• "يستاهل الجنة".. مشاهد من سيرة شهيد "الدرب الأحمر"

    07:16 ص الثلاثاء 19 فبراير 2019

    كتب- محمود عبدالرحمن وأحمد شعبان:

    في الثامنة من مساء أمس الاثنين، استقبل "إبراهيم محمد" مكالمة هاتفية من صديق عمره، "محمود أبو اليزيد"، اطمأن على حاله، ودار بينهما حديث حول رحلة الأخير المرتقبة لأداء مناسك العمرة، بينما أخبره بنيته زيارة منزله، والجلوس مع أفراد أسرته لحل مشكلة وقعت مؤخرًا: "قالي أنا هجيلك ونخلّص كل حاجة ومتتكلمش مع الأولاد". اتفق الاثنان على اللقاء، وبعد ساعة انفجرت قنبلة أصبح لقاء الاثنين بعدها مستحيلاً.

    كانت وزارة الداخلية أعلنت في بيان لها، مساء أمس، انفجار قنبلة في حارة الدرديري بالدرب الأحمر، لدى تعقّب إرهابي في الحارة، ليخلّف الحادث وراءه 6 مصابين، و3 شهداء، بينهم "محمود أبواليزيد"، أمين شرطة في قسم الدرب الأحمر، فيما أمر النائب العام المستشار نبيل صادق بتشكيل فريق من النيابة العامة، وفتح تحقيق عاجل في الحادث الإرهابي.

    عبر هاتفه، علم "إبراهيم" بالخبر، نزل عليه كالصاعقة، ارتجف قلبه، مرت عليه اللحظات بطيئة، يتمتم في طريقه من إمبابة إلى الدرب الأحمر بالدعاء لرفيق عمره، تتداعى إلى ذهنه المواقف التي جمعتهما: "كان أكتر من أخويا وأغلى حاجة عندي في الدنيا"، وعندما وصل إلى موقع الحادث، لم يستطع أن يحبس دموعه كلما ذُكر اسم رفيقه "أبو اليزيد"، ذي الـ36 سنة.

    يحكي "إبراهيم" عن الشهيد: "كان ملاك ماشي على الأرض، كل شبر بيمشيه الناس بتسلّم عليه، كان بينجد ويساعد أي مظلوم، وكان هيروح عمرة الأسبوع الجاي هو وأمه لكن خلاص".

    اعتادا أن يجتمعا كل أسبوع مع عدد من الأصدقاء لتمضية بعض الوقت "بسرعة كدة سبتنا ومشيت يا محمود، مين هيجمعنا من بعدك؟"، يقولها باكياً كأنه يناجيه.

    "يستاهل يبقى شهيد" دارت العبارة على ألسنة الأهالي المتجمعين، ممن عرفوا الفقيد، يروي "محمد عبدالله"، شاهد عيان وصديق "أبو اليزيد" أن الأخير كان في مقدّمة رجال الشرطة الذين لاحقوا الانتحاري "لو مكنش عمل كدة كان الحدث هيكون أكبر من كدة وناس كتير هتموت".

    فيما يقول محمد محسن، سائق "توك توك": "مشفناش منه حاجة وحشة طول عمره من وإحنا أطفال صغيرين وهو شغال هنا"، لم يتعرض لأحد بأذى، كان طيبًا ناصحًا "عمره ما ظلم حد، اللي بيشوفه يغلط ينصحه يبعد عن اللي بيعمله".

    حين رأى الشابان جثة الشهيد لم يتمالكا أعصابهما، كان المشهد عصيبًا، تذكرا مواقف جمعتهما به.

    في إحدى المرات استقل توك توك برفقة محسن قادمًا من باب الخلق في اتجاه الباطنية "قابلنا ست كبيرة في الطريق، حاول يديها حاجة لله، قالت له أنا مش محتاجة"، طلب منها الدعاء، مازحه الشاب "ما تديني أنا طيب الفلوس دي".

    كان يحب فعل الخير و"مفيش أمين شرطة عدّى على الدرب الأحمر زيه"، يروي محسن والدموع تغالبه، فيما يبتسم حين يذكر أنه "مكنش يركب معايا غير ويقولي بعد إذنك ممكن توديني المكان الفلاني، فكنت بوصّله وأنا نفسي راضية".

    يتمنى "محسن" أن يتم تخليد اسم "أبو اليزيد"، وأن تقام له جنازة عسكرية، علّ ذلك يذكّر أبناء المنطقة وكذا أولاد الراحل الثلاثة، بعمله العظيم، ضحّى بحياته من أجل شباب وأطفال الحي "اللي مزعلنا الفراق بس هو يستاهل المكان اللي راح فيه؛ يستاهل الجنة"، قالها "إبراهيم"، فيما اختتم محسن قوله، متحدثاً عن مآثر الراحل "لما كان عايش كان بيحبنا، ولما مات، مات من حبّه فينا".

    إعلان

    إعلان

    إعلان