"الحديد اتلوى عليهم".. قصة ضحايا برج أوسيم: اشتغلوا بدون سيفتي وحزام أمان

04:04 م الإثنين 18 نوفمبر 2019

كتب - مها صلاح الدين ومحمود عبد الرحمن:

كان روتينهم اليومي لا يتغير منذ أسبوع مضى، يستيقظون في السادسة صباحًا، يتناولون الإفطار سويًا، ثم يبدأون في فك ألواح برج الضغط العالي المتهالك، الذي أنشئ منذ أكثر من 50 عامًا، داخل موقع شركة الكهرباء بأوسيم.

30 عاملا بينهم السيد علي، أسند إليهم المقاول مهمة تفكيك البرج قبل أسبوع واحد. كان "السيد" وزملاؤه يعرفون أدوارهم جيدًا. 6 رجال فقط يصعدون فوق البرج لفك الألواح، والباقون تحت يستقبلون الألواح، ويحملونها إلى مكان آخر، استمر العمل هكذا، حتى انقلب الروتين اليومي رأسًا على عقب.

في لحظة، شاهد "السيد" الألواح تتلوى بزملائه السبعة، ثم تسقط بهم "فجأة شوفنا أصحابنا اللى فوق البرج، البرج لف بيهم بعد ما داب ووقع بيهم على الأرض".

لم يصدق "السيد" ما رآه بعينيه، كانوا على وشك الانتهاء من العمل في ذلك البرج المتهالك، الخارج عن الخدمة، كان طوله 110 أمتار، ولم يتبقَ منه سوى 25 مترًا فقط، إلا أن هيكله المتهالك، لم يتحمل 6 عمال فقط.

حاول مصطفى سيد -عامل آخر- أن يرسم صورة كاملة للمشهد، فالتقط من زميله طرف الحديث "كنا قربنا نخلص قبل الظهر، فنزلوا ياكلوا معانا.. ولما طلعوا ماتوا!".

يصمت قليلًا ثم يستأنف منفعلًا: "عمري ما هنسى منظر أصحابي، وهما بين الحديد بتاع البرج ومش عارفين نطلعهم".. التفت أسياخ البرج، وتهاوت بهم، فسقطوا تحتها "روحنا جبنا شمعة كهرباء علشان نقطع الحديد علشان نطلعهم من تحته".

بعضهم سقط ميتًا، وبعضهم لفظ أنفاسه الأخيرة أسفل أسياخ البرج "بس اتقطعوا من حديد البرج هو لف بيهم وقفل عليهم وهما جواه كان المنظر مأساويًا!"، يقول مصطفى.

كانت مديرية أمن الجيزة أوضحت في بيان إنه بتاريخ 17 نوفمبر تم إبلاغ مركز شرطة أوسيم من إدارة شرطة النجدة بسقوط برج كهرباء ووجود متوفين ومصابين داخل محطة كهرباء غرب القاهرة الكائنة بقرية سقيل دائرة المركز. وأسفر الانهيار عن وفاة 4 عمال، -اثنين من محافظة الدقهلية والآخرين من قنا-، وإصابة ثلاثة آخرين، انضم أحدهم إلى قائمة المتوفين منتصف ليل أمس.

قبل غروب الشمس بقليل، وبعدما انتهى رجال النيابة من سماع أقوال الشهود في موقع الحادث، أخلت جميع الشركات مواقعها من العمال قبل موعد خروجهم اليومي، وأصدرت شركة الكهرباء تعليمات صارمة بعدم دخول أي شخص إلى موقع الحادث، أو أي مواقع أخرى داخل الشركة.

وسرعان ما اختفى الجميع، ولم يتبق أمام بوابة الموقع سوى رجال الأمن، كان من بينهم "جمال البوشي"، مشرف الأمن، الذي تحفظ في الحديث في البداية: "هقول إيه أكتر من اللي اتقال، الموقع اتخلى كله من وقت الحادثة، كل الشركات أخلت مواقعها ومشت العمال".

ثم أكد بعدها أن هؤلاء العمال لم يكونوا تابعين لوزارة الكهرباء، وأن من يُسأل عنهم هو المقاول المكلف بالأعمال في جميع الأبراج المحيطة.

التقط منه زميل آخر الحديث بمزيد من الجرأة - بعدها طلب عدم نشر اسمه: "العمال طلعوا عالبرج من غير أي حاجة تحميهم، من غير سيفتي، من غير حزام أمان.. المقاول هو المسؤول".

كان المهندس طارق عبدالحميد، رئيس شركة القاهرة لإنتاج الكهرباء، أكد في تصريحات صحفية، أنه لا توجد بالحادث أي شبهة جنائية، وأنه من الوارد أن يكون ما حدث نتيجة لسوء تقدير للموقف أو خطأ بشري؛ لأن مثل هذه العمليات تحتاج لعمالة متخصصة في عمليات فك وتركيب الأبراج ذات الارتفاعات الشاهقة.

في محيط مستشفى أوسيم المركزي، الذي نقل إليه الضحايا، كانت الأجواء هادئة، قليل من المرضى يتراصون هنا وهناك، ينتظرون دورهم أو دور ذويهم في الكشف في ساحة الطوارئ، وإجراءات أمنية شبه منعدمة.

أما ساحة المستشفى الداخلية كانت شبه خالية، سوى من بعض العاملين ورجال أمن المستشفى، على أطراف هذه الساحة بدت ثلاجة جثامين الموتى مهجورة وكأنها خالية من أهالي الضحايا والعمال على حد سواء.

أمام البوابة المغلقة، ظهر أحد العمال من بين الظلام الدامس، قال إن الضحايا بدأوا في التوافد على المستشفى في سيارات الإسعاف واحدًا تلو الآخر، قرابة الساعة الواحدة ظهرًا، مشيرا إلى أنه لا يوجد بالداخل سوى جثامين الرجال الأربعة.

سرعان ما قطع حديثه ظهور العقيد علي حسن، مدير أمن المستشفى، الذي منعه من الاستكمال، ليضيف رواية شبه رسمية: "وصلنا 6 حالات، 4 منهم وصلوا المستشفى متوفين، و2 مصابين.. دلوقتي الجثامين جوه المشرحة مستنيين تصاريح الدفن، والأهالي تيجي تستلمهم". ثم أضاف: "الأهالي مش موجودين حاليًا.. بعضهم بيخلص تصاريح الدفن، وبعضهم جايين من مسافات بعيدة ولسه ما وصلوش".

وأوضح الدكتور مجدي عبدالفتاح، مدير المستشفى، حالة الضحايا، قائلًا: "الحالات اللي وصلتنا كانت حالتهم بين كسور وتهشم في الجمجمة، أما المصابون، فأحدهم كان سليم الجسد، وأصيب بصدمة عصبية لما شاهده أثناء الحادث، وخرج من المستشفى منذ قليل، والثاني حالته كانت صعبة، كسورًا في الجمجمة والحوض، فعملناله إسعافات أولية وحولناه على قصر العيني". وتوفي هذا المصاب في منتصف الليل.

بعد قليل، ظهر 6 من الأهالي معهم لفافة بداخلها كفن، رفضوا الحديث في البداية عن ابن عمومتهم المتوفى. "هو ده وقته"، قالها جاد سيد أبوالوفا، وبعد قرابة نصف الساعة، قَبِل أن يتحدث لنا، وكأنه يرغب في الفضفضة "اللي مات ابن عمي سعيد أسعد أبوالوفا، متجوز من 10 سنين، وعنده 3 أولاد، أكبرهم عمره 7 سنين".

يعمل سعيد مع هذا المقاول منذ أكثر من عام، وقتها كان الرجل الحاصل على دبلوم فني صناعي، عائدًا من فترة عمله في الكويت "ما مشيش في الشغل هناك.. فرجع يشتغل هنا"، يغيب سعيد عن أسرته التي تمكث في دشنا، ويعيش بالمساكن التابعة للعمل مع زملائه، ويعود إليهم مرة في الشهر.

وعلى الرغم من أن جاد يعيش في شبرا الخيمة بالقاهرة، إلا أنه لم ير ابن عمومته منذ ثلاث سنوات.

علم جاد بالحادث من خلال منشور على فيسبوك، نشره أحد زملاء ابن عمه في الشركة، ونشر اسمه ضمن الضحايا، فحضر إلى المستشفى على الفور.

أما شقيقه أمين الشرطة، فقد هرع لإنهاء إجراءات تصاريح الدفن. وفي الطريق من قنا، تحركت 4 سيارات يستقلها الأقارب لمرافقة الجثمان وإنهاء مراسم الدفن بالصعيد، لكن هذا الموكب لم يكن قد وصل بعد. أما النساء، فتحركن على موقع المقابر مباشرة، في انتظار الراحل، لتشييعه إلى مأواه الأخير.

على الجانب الآخر، جلست سيدة تتشح بالسواد، تحتضن ابنتها وتبكي بحرارة. السيدة هي شقيقة أحمد إبراهيم، أحد ضحايا الحادث وهو من "طلخا" بالمنصورة. لكن أخته تعيش مع أهل زوجها في أوسيم، فتوجهت إلى المستشفى على الفور، لتنتظر قدوم أقاربها.

كان أحمد شقيقها الأصغر الذي لم يبلغ الـ22 من العمر بعد، أنهى مراسم خطبته قبل ثلاثة أشهر فقط، وكان عليه أن يعمل بجد، حتى يتزوج قريبًا، لهذا توجه للعمل في أبراج الكهرباء منذ شهر واحد فقط. سكن مع العمال لذا لم تكن تراه بانتظام، "لم يكن يعلم أن محاولته للتغلب على ضنك العيش وقلة الحيلة، ستكون بوابته للخروج من الدنيا.. ومات".

إعلان

إعلان