"ميدفيست" في وجه قبلي.. كيف استقبل أهل الصعيد قضايا الطب من الأفلام؟

12:41 م الإثنين 16 سبتمبر 2019

كتابة وتصوير-شروق غنيم:

لم يُشتَت انتباه صفاء فيصل طيلة أربع ساعات، شاهدت بإمعان تفاصيل كل فيلم يُعرض، تدون ملاحظاتها في انتظار المناقشة التالية للعرض، فيما تميل إيناس على والدتها من حين لآخر، يتناقشان دون ضجة مع كل مشهد يضئ فكرة في عقلهما، يحدث ذلك بينما تدور أعين الدكتور مينا النجار، مؤسس ملتقى ميدفيست للأفلام؛ يتابع ردود فعل الحضور، يتنظر بشوق رأي كل منهن في القضايا المقدمة "لإن هدفنا نفتح نقاش، نفكر سوا، ونتعرف على آراء مختلفة لنفس القضايا".

من هذا المنطلق نبع شغف الدكتور مينا النجار قبل ثلاث سنوات، حين سمع من صديقه الطبيب خالد علي -سوداني الأصل- عن ملتقى يُقام في العاصمة البريطانية كل عام، إذ تُعرض سلسلة من الأفلام تناقش قضايا الصحة النفسية ولكن بين طلاب كليات الطب، نقل الثنائي التجربة إلى مصر، ولكن على نطاق أوسع، للجمهور العام، فبات "ميدفست- مصر" أول ملتقى عربي يمزج ما بين الصحة والطب والأفلام.

1

مع كل عام جديد يزداد الحماس بداخل النجار؛ لاكتشاف أنماط مختلفة من الجمهور، لذا طاف بمكتبته السينمائية على محافظتي الإسكندرية، المنيا "رغم إني في الأول مكنش في دماغي إني هطلع برة القاهرة"، في عام الملتقى الثالث قرر الطبيب الشاب خوض التجربة في صعيد مصر، على مدار الأسبوع الماضي بدأت جولته من أسيوط في الرابع من سبتمبر، تلتها محافظة سوهاج في السادس من سبتمبر، واختتمت بمحافظة الأقصر في الثامن من سبتمبر، وذلك بدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان.

2

داخل أحد فنادق الأقصر المُطلة على النيل، انطلقت فعاليات مُلتقى ميدفيست، من الرابعة عصرًا ازدحمت القاعة المخصصة للعرض، أعمار مختلفة استقرت على المقاعد، لم يتسع المكان لكافة الحضور، فآثر البعض الوقوف في آخر الصفوف للمشاهدة، لكن حين جاء وقت المناقشة، اتسع الحوار للجميع.

3

أُسس الملتقى على فكرة الحوار وليس لمشاهدة الأفلام فحسب، لذا مع كل دورة جديدة يتم استضافة مجموعة من المتخصصين، وفي جلسة الأقصر كانت الدكتورة إيناس الجزار، استشاري الدعم النفسي، متأهّبة للحدث، رغم أنها تحضره لأول مرة، كذلك شعرت الممثلة انجي وجدان، كما شاركت أيضًا المخرجة كاملة أبو ذكري، ودكتور ألكسندر بودیروزا، ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في مصر، فيما أدارت الجلسة الطبيبة النفسية سارة ويلسن.

على شاشة العرض تعاقبت عشرة أفلام بين كل خمسة يخصص وقتًا للمناقشة، في أول جلسة لم يكن للنقاش نهاية، حتى أنه تخطى الوقت المسموح له. يرفع الحضور أياديهم لطرح أسئلتهم أو لحكي مواقف مشابهة مروا بها.

45

تلتقط صفاء فيصل ما حدث في الفيلم الأيرلندي "كيف كان يومك؟"، يحرك بداخلها مشاهد مرت بها، تحكي ابنة محافظة قنا "وأنا في المواصلات لقيت أم بتزعق لابنها وبتقوله أنا أصلًا مكنتش عايزة أخلفك"، يتماس الموقف مع فكرة الفيلم الذي يناقش مشاعر أم تجاه ابنتها التي وُلدِت بشكل غير طبيعي، يتعمق في صراعها الداخلي بحلمها بأن تعيش أمومة مثل باقي أقرانها، لكنها في نهاية الفيلم تتغير دفة تصرفاتها تجاه الصغيرة، لكن صفاء لم تستطع أن تقدم شيئًا "مكنتش عارفة إزاي اتصرف في موقف زي ده".

بين خمسة عشر آخرين جاءت الفتاة صاحبة الـ25 ربيعًا من بلدتها في قنا "أول ما شوفنا الدعوة للملتقى قولنا لازم نحضر"، منذ عام 2013 وبدأ اهتمام صفاء بالقضايا المجتمعية لاسيما التي تخص المرأة "زي الزواج المبكر، العنف الأسري، التعليم والختان"، انضمت إلى جمعية كريتاس، التي تمتلك سبعة مكاتب في مصر "وبقينا بنلف على القرى في قنا نعمل ندوات توعوية بالقضايا دي".

67

خلال متابعة العروض تلقت الفتاة العشرينية معلومات جديدة بخصوص قضايا المرأة، بنعومة يتحدث فيلم هولندي عن الزيادة السكانية، كيف تؤثر في علاقة البطلة ميرونا بأسرتها، أحلامها بألا تصير حياتها مثل باقي سيدات القرية وطموحها بأن تصبح ضابط شرطة "بالنسبة لي أدركت النهاردة إن الفيلم ممكن يختزل محاضرات، النهاردة أنا خارجة بمشاعر ومعلومات عن قضايا مختلفة في يوم واحد".

ذلك الدافع حرّك دكتور إيناس الجزار، استشاري الدعم النفسي لتكون ضمن أعضاء لجنة النقاش في جلسة الملتقى بالأقصر، تتذكر حين أخبرتها إحدى طالبات المشورة "إنها فهمت المدمن بيمر بإيه لما شافت مسلسل في التلفزيون، وده خلاها تعرف إزاي تتعامل مع جوزها، الفن أسهل بوابة تعبر عن أي فكرة حتى لو علمية أو طبية".

89

وسط النقاش يسأل أحدهم لماذا تبدو أحيانًا بعض الأفلام المعبرة عن قضايا مهمة غير ممتعة، تتلقّف المخرجة كاملة أبو ذكري سير الحديث "كل واحد بيستقبل الفن بشكل مختلف، في اللي بيحب الأعمال اللي فيها أحداث كتير وأجواء تشويق، وفي اللي بيحب اللي يلمسه أكتر أو ينوّر حاجة جواه"، فيما تحكي الممثلة انجي وجدان أنه رغم وجود فيلمي "ابن بنوت"، و"صباح الفل" من النوع الكوميدي "إن ده لايق على المشكلة اللي بيتكلموا عنها، لكن ممكن الكوميديا اللي هي حاجة ممتعة ومسلية تبقى مضرة وتسئ لمجتمع كامل".

يتنقل الحوار بين دفتي السينما والطب النفسي، من أول لحظة وقررت إيناس الجزار "إني مش جاية أقول وصايا نفسية، أنا حابة أسمع من الناس أكتر، وأشوف إزاي ممكن فيلم يخليهم يحكوا مواقف مروا بيها"، يفتح الحضور قلبه للجلسة، يتبادر البعض بسرد تجارب شخصية، يمتّن أعضاء اللجنة لهم، بينما يشعر النجار مع تعليق أو سؤال أن مراده تحقق.

10

11

"كل مرة الجمهور بيسأل بسمع حاجة مش متوقعها، بنتعلم أكتر، وده بيخلينا نؤمن أكتر بفكرة ميدفيست"، يحكي مؤسس الملتقى لمصراوي، سافر بمكتبته السينمائية خارج مصر، إلى تونس، لندن وأمريكا "اختلاف الثقافات كان بيخلينا نسمع تعليقات متخطرش على بالنا، في أمريكا كانوا بيحكوا إنهم بيشوفوا في الشوارع البشر اللي في الأفلام لكن عمرهم ما عرفوا حياتهم عاملة إزاي"، فيما كان لتونس صدمة حين عرض أحد الأفلام التي تناقش قضية ختان الإناث "هما مكنوش فاهمين الفكرة أو إزاي ده بيحصل في بلاد من الأساس".

مع كل عام جديد تزداد تطلعات النجار للمُلتقى، صارت مكتبته بها 33 فيلمًا، فيما يكرر نداءه لكل صناع الأفلام "لو حد عنده فيلم مناسب لفكرة الملتقى يبعت لنا"، أما الفترة المقبلة فيعمل على ورشة كتابة سيناريو بين طلاب كليات الطب وصناع الأفلام "هنعمل ورشة تطوير سيناريو، وهنوصلهم بمنتجين يقدروا يمولوا لهم الأفلام دي".

1213

لأول مرة تشارك الممثلة انجي وجدان بفعالية مثل ميدفيست "دي أول مرة حتى أشوف الأفلام المعروضة لإنها تعتبر أفلام مهرجانات مش تجارية"، تتحمس الممثلة الشابة لأي أفلام تناقش قضايا المرأة كما تحكي لمصراوي، وما زادها شغفًا فكرة عرضها بالصعيد "نفسي يبقى عندنا فكرة سينما الشارع، حضرتها مرة في أمريكا عبارة عن شاشة عرض في الشارع وبتتعرض أفلام، أظن دي هتفرق قوي معانا".

لمس كل فيلم جزءًا خاصًا في روح وجدان، حين تم عرض فيلمًا عن الأمومة "وإن ممكن أم تفقد حياتها عشان تديها لشخص تاني اتأثرت جدًا لإن أعرف صحاب ليا مروا بالتجربة"، تمتن الممثلة الشابة لوجود السينما "بنقدر نحكي من خلالها، أنا حاليًا مهتمة بإني أقول للناس إنهم يكونوا حلوين زي ما هما، والاختلاف مش معناه وحش، بحاول أعمل ده من خلال أي شغل جديد".

14

15

بين قضايا التعليم والسكان تنوعت التيمة المعروضة في جولة الصعيد، يتمنى مينا النجار أن يعرض ذات مرة "تيمة عن اللحظات الطبية اللي بتغير في حياة الإنسان، زي لحظات اكتشاف المرض أو الألم، دي بتكون لحظة مؤثرة ودرامية جدًا"، لازال يبني الطبيب الشاب مكتبته السينمائية، ينظر لـ"ميدفيست" بكل إيمان "إحنا مصدقين اللي بنعمله، وكل مرة ده بيتأكد لنا بالصدى وعدد الجمهور اللي بيحضر"، يأمل أن يحدث تعاونًا مع جهات الدولة "ونبقى بنعرض في قصور الثقافة، محدش يكره إن الصحة تبقى واصلة بشكل أفضل للناس في بلدنا".

إعلان

إعلان

إعلان