إعلان

بعد زيارة ترامب للصين.. هل فقد النظام العالمي أحاديته القطبية؟

كتب : محمد طه

02:11 ص 17/05/2026

زيارة ترامب للصين (وكالات)

تابعنا على

انتهت زيارة دونالد ترامب إلى الصين، الجمعة، من دون اختراق حاسم في الملفات الخلافية الكبرى، لكن هذا لا يقلل من وزنها السياسي، لأن أهم ما أظهرته القمة لم يكن ما حُلّ خلالها، وإنما ما بقي عالقًا بعد انتهائها، وكيف اختار كل طرف أن يقدّم روايته الخاصة لما جرى داخل الغرف المغلقة. فبينما حرصت بكين على الحديث عن "رؤية جديدة" للعلاقة تقوم على "الاستقرار الاستراتيجي" وتوسيع قنوات التبادل والتواصل، خرج ترامب وهو يتحدث عن التجارة، وعن اتفاق مع شي على ضرورة فتح مضيق هرمز، فيما بقيت تايوان في قلب المشهد بوصفها الملف الذي لم يُحسم، والورقة التي لم تُسحب من الطاولة.

وعلى هذا الأساس، تبدو القمة أقل شبهًا بلحظة تسوية منها بمحطة كشفت بوضوح أن العالم ما يزال أمريكي المركز، لكنه لم يعد سهل الإدارة من واشنطن وحدها.

إنفوجراف

زيارة ترامب للصين.. ما الذي قالته بكين؟

الرواية الصينية الرسمية بعد القمة كانت منضبطة بعناية، وهذا في حد ذاته يحمل معنى سياسيًا لا يقل أهمية عن تفاصيل الملفات نفسها.

وكما نقلت المنصات الرسمية الصينية عن وزير الخارجية وانج يي؛ فإن لقاء شي جين بينج وترامب كان "مثمرًا" والجانبين توصلا إلى "توافق مهم" على بناء علاقة صينية أمريكية ذات "استقرار استراتيجي بنّاء"، مع توسيع التبادلات في مجالات الدبلوماسية والعسكر والاقتصاد والتجارة والزراعة والثقافة.

هذه اللغة لا تعني، في القراءة الصينية، إنهاء التنافس، وإنما تثبيته داخل إطار يُمكن التحكم فيه، بحيث لا ينزلق إلى مواجهة مباشرة، وفي الوقت نفسه لا يمنح واشنطن حق تحديد قواعد العلاقة وحدها.

تزداد أهمية هذه الصياغة إذا قرئت إلى جانب الطريقة التي رتبت بها بكين أولوياتها في الخطاب العلني؛ فوفق التغطيات المتقاطعة، قدّم الجانب الصيني "مسألة تايوان" بوصفها القضية الأخطر والأكثر حساسية في العلاقات الثنائية، فيما جاءت ملفات أخرى مثل إيران والتجارة في مراتب تالية داخل البيانات العلنية.

من هنا، لا تبدو بكين كأنها ذهبت إلى القمة لطلب التهدئة فحسب، وإنما ذهبت أيضًا لتثبيت جدول أعمالها الخاص: الاستقرار نعم، ولكن على قاعدة اعتراف أمريكي بأن للصين خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها، وفي مقدمتها تايوان.

ما الذي قالته واشنطن عن زيارة ترامب؟

الرواية الأمريكية جاءت مختلفة في ترتيب الأولويات وفي نبرة التقديم. إذ غادر ترامب بكين وهو يروّج للاتفاقات التجارية ويتحدث عن أجواء جيدة مع شي، ثم أضاف أن الرئيس الصيني يتفق معه على ضرورة أن تعيد إيران فتح مضيق هرمز، وأن الجانبين متفقان أيضًا على منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

لكن المثير هنا أن هذا التركيز الأمريكي على إيران والتجارة لم يواكبه إعلان صيني مماثل في الدرجة نفسها من الوضوح، وهو ما يعني أن واشنطن أرادت أن تظهر القمة باعتبارها مساحة أنتجت نتائج عملية، فيما فضّلت بكين أن تقدمها بوصفها خطوة في إعادة ضبط قواعد العلاقة الأشمل.

هذا الفارق مهم تحليليًا، لأن النظام الدولي لا يُقرأ فقط من خلال الوقائع الصلبة، وإنما أيضًا من خلال ما يختار كل طرف أن يُبرزه للرأي العام بعد التفاوض؛ فحين تتحدث واشنطن عن هرمز والتجارة، بينما تتحدث بكين عن "الاستقرار الاستراتيجي" وتوسيع قنوات الاتصال، يصبح واضحًا أن الطرفين لم يذهبا إلى بكين وهما يحملان الخريطة نفسها للنجاح.

من هذا المنطلق، لم تكن القمة لحظة تقارب متطابق، هي لحظة إدارة اختلاف، وهذه نقطة أساسية لفهم لماذا يبدو العالم اليوم أقل أحادية وأكثر توترًا.

تايوان.. ملف لم يغادر طاولة ترامب وشي

في ملف تايوان، تتكشف أكثر صور الندية الصينية وضوحًا بعد القمة؛ فشي جين بينج قال، وفق الروايات المتقاطعة من المنصات الصينية والأمريكية، إن "مسألة تايوان" هي "أهم قضية" في العلاقات الصينية الأمريكية، وإن إساءة التعامل معها قد تقود إلى "صدام أو حتى نزاع"، أو تضع العلاقة في "خطر شديد".

هذا التصعيد في اللغة ليس مجرد تكرار لموقف صيني تقليدي، وإنما رسالة تقول إن بكين أرادت أن تضمن بقاء الملف في صدارة التفاوض بعد الزيارة، لا على هامشها.

إنفوجراف

في المقابل، لم يقدّم ترامب التزامًا جديدًا يمكن اعتباره تحولًا صريحًا في السياسة الأمريكية تجاه الجزيرة؛ فقد قال بعد الزيارة إنه استمع إلى موقف شي بشأن تايوان، وأكد في تصريحات لاحقة أن السياسة الأمريكية "لم تتغير".

لكنه أبقى قرار صفقة أسلحة كبيرة لتايوان معلقًا، قائلًا إنه قد يمضي بها أو قد لا يمضي.

وهذه الصياغة تكشف بوضوح أن واشنطن لم تمنح بكين ما يكفي لإعلان نصر سياسي كامل، لكنها أيضًا لم تغلق الباب أمام استخدام الملف كورقة مساومة لاحقة. ولذلك، فإن نتيجة القمة في ملف تايوان ليست تسوية، وإنما تثبيت لواقع أخطر: الصين نجحت في جعل تايوان مركزًا لا يمكن تجاوزه في أي تفاهم مع واشنطن، فيما احتفظ ترامب بهامش غموض متعمد يسمح له بالمناورة.

تزداد دلالة هذا الغموض إذا قورن بما كانت تخشاه الأوساط البحثية قبل القمة. إذ كانت تقديرات مراكز بحثية غربية تحذر من أن سعي ترامب إلى انتزاع مكاسب سريعة في إيران أو التجارة قد يفتح المجال أمام تنازلات لغوية أو سياسية في ملف الجزيرة.

وبعد انتهاء الزيارة، يتضح أن هذا السيناريو لم يتحول إلى إعلان أمريكي صريح، لكنه لم يُدفن أيضًا، لأن بقاء صفقة السلاح معلقة وإبقاء السياسة في صيغة "لم تتغير" من دون حسم تفصيلي يعكس استمرار الملف داخل مساحة التفاوض لا خارجها.

إيران.. اتفاق في الكلام لا في الالتزام

إذا كانت تايوان قد مثّلت الخط الأحمر الصيني الأوضح، فإن إيران كشفت حدود ما تستطيع واشنطن انتزاعه من بكين بعد القمة.

ترامب قال بوضوح إن شي يتفق معه على ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز، وإن الطرفين لا يريدان أن تمتلك إيران سلاحًا نوويًا. لكن هذه الصياغة الأمريكية ظلت ناقصة من زاوية عملية، لأن الجانب الصيني لم يعلن التزامًا تفصيليًا بالضغط على طهران، ولم يقدم ما يوحي بأنه تحوّل إلى شريك منفذ للسياسة الأمريكية في الخليج.

على العكس من ذلك، فإن الرواية الصينية ظلت أكثر حذرًا، إذ اكتفت بإدانة الحرب أو وصفها بأنها ما كان يجب أن تبدأ، من دون تبني الخطاب الأمريكي نفسه حول آليات فتح المضيق أو الضغط المباشر على إيران.

هذه المسافة السياسية ليست تفصيلًا صغيرًا، لأنها تكشف أن بكين تريد الاحتفاظ بمرونتها، فلا تُستدرج إلى معسكر أمريكي كامل في أزمة الشرق الأوسط، ولا تصطدم بواشنطن بصورة تقطع خطوط التفاهم.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن القمة أنتجت تقاربًا في توصيف المشكلة، لكنها لم تنتج اتفاقًا واضحًا على أدوات الحل، وهو فرق مهم بين التفاهم الخطابي والشراكة العملية.

هنا يظهر مرة أخرى وجه الاضطراب في النظام الدولي الحالي؛ فالولايات المتحدة ما تزال الطرف الذي يطلب من الصين أن تستخدم نفوذها في ملف بحجم إيران، وهذا في حد ذاته اعتراف بثقل بكين.

غير أن الصين، رغم هذا الثقل، لا تتصرف بوصفها قوة بديلة تريد أن تحمل العبء الأمريكي كاملًا، بل بوصفها قوة تصعد وهي تختار بدقة متى تتدخل، ومتى تبقي نفوذها في صورة ورقة قابلة للتوظيف لاحقًا.

ترامب وشي

التجارة والتكنولوجيا.. منطقة التهدئة المشروطة

بينما بقيت الملفات الأمنية مفتوحة، بدت التجارة والتكنولوجيا أقرب إلى المساحة التي يمكن للطرفين إعلان بعض التقدم فيها من دون ادعاء نهاية الصراع.

الصين ركزت في خطابها على توسيع مجالات التعاون والتبادل، فيما قدم ترامب الزيارة باعتبارها فرصة لتعزيز الصفقات والمكاسب الاقتصادية. لكن هذا لا يعني أن الصراع الاقتصادي تراجع إلى الخلف؛ فالطرفين اختارا إدارة النزاع هنا بمنطق الاحتواء المرحلي لا القطع النهائي.

ومن الناحية التحليلية، فإن هذه المنطقة الوسطى بين التهدئة والتنافس هي التي تمنح العنوان معناه الأدق.

فلو كانت واشنطن ما تزال قادرة على فرض قواعد العلاقة منفردة، لكانت نتائج القمة أكثر حسمًا في ملفات التجارة والتكنولوجيا والمعادن النادرة. ولو كانت بكين قد بلغت مرتبة القطب المكافئ الكامل، لكانت خرجت من القمة بإعلانات واضحة تفرض على الولايات المتحدة تغييرات مباشرة في سلوكها تجاه تايوان أو التحالفات الآسيوية.

ما حدث في الحقيقة يقع بين هذين الحدين: تفاوض متواصل، واعتراف متبادل بالحاجة إلى الاستقرار، وتمسك متبادل أيضًا بأدوات الضغط.

لماذا لا يزال النظام الدولي أمريكي المركز؟

كل ما سبق يقود إلى نتيجة تحتاج إلى دقة في الصياغة: القمة لا تثبت نهاية الأحادية الأمريكية بمعنى انتقال مركز النظام كاملًا إلى فضاء متعدد الأقطاب مكتمل البناء. كما أنها لا تثبت بقاء الولايات المتحدة في موقع السيطرة السهلة الذي عرفته مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

الأدق هنا أن نقول إن النظام الدولي ما يزال أمريكي المركز، كما تُشير هنرييتا ليفين الباحثة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، لأن الثقل العسكري، والبنية المالية العالمية، وشبكة التحالفات، والقدرة على المبادرة الدولية، لا تزال جميعها تميل بوضوح إلى واشنطن.

لكن هذا المركز بات يعمل داخل بيئة أكثر اضطرابًا، لأن الصين أصبحت قادرة على تعطيل، وتأخير، وإعادة توجيه بعض المسارات التي كانت الولايات المتحدة تتعامل معها سابقًا باعتبارها مجالاً لتقرير أحادي.

ومن هنا، فإن ما بعد قمة بكين لا يقول إن بكين حلّت محل واشنطن، وإنما يقول إن واشنطن نفسها لم تعد تتحرك في فراغ استراتيجي يسمح لها بتحديد كل الشروط منفردة.

وحين تحتاج الولايات المتحدة إلى أن تُظهر توافقًا مع الصين في هرمز، وحين تنجح بكين في فرض تايوان بندًا دائمًا في رأس جدول الأعمال، وحين يخرج كل طرف برواية مختلفة عن "نجاح" القمة، يصبح واضحًا أن ميزان القوة لم ينقلب بالكامل، لكنه لم يعد أيضًا مستقرًا لصالح طرف واحد كما كان في الماضي.

لماذا لا يزال النظام العالمي أمريكي المركز؟ (إنفوجراف)

زيارة ترامب للصين.. حين يصبح الاختلاف نفسه نتيجة

أهم ما كشفته هذه القمة الصينية الأمريكية، في المحصلة، أن النتيجة لم تعد دائمًا فيما يُوقَّع، وإنما أحيانًا فيما يُترك عالقًا مع إدارة الخلاف من دونه انفجار.

خرجت الصين وهي تؤكد أن العلاقة دخلت إطار "الاستقرار الاستراتيجي البنّاء"، وخرجت الولايات المتحدة وهي تؤكد أنها حققت تقدمًا في التجارة وأن شي يشاركها القلق من إغلاق هرمز، فيما بقيت تايوان عالقة داخل مساحة غموض مقصود.

هذه الصورة في حد ذاتها هي أفضل تعبير عن العالم الراهن: لا حرب مفتوحة، ولا تسوية كاملة، ولا قدرة لقطب واحد على فرض نهاية القصة وحده.

وعلى هذا الأساس، تبدو زيارة ترامب إلى الصين محطة ما بعد قمة لا تُقرأ بوصفها إعلانًا عن نظام عالمي جديد مكتمل الملامح، وإنما بوصفها تسجيلًا واضحًا لمرحلة انتقالية صعبة: الولايات المتحدة ما تزال مركز الثقل الأهم، غير أن هذا المركز صار يعمل تحت ضغط تفاوضي صيني أعلى، وداخل عالم أكثر حساسية، وأقل يقينًا، وأكثر اضطرابًا.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان