مأزق هرمز الكبير.. من يتراجع أولًا في المواجهة بين واشنطن وطهران؟
كتب : أسماء البتاكوشي
من يتراجع أولًا في المواجهة بين واشنطن وطهران بشأن
تتجه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في مضيق هرمز نحو حالة جمود متصاعدة، مع تمسك كل طرف بموقفه واعتقاد كل منهما أن الوقت والضغوط الاقتصادية يعملان لصالحه، في ظل غياب أي مخرج سريع للأزمة وتزايد الخيارات التي تتراوح بين التصعيد العسكري أو الاستمرار في المواجهة الاقتصادية.
ويستحضر هذا المشهد ما دار خلال أزمة الصواريخ الكوبية، حين كان السؤال الأساسي المطروح داخل الإدارة الأمريكية: من سيتراجع أولًا؟
إيران تفرض شروطها في المضيق
فرضت إيران عمليًا سيطرتها على حركة العبور التجارية في مضيق هرمز، معلنة أن السفن مطالبة بالمرور عبر المياه التي تسيطر عليها ودفع رسوم عبور.
وفي المقابل، فرضت الولايات المتحدة حصارًا على الموانئ الإيرانية، في رسالة مفادها أنه إذا لم يعد العالم قادرًا على استخدام المضيق كما كان سابقًا، فإن إيران لن تتمكن بدورها من استخدامه.
وأدى ذلك إلى حالة جمود بين الطرفين من دون وجود حلول فورية واضحة.

الخيار الأول: استمرار الاستنزاف
يتمثل السيناريو الأول في استمرار الطرفين في المواجهة الحالية مع اعتقاد كل منهما بأن الوقت يصب في مصلحته، وفق تحليل نشرته شبكة سي إن إن الأمريكية.
وتظهر القيادة الإيرانية استعدادها لتحمل ضغوط اقتصادية شديدة قد تصل إلى حافة الانهيار الاقتصادي من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.
وتشير شبكة سي إن إن، إلى أن قادة إيران يحملون توجهًا أيديولوجيًا يقوم على مواجهة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط والتصدي لإسرائيل، كما أن كثيرًا منهم سبق أن عاشوا ظروفًا أكثر صعوبة خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي.
لكن الشبكة الأمريكية، توضح أيضًا أن الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية سيزيد الضغوط الاقتصادية بمرور الوقت، خاصة أن إيران كانت تعاني قبل الأزمة الحالية من تضخم يقترب من 60 بالمئة وأزمة اقتصادية وُصفت بالتاريخية.
وأضافت أن هذه الظروف دفعت الإيرانيين إلى الاحتجاج في الشوارع خلال وقت سابق من العام الجاري، قبل أن تقوم السلطات بقمع تلك الاحتجاجات بالقوة، مشيرًا إلى أن أسباب التوتر الداخلي لم تختفِ.
في المقابل، يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التأكيد أنه لا يشعر بأي ضغوط بسبب الأزمة، مستندًا إلى قدرة الاقتصاد الأمريكي على التكيف، وإلى كون الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم، ما يجعلها أقل تأثرًا بأزمات الشرق الأوسط مقارنة بسنوات سابقة.
لكن سي إن إن أشارت إلى أن سوق الطاقة عالمي، وأن تعطل أو تحويل مسار نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية التي كانت تمر عبر مضيق هرمز سيؤدي تدريجيًا إلى ضغوط اقتصادية عالمية ستصل آثارها إلى الولايات المتحدة.
وبحسب الشبكة الأمريكية، تعتقد طهران أن ترامب لن يتمكن من تحمل هذه الضغوط لفترة طويلة، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، ما يدفع كل طرف إلى الاعتقاد بأن الطرف الآخر سيكون أول من يتراجع.

الخيار الثاني: تقديم تنازلات
تشير سي إن إن، إلى أن أي اختراق دبلوماسي يتطلب تنازلات متبادلة، لكنه يوضح أن أيًا من الطرفين لا يبدو مستعدًا حاليًا لتقديم تنازلات.
فإيران تتمسك بموقفها القائم على فرض سيادتها على المضيق وإلزام السفن التجارية بالمرور عبر الممرات الخاضعة لسيطرتها ودفع رسوم عبور.
كما أطلقت طهران صواريخ وطائرات مسيرة ضد سفن لم تلتزم بهذه التعليمات الجديدة، بحسب التقرير.
وتضيف أن هذا السلوك يتعارض مع المبادئ التقليدية الخاصة بحرية الملاحة الدولية، موضحًا أن الولايات المتحدة يمكنها قيادة تحالف دبلوماسي وعسكري دولي لمواجهة المطالب الإيرانية، لكنها لم تفعل ذلك حتى الآن.
وفي المقابل، أظهرت إيران قدرتها واستعدادها لفرض شروطها على أرض الواقع.
وأشارت إلى أن الولايات المتحدة قد تضطر في نهاية المطاف إلى قبول هذا الواقع لتخفيف الضغوط الاقتصادية العالمية، رغم أن مثل هذه الخطوة ستؤدي إلى تغيير موازين القوى الإقليمية لمصلحة إيران، كما ستثير تساؤلات بشأن استقرار ممرات مائية دولية أخرى، من بينها مضيق تايوان الذي تعتبره بكين جزءًا من سيادتها.

الخيار الثالث: المواجهة العسكرية
ترى سي إن إن في تحليلها، أن الولايات المتحدة قد تعتبر حرية الملاحة في مضيق هرمز مصلحة أساسية غير قابلة للتفاوض، ما قد يدفعها إلى التحرك عسكريًا لتأمين المرور البحري.
وأشارت إلى أن ضمان حرية التجارة عبر الممرات المائية الكبرى شكل تاريخيًا أحد الأسس الرئيسية للقوة الأمريكية، لكنه أوضح أن أي عملية عسكرية مستمرة لإعادة فتح المضيق أو تأمينه ستكون مكلفة وتستغرق وقتًا حتى في أفضل السيناريوهات.
واستشهد التحليل بالتجارب الأخيرة في البحر الأحمر، حيث أظهرت التحالفات البحرية نجاحًا أكبر في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة مقارنة بإعادة الثقة لشركات الشحن التجاري.
وأضاف أن التهديد الرئيسي لا يتمثل حاليًا في الألغام البحرية، بل في الصواريخ والطائرات المسيّرة القادرة على الانطلاق من مسافات بعيدة تصل إلى مئات الأميال.
وأوضح أن استمرار قدرة إيران على تنفيذ هجمات من داخل أراضيها، بما في ذلك من المناطق الجبلية المطلة على المضيق، يعني أن التهديد للملاحة التجارية سيبقى قائمًا.
كما أشار إلى أن أي حملة عسكرية أمريكية لإعادة فتح المضيق بالقوة تبقى خيارًا مطروحًا، لكن نتائجها وإمكانية نجاحها ما تزال غير مؤكدة.
وأضاف أن إيران قد ترد عبر استهداف منشآت الطاقة في الخليج بالصواريخ، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفاقم الصدمات الاقتصادية العالمية الحالية.

واقع جديد في مضيق هرمز
في ظل هذه التطورات، يفترض التحليل أن المضيق قد يبقى مغلقًا فعليًا أمام الحركة الطبيعية لفترة طويلة، وأن الافتراضات السابقة المتعلقة بحرية الملاحة فيه قد لا تعود بالكامل حتى إذا تراجعت حدة الأزمة الحالية.
وأشار إلى أن دولًا خليجية بدأت بالفعل اتخاذ خطوات للتكيف مع هذا الواقع، عبر تسريع مشاريع البنية التحتية الممتدة من الشرق إلى الغرب لتجاوز الاعتماد على مضيق هرمز.
وأوضح أن شبكة الأنابيب الممتدة من شرق السعودية إلى غربها أثبتت أهميتها الاستراتيجية، فيما يركز العراق بشكل متزايد على مسارات لنقل النفط من الخليج إلى البحر المتوسط.
كما توقع أن يزداد الدور العالمي لميناء الفجيرة في الإمارات العربية المتحدة، نظرًا إلى أنه يتجاوز المرور عبر المضيق.
وأكد أن هذه المشاريع تمثل استجابة طويلة المدى تقوم على تقليل الاعتماد على مضيق هرمز وتقليص قدرة إيران على التأثير في الاقتصاد العالمي.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن مشاريع البنية التحتية تحتاج إلى سنوات للتنفيذ، وليس إلى أشهر، ما يعني استمرار العالم في حالة الجمود الحالية المرتبطة بأزمة المضيق.