 تعديل في 06:02 م

تصميم باستخدام الذكاء الاصطناعي

تابعنا على

في صباح يوم استقبال مكاتب البريد ساكني الإيجار القديم للتقديم على شقق بديلة، وصلت "روحية" إلى أقرب فرع لها مبكرًا. راحت السيدة العجوز تُجرجر قدميها حتى بلغت النافذة الثانية، ثم أخرجت أوراقًا مبعثرة أمام الموظف ليمكنه البدء في الإجراءات، إلا أنه أخبرها أن "السيستم معطل الآن".

هذا المكتب ضمن 500 مكتب بريد على مستوى الجمهورية، أعلنت يوم 18 يناير أنها جاهزة لاستقبال المواطنين لتقديم طلبات الوحدات البديلة بشرط أن يكون لديهم حساب مُفعّل على منصة مصر الرقمية، فكما ذكروا في بيانهم: "فالتحقق من البيانات يتم إلكترونيًا لضمان السرعة والدقة".

وفي ثلاثة مكاتب بمحافظة الجيزة، لم يبدُ هناك إقبال كثيف على التقديم خلال أول يومي عمل، إلا أن هناك من قدموا طلبهم إلكترونيًا بالفعل عبر منصة مصر الرقمية خلال الأشهر الثلاثة الماضية قبل أن تمدد الحكومة التسجيل لينتهي في 12 أبريل بدلاً من 13 يناير 2026.

لم تسمع "روحية" لنصيحة أولادها بأن لا تذهب. فعلت ما أيقنت أنه الصواب، على الأقل في هذه الفترة "غير الواضحة" -في رأيها- فتقول: "هذا لأجلهم، ليكون لديهم مكان إن لم يتمكنوا فيما بعد من دفع إيجار شقتنا". فبعد أن انفصل أولادها عن زوجاتهم، فقد الاثنان شققهما واضطرا للعيش معها في شقتها بمنطقة المهندسين.

كثيرًا ما تراودها كوابيس حول فقدان شقتها التي قضت فيها أكثر من نصف عمرها البالغ 77 عامًا، وإجبارها على تركها دون سابق إنذار. وذلك منذ صدور تعديلات قانون الإيجار القديم في منتصف العام الماضي، والذي ينص على إلغاء عقوده القائمة بعد فترة انتقالية مدتها 7 سنوات للمساكن و5 سنوات للوحدات التجارية.

وصنّفت تعديلات هذا القانون مؤخرًا جميع العقارات السكنية أو التجارية المؤجرة ما بين "متميزة، ومتوسطة، واقتصادية"، وتتفاوت قيمة إيجاراتها خلال 7 سنوات مقبلة حسب المنطقة، فتبدأ من 250 جنيهًا، على أن تزيد سنويًا بنسبة 15%.

وهو ما جعل "روحية" تدفع الآن إيجارًا بقيمة 1750 جنيهًا بدلاً من 15 جنيهًا. لم يزعجها ذلك أبدًا، كما تحكي، لكن ما يقلقها هو تفكيرها في السيناريوهات المقبلة حتى قبل انتهاء مدة السبع سنوات. لذا تجلس في مكتب البريد وتنتظر "عمل السيستم"، فتتعشم أن يكون لها الأولوية في الحصول على وحدة بديلة تؤمن بها حياة ولديها، إذ تنطبق عليها جميع الشروط المذكورة: "مستأجرة أصلية بمعنى أنها ضمن ما تزيد أعمارهم على 60 عامًا في عام 2017، ممتد إليها عقد الإيجار بعد وفاة زوجها، مقيمة بالوحدة، من كبار السن، والفئة الأولى بالرعاية"، وفقًا لما حدده قانون الإيجار القديم رقم 164 لسنة 2025 عن الفئات المستحقة للحصول على وحدات بديلة سواء بنظام الإيجار أو التمليك، من الوحدات المتاحة لدى الدولة.

ساعة واثنتان تمران على انتظارها ولا شيء يحدث لـ"السيستم"، يخبرها الموظف أن فروعًا أخرى تعمل. لكنها لم تقدر أن تذهب إلى مكان آخر. جلست وحدها خلال هذا الوقت، لم يشاركها أحد. تبادلت الحديث مجددًا مع الموظف:

"هل تعرف أين ستكون الوحدات؟"

يجيبها إجابة مقتضبة ومتوقعة: "ليس لدينا علم بأي معلومات"

"يعني... ستكون في المناطق البعيدة"

"غالبا أكتوبر ويمكن على أطراف حلوان أو المرج"..

تشرد "روحية" قليلاً رغم أن "لا مفاجأة بالنسبة لها فيما سمعته"، كما تقول، لكنها تتخيل أن تترك منطقتها القديمة نسبيًا، الحيوية، القريبة من كل شيء وكل من تعرفه وتسكن في منطقة بعيدة، معزولة، لا تدركها حتى الآن. تقول بصوت خافت: "لا أعرف، هل يمكنني عدم استلامها حال لم تعجبني؟".

فمن المفترض أن تلتزم بإخلاء وتسليم وحدتها المؤجرة فور صدور قرار التخصيص واستلام الوحدة البديلة. وحينها عليها تقديم إخطار بالإخلاء موثقًا بالشهر العقاري عند تخصيص وحدة بديلة كشرط أساسي لإتمام التخصيص والتسليم.

ترددت أسئلة "روحية" نفسها داخل أروقة مكاتب البريد لمن ذهبوا، والأكثر كان خارجها. فتحتار ألفت جلال، وهي على المعاش، وتسكن في محيط جامعة القاهرة، أن تذهب مثل "روحية" وتقدم طلبًا أم لا، فتفكر "في المكان الذي تذهب إليه؟ ومقدم المبلغ الذي من المرجح أن تدفعه لاحقًا وقيمة التقسيط". إذ تتم عملية التخصيص من خلال الوحدات المتاحة لدى الدولة، وفق أحد الأنظمة التالية: الإيجار، الإيجار المنتهي بالتملك، التمليك عن طريق التمويل العقاري، التمليك بنظام السداد النقدي أو بالتقسيط وفقًا لشروط الإعلانات الصادرة عن الصندوق.

فتقول: "كلها أمورٌ غير واضحة لي"، ومن ناحية أخرى، فيقلقها ما فعله صاحب العقار مع جارتها، حيث امتنع عن تحصيل إيجارها بحجة أنها ليست ساكنة بشكل دائم وصارت تسدده في المحكمة.


وعرفت مئات القضايا طريقها إلى ساحات المحاكم من الملاك ضد المستأجرين بشكل يفوق أي وقت مضى، وفقًا للمحامي بالنقض ميلاد يني، الذي انخرط مؤخرًا في العديد من القضايا المتعلقة بصدور القانون الجديد، وأغلبها من الملاك المدعين أن المستأجرين لهم وحدات أخرى والشقق مغلقة.

وبالنسبة له، "هناك لغط في كثير من المسائل"، ويوضح ذلك: "من المفترض ألا تكون الوحدة مغلقة لمدة سنة، لكن في البداية لم نعرف إن كانت السنة ستبدأ قبل أو بعد سريان القانون، ثم حسمها قضاة مؤخرًا بأنها تبدأ من يوم 1 سبتمبر 2025، وظلت نقاط أخرى محيرة ما بين (ترك شقته دون مبرر) وهذه جملة فضفاضة، وفكرة امتلاك أكثر من شقة، وهناك أمور مطاطة كثيرة".

وفي رأيه، "لن تستقر الأوضاع إلا إذا وصلت القضايا إلى محكمة النقض لأنها المنوط بها إصدار الكلمة العليا، ويمكن أن يأتي وضع بعد ذلك تُعدل عن رأيها. وهذا يأخذ وقتًا طويلاً. لذا فكثير من الأشياء مُعلقة، والقضايا المحسومة فقط، هي مثلاً أن المالك يرفع طلب عريضة أمام قاضي الأمور الوقتية لعقود إيجار قديمة انتهت بقوة القانون".

ويمكن أن ينقلب الأمر رأسًا على عقب أمامه وغيره، إذ كان للمحكمة الدستورية العليا رأي مغاير بعد أن تلقت أول دعوى دستورية تطعن بشكل مباشر على بعض مواد قانون تنظيم أوضاع الإيجار القديم في نوفمبر الماضي.

ورغم أن "ميلاد" يمثل الملاك في غالبية قضاياه، إلا أنه يذكر "أن هناك متعسفين ضد المستأجرين وهناك تجاوزات، فأدافع أيضًا عن الطرف الآخر حسب المركز القانوني لهم".

ومن ناحيتها، دعت مي عبد الحميد (الرئيسة التنفيذية لصندوق الإسكان الاجتماعي)، المستأجرين المُستحقين إلى التسجيل، حتى يتمكن الصندوق من الحصر وتجهيز الوحدات. وتؤكد "أن التقديم ليس معناه أن المستأجر سيترك شقته حاليًا، فالتسجيل يخبر بحاجتك إلى وحدة بعد انتهاء الفترة الانتقالية، حتى نُجهزها". وأضافت أن وزارة التنمية المحلية حصرت الأراضي المتاحة داخل المحافظات، بالإضافة إلى المدن الجديدة بوصفها خيارًا آخر للراغبين.

وعندما اقتربت الساعة من السادسة مساءً، وهو موعد انتهاء عمل مكتب البريد في استلام الطلبات، اضطرت "روحية" إلى المغادرة بعد أن خذلها "السيستم". كانت غاضبة وتهمهم: "ليس لدينا مصعد. سأصعد السلم للطابق الثالث وأنزل مرة أخرى غدًا!". فلابد أن يحضر المستأجر بنفسه ليكمل الإجراءات المطلوبة.

وفي اليوم التالي، أتت وسلمت "رقم الطلب" المسجل به على منصة مصر الرقمية. وفي هذه المرة، نجح الأمر وتمكنت من التقديم، على أن يصلها الرد بالقبول أو الرفض في موعد غير محدد.

  • الرسومات الواردة- بواسطة الذكاء الاصطناعي

اقرأ أيضا: ارتباك ما بعد القانون.. كيف يتعامل مؤجرو ومستأجرو الإيجار القديم؟

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان