• بالصور- في مهرجان "أليف".. حديقة حيوان مصغرة بمصر الجديدة

    06:25 م الثلاثاء 06 نوفمبر 2018

    كتبت وتصوير-إشراق أحمد:

    تمسك آية يحيي بيد صغيرتها مريم، تقف عند كل ركن بعض الوقت، تخبرها "بصي دي سلحفاة، شوفي الكلب، وده بقى صقر". تقترب ذات الثلاثة أعوام من الحيوانات والطيور التي تملأ حديقة الطفل في مصر الجديدة، وإن شاءت لمستها. فرصة وجدت الأم العشرينية أن تنتهزها مع ابنتها لممارسة التعليم المنزلي في مهرجان "أليف" لمحبي ومربي الحيوانات الأليفة.

    يوم السبت الماضي، أقيم مهرجان "أليف" السنوي الثالث. عرفت آية عنه العام الماضي لكن بعد انتهاء الموعد، لذلك حرصت على متابعة الأخبار حتى تلحق بالحدث هذه المرة "مريم بتحب الحيوانات ومن ساعة ما قلت هعلمها في البيت وإحنا بنروح أماكن فيها حيوانات لكن مش بالشكل ده" تقول الأم دون أن ترفع عيناها عن صغيرتها التي تقفز حولها، وتدفعها لرؤية المزيد من الكائنات.

    في ساحة مركز الطفل للإبداع والحضارة، خُصص اليوم لزوار المهرجان. لا تتوقف سيارة أمام مدخل المكان إلا ويترجل عنها أحدهم وبيده حيوان يصحبه للداخل، في مشهد تألفه العين بتكراره، أما المساحة الخضراء اُفترشت بأقدام المربين والمحبين، وبينهم أماكن وضعت فيها زواحف وطيور وحشرات، فضلا عن الكلاب التي تغادر حبالها أيادي أصاحبها.

    1

    قبل ثلاثة أعوام أراد محب للكلاب يدعي أحمد سليمان العجان أن يجمع محبي ومربي الكلاب والقطط مثله. رغب أن يتبادلون هوايتهم ومعرفتهم عن حيواناتهم في مكان واحد على مدار يوم كامل. أقيم الحدث لمرتين مقتصرا على تلك الحيوانات الأليفة، قبل أن يتوسع بمشاركة مربي كائنات أخرى، وكان محبي تربية السلاحف أول المشاركين العام الماضي.

    في ركن منزوي، يسار الدخول إلى الحديقة وبدء الجولة داخل المهرجان. تجمع أعضاء رابطة محبي السلاحف. مع التاسعة صباحا بدأت استعدادات اللقاء الثالث لهم، إذ تُقام الفاعلية كل ستة أشهر.

    هيأ أحمد حلمي -القائم على الرابطة- ورفاقه ما يشبه حظيرة صغيرة لوضع السلاحف، أحاطوها بأسوار من السلك والكارتون وافترشوها بالخس والجرجير. كانت تلك الحظيرة محط زيارة الحضور، يتوالى الصغار مد أيديهم إليها، بعضهم مدفوع من آبائهم للتجربة والأكثر يفعل ذلك رغبة منه، يلتقط أحدهم سلحفاة أو يلمسهما، بعدها ترتسم ابتسامة عريض لا يلحقها كلمة، تكفي للتعبير عن التجربة.

    2

    "دي فرصة عشان نلتقي ونتبادل الخبرات" يقول حلمي، القائم على رابطة محبي السلاحف، والتي أنشأت على فيسبوك عام 2014، بهدف تصحيح المفاهيم الخاطئة لمربي ذلك النوع من الزواحف، لكن حتى المشاركة في المهرجان كان التواصل إلكترونياً بين أعضاء الرابطة البالغ عددهم 60 ألف شخصًا من داخل وخارج مصر حسب قول حلمي.

    أصبحت الوجوه مألوفة بعد مرات اللقاء، وكان لذلك تأثير على حلمي، الذي يقدر امتلاكه للسلاحف بـ40 عامًا "سلوكي اتغير كنت جاف شوية في الأول لأني كنت بتعامل معاهم من ورا الشاشة"، في كل مرة يكون هناك أنشطة مختلفة تفيد الحضور فيما يتعلق بغذاء حيواناتهم والأمراض التي تصيبها أو حتى تبادل السلاحف للتزاوج.

    يقول حلمي، إن تربية السلاحف تحتاج إلى الخبرة العملية بجانب البحث المعلوماتي، والأخير تتكفل الصفحة الإلكترونية بتقديمه، أما الخبرة يتشاركونها بالتلاقي، يشير الرجل الأربعيني إلى شجرة مجاورة لمكان جلوسه، يحكي أنها شهدت وضع سلحفاة لبيضها تحتها في آخر لقاء لهم، لينقل للحضور كيفية الاعتناء بالحيوان في تلك الحالة.

    3

    وبينما يواصل أعضاء الرابطة رص أكواب بها نبات الصبار، الذي تتغذى عليه السلاحف لتوزيعها على المشاركون، أخذ البعض يلقي التحية على سيدة ترتدي اللون الزهري وتحمل في يدها علبة كرتونية تضم أربعة سلاحف صغار. "هم دول اللي اتولدوا المرة اللي فاتت؟" تسأل شابة فاطمة عبد الله، فيما تبتسم الأخيرة مجيبة "أيوه دول ولادي الصغننين".

    مارس المنصرف كان اللقاء الأخير لمحبي السلاحف في مهرجان أليف. جلبت فاطمة سلحفاتها "زلابية" كما لقبتها، لم تكن تعلم أنها ستضع بيضها اليوم، إلا حينما لاحظت توجها نحو شجرة والحفر تحتها.

    تزامن ذلك مع جلب أحد المشاركين إلى "حضّانة" لشرح مراحل إنجاب السلحفاة منذ وضع البيض وحتى الفقس، لتعود فاطمة يومها بـ"زلابية" والحضانة تضم خمس بيضات، فقست أربعة منها، هم ما جلبتهم في تجمعهم يوم السبت.

    4

    تمسكت فاطمة بحب السلاحف بسبب والدتها، هي مَن أحضرت لها "زلابية" وحينما توفت قبل سنوات، قررت أن تواصل تربيتها، خاصة أنها لم تتزوج وليس لديها أبناء. عاشت فاطمة تجربة الأمومة مع السلاحف الصغيرة، حتى أنها رفضت إجراء عملية جراحية في يدها اليمنى رغم حاجتها لذلك واكتفت بالعلاج كي لا تنقطع عن إطعامهم.

    ارتبطت فاطمة بسلاحفها، التي كانت نافذتها على التواصل مع صحبة جديدة، تلقاهم في المهرجان، وبات لها دعاء تداوم عليه "يارب لو أخدتني خدنا كلنا عشان مفيش حد هيعتني بيهم ويأكلهم من بعدي".

    أحجام مختلفة ضمها ركن محبي السلاحف، لكن جميعها أثرت في سلوك أصحابها، حتى ممن يحضر المهرجان لأول مرة حال هدى محمود. جاءت طالبة الفرقة الثانية بكلية الآداب من منطقة البساتين إلى مصر الجديدة، حرصت أن تحكم ربط "فيونكة" ذات ألوان صارخة على سلحفاتها "دوناتيلا"، مما جعلها مميزة بين غيرها.

    5

    منذ 10 إبريل الماضي وتبدلت حياة هدى، أهداها أصدقاءها "دوناتيلا"، ومعها شعرت بالمسؤولية كما تقول "بقيت أصحى الساعة 6 الصبح عشان أكلها قبل ما اروح الكلية"، حتى تهيئة الجو داخل المنزل أصبح يأخذ في الاعتبار السلحفاة "في البيت بقوا بيلخوا بالهم لو المروحة مفتوحة أو وهم ماشين ودوناتيلا بتتحرك"، حتى مشاركتها في المهرجان كان لأجلها "جيت عشان هي مبتخرجش كتير عايزاها تتشمس" تقول هدى بينما تمسك بسلحفاتها وتعيدها للأرض "حاسة أنها سعيدة وعايزة تتحرك".

    يتنقل مربو ومحبو الحيوانات داخل أرجاء المهرجان في انسياب، لا يتوقف طلب التقاط الصور مع الحيوانات والطيور المختلف أشكالها أو ما لا تتوافر فرص كثيرة لحملها مثل الثعابين والصقور. تبتسم آية بينما تقول "سألت عن حاجة اتقال لي دي سحلية الإجوانا.. الإجوانا دي كنت بشوفها في الكتب". تسير الأم في المهرجان كاتمة خوفها حتى لا ينعكس لابنتها "أول مرة أشوف كم الحيوانات دي عن قرب".

    6

    تُسرع الصغيرة مريم نحو ركن يضم قوارض وبلورات تحوي أشياء لا ترى من بُعدٍ. تمسك الابنة ببلورة داخلها رمل، ويظهر منها حشرة تتماهى مع تلك الحبيبات الصفراء، كانت عقرب. تحملها وتذهب إلى آية، لم تتبين الأم شكله في البداية، إلا حينما قربته إليها طفلتها. تداخل انزعاجها مع رغبتها في إبهار ابنتها "إيه ده عقرب شوفي الفتحات الصغيرة دي عشان يتنفس يلا روحي براحة رجعيه مكانه" هكذا خاطبت الأم ابنتها مريم قبل أن يكملا جولتهما داخل المهرجان.

    في ركن الزواحف والمفصليات، تتراص الصناديق الزجاجية، وأمامها تنفتح العيون منبهرة برؤية العناكب وثعابين السيور، وثعبان الأصلة والحرباء والتماسيح الصغيرة. رغم زيادة أعداد المربين لتلك الكائنات كما يقول رامي الدشتي، مربي وصاحب معرض لبيع الزواحف منذ 10 أعوام، يشارك في المهرجان، لكن لازال الصورة الذهنية المأخوذة بأن جميع الثعابين سامة تسيطر على أسئلة المترددين.

    7

    "هم 2400 نوع يزيدوا أو ينقصوا، 600 بس هو اللي سام" تداخل أحمد درويش، مربي للزواحف، في الحديث موضحًا، يشارك درويش للمرة الأولى في المهرجان. لفت انتباهه الحضور الكبير للأطفال بصحبة أسرهم. استعاد معه مشهد امتلاكه لأول حيوان في حياته "كان قنفد صغير جبتهولي والدتي".

    كان الشاب الثلاثيني يقيم في السعودية حين عودته والدته الأجنبية الجنسية على تربية الحيوانات غير المألوفة ودعمت حبه بقراءة الكتب عن الديناصورات والمغامرات، فكبر درويش محبًا لكل ما يزيد شغفه نحو مغامرة جديدة.

    يمسك درويش بأحد القنافد الموجودة بركن الزواحف يقربه من أحد الأطفال، يطالبه أن يضع يداه عليه، يحمله الصغير على استيحاء ثم يطلق ضحكة بريئة من نشوة التجربة، وتلتقط له والدته صورة.

    يقول درويش إنه قبل نحو 12 عامًا لم يكن هناك أماكن لبيع الزواحف كما الآن "كنا بنعتمد على اللي بنصطاده بس"، معتبرًا أن مهرجان "أليف" فرصة لتوعية الناس وإفادتهم حول ما يتعلق بتلك الهواية التي تحتاج لرعاية واهتمام ممن يقرر ممارستها.

    8

    بين المتواجدين في المهرجان، والانشغال بالتقاط الصور، ولعب الصغار في ركن الملاهي الذي يشكل خلفية المشهد أو ركوب الحصان. كان ثمة شخص يخترق الصفوف بين الحين والآخر يحمل طائرًا مرة، ويصحب كلبًا حينًا، ويلف حول عنقه ثعبان الأصلة الضخم تارة أخرى، ثم يذهب بها إلى ركن السلاحف. فبذلك حرص إسلام شحتة على كسر الخوف من الحيوانات عند كل مَن يعرفه في رابطة السلاحف، ولا يرى وسيلة أخرى لمحبة الحيوانات إلا بالاحتكاك معها.

    وكما أن "أليف" كان فرصة للمترددين في رؤية كم من الحيوانات والطيور، هو أيضًا مساحة للمشاركين للتعبير عن دورهم وما يسعون إليه، ويبدأ هذا بلفت الأنظار؛ فعلى مقاعد جلس أعضاء نادي الصقار المصري، بينما تحمل سواعدهم صقور مختلفة الأحجام، ما إن يرفعوها علوًا حتى تفرد جناحيها في قوة.

    9

    قبل خمسة أعوام أسس محمد موافي نادي الصقار المصري. انفصلوا عن اتحاد الطيور الجارحة، وأصبح لهم تواجد في الفاعليات المهتمة بالحيوانات والطيور، وذلك من أجل التوعية بالممارسات الخاطئة في تربية الصقور والنسور، يحمل موافي صقر انقذته الرابطة في مارس الماضي، بعدما فقد إحدى عيناه لأن صاحبه خيط جفنه كي لا يرى بدل من "البرقع" أو الغمامة التي توضع على عين الصقر في غير أوقات الصيد.

    المشاكل الصحية أكثر ما يسأل عنه العارفين بأمور الصقور، أما نوع الطيور هو ما يشغل رواد المكان من محبي ومربي الحيوانات الأخرى كما يقول موافي.

    كمغامرة يخوضها الصغار ومسرح يلتقي عليه الكبار ممن يربون الحيوانات، تنقضي الساعات في المهرجان. ولم تنته الجولة إلا بصورة حظيت بها ملك مع صقر "العِقاب" رغم غرامها بكلاب "الجيرمن"، ويقين عاطف محمد بأن حب ابنته كارما للثعابين يزيد يومًا بعد الآخر، فيما استغلت ماهي الفرصة لإخبار الغرباء أن "الدوتشي" كلب طيب خلاف هيئته الضخمة، أما مريم ووالدتها فعادا بسعادة خاصة بإيجاد مساحة للتعلم غير التقليدي.

    10

    إعلان

    إعلان

    إعلان