الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
تحولت أضواء حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض في واشنطن، في لحظات خاطفة، من بريق المناسبة الدبلوماسية إلى ساحة اشتباك جسدي عنيف، بعدما اخترقت محاولة اغتيال ترامب جدار الصمت الأمني، معيدة صياغة مفهوم الحماية الرئاسية في الولايات المتحدة.
لم يكن هذا الحادث مجرد اختبار للمعدات أو أجهزة الكشف عن المعادن، بل كانت تجسيدا لثقافة أمنية جديدة يقودها شون كوران "رجل الظل" للرئيس الأمريكي، الذي تحول من مجرد حارس شخصي للرئيس ترامب إلى قائد لجهاز الخدمة السرية USSS.
إشادة ترامب وإعلانه "فريقا رائعا ومتميزا"
وعقب الحادث، عبر ترامب عن تقديره العميق للتحرك السريع الذي قامت به عناصر حمايته، واصفا إياهم بأنهم "أناس أقوياء وجديرون بالثقة".
وفي تصريحاته لقناة "فوكس نيوز"، أكد ترامب أن فريق التأمين أثبت تميزا استثنائيا في التعامل مع الموقف المعقد، قائلا: "لقد أوقفوه تماما، ولم يكن هناك أي تلاعب، أؤكد لكم ذلك".
ولا تتمثل كلمات ترامب في كونها مجاملة بروتوكولية، ولكن اعترافا علنيا بنجاح تكتيكات الاشتباك الجسدي التي حالت دون وقوع مأساة في الممر المكتظ بالصحفيين والضيوف.
وشدد ترامب على أن ما شاهده في تلك الليلة يعكس "موهبة عظيمة وشجاعة"، مطالبا بضرورة حصول هؤلاء العناصر على مستحقاتهم وأجورهم، ومنتقدا في الوقت ذاته التأخيرات المالية التي طالتهم نتيجة الصراعات الحزبية.
واعتبر ترامب أن رد فعل جهاز USSS في عشاء المراسلين بالبيت الأبيض كان الرد العملي والأقوى على كل الانتقادات السابقة، مشيرا إلى أن لديه "ثقة كاملة ومطلقة" في شون كوران، المدير الذي اختاره بناء على تجربة شخصية فريدة من نوعها.
وأعادت هذه الواقعة إلى الأذهان سلسلة من الإخفاقات التاريخية واللحظات التي شكلت ملامح جهاز USSS، ووضعت علامات استفهام كبرى حول قدرة "الظل الجديد" للرئيس على تغيير عقيدة الحماية، فمن هو؟
شون كوران.. من الدرع الجسدي إلى القيادة الاستراتيجية
عند الحديث عن الرجل الذي يثق به ترامب في الأوقات الحرجة، يبرز اسم شون كوران كإجابة صريحة؛ فهذا الرجل لم يصعد إلى قمة الهرم الإداري لجهاز USSS عبر الممرات البيروقراطية التقليدية، بل عبر اختبار النيران الحية.
ففي 13 يوليو 2024، وأثناء محاولة اغتيال ترامب الأولى خلال تجمع انتخابي انتخابي في تجمع "باتلر" بولاية بنسلفانيا، كان كوران هو قائد الفريق الأمني اللصيق الذي ارتمى فوق جسد ترامب لحمايته من رصاصات القاتل.
ومثّلت اللحظة الميدانية حجر الزاوية في بناء علاقة ثقة استثنائية؛ حيث وصف الرئيس ترامب شجاعة كوران بأنها "شجاعة لا توصف"، مؤكدا في بيان رسمي عقب تعيينه مديرا للجهاز في 22 يناير 2025، أن لديه "ثقة كاملة ومطلقة" في قدرة كوران على جعل الجهاز أقوى من أي وقت مضى.
ويعكس انتقال كوران من منصب مساعد العميل الخاص المسؤول عن فرقة الحماية الرئاسية إلى مدير الجهاز بالكامل، رغبة ترامب في وجود شخص "ميداني" يفهم ثغرات الأرض قبل تعقيدات المكاتب.
جهاز USSS.. نشأة لمكافحة التزييف وحماية للرئاسة
ويُعد جهازUSSS، من أقدم وكالات إنفاذ القانون في الولايات المتحدة، بيد أنه لم يجرِ تأسيسه في الأصل لحماية الرؤساء؛ ففي عام 1865 وبأمر من الرئيس أبراهام لينكولن، أُنشئ الجهاز كأداة لمكافحة تزوير العملة الأمريكية التي كانت تعاني من فوضى عارمة بعد الحرب الأهلية، حيث قُدر أن نحو ثلث العملة المتداولة حينها كانت مزيفة.
ولم تتحول مهام الجهاز لتشمل حماية الرؤساء بشكل كامل وعلى مدار الساعة إلا بعد اغتيال الرئيس ويليام ماكينلي عام 1901؛ حيث أدرك الكونجرس حينها ضرورة وجود قوة حماية متخصصة.
ومع مرور العقود، توسعت مهام جهاز USSS لتشمل حماية نواب الرؤساء، وعائلاتهم، والمرشحين الرئاسيين، ورؤساء الدول الزائرين.
وفي عام 2003، انتقل الجهاز من تبعية وزارة الخزانة إلى وزارة الأمن الداخلي، ليتولى مهاما هائلة تشمل تأمين أكثر من 5 آلاف زيارة محلية ومئات الزيارات الخارجية سنويا، مدعوما بقوة تضم نحو 7 آلاف فرد.
تجارب فشل USSS.. ثقوب في درع الرئاسة
رغم التعويل الكبير على جهاز USSS، إلا أن تاريخه يشمل إخفاقات وُصفت بأنها "كانت متوقعة ويمكن منعها".
وتعد محاولة اغتيال ترامب في "باتلر" عام 2024 هي المثال الأبرز في العصر الحديث على هذا الفشل؛ حيث كشفت التقارير الاستقصائية عن انهيار كامل في التواصل بين الجهاز والشرطة المحلية، وفشل في تكنولوجيا مضادات الطائرات المسيرة، وإهمال في تأمين مبنى مكشوف لا يبعد سوى 135 مترا عن منصة الرئيس، مما منح المسلح زاوية رؤية نظيفة تماما، وفقا لشبكة "سي إن إن".
ولا تقتصر قائمة الإخفاقات على الجوانب الميدانية فقط، بل تمتد لتشمل خروقات بروتوكولية وسلوكية؛ ففي ليلة اغتيال جون كينيدي عام 1963، رصدت التحقيقات أن بعض العملاء المكلفين بالحماية خرقوا القواعد عبر شرب الكحول والسهر لوقت متأخر.
وفي عام 2012، هزت "فضيحة كولومبيا" أركان الجهاز بعد تورط 11 عنصرا في سوء سلوك أخلاقي مع فتيات ليل أثناء التحضير لزيارة رئاسية، ما أدى لاستقالة مدير الجهاز آنذاك.
بينما شهد عام 2014 واقعة تسلل لشخص يحمل سكينا قفز سياج البيت الأبيض ووصل إلى أعماق الرواق الشمالي.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شملت الإخفاقات سرقة حاسوب محمول من سيارة عميل عام 2017 يحتوي على مخططات طوابق "ترامب تاور" وبروتوكولات الإخلاء الحساسة، بالإضافة إلى فضيحة عام 2015 التي تمثلت في دخول موظفي جهازUSSS بشكل غير قانوني إلى ملفات سيناتور يحقق في إخفاقاتهم، بهدف تسريب معلومات محرجة عنه في خطوة انتقامية كشفت عن أزمة ثقافة داخلية عميقة.
شواهد نجاح USSS.. فداء وتضحيات بالدم
على الجانب الآخر، يقف سجل آخر ببروتوكولات النجاح التي أنقذت أرواح رؤساء أمريكيين.
ويبرز اسم "ليسلي كوفيلت" بصفته العضو الوحيد في جهازUSSS الذي قُتل في أثناء حماية الرئيس هاري ترومان عام 1950، حين تصدى بجسده لمحاولة اغتيال في "بلير هاوس".
وفي عام 1981، تصدى العميل "تيموثي مكارثي" لرصاصات المسلح الذي استهدف الرئيس رونالد ريجان، متلقيا إصابة مباشرة في صدره لينقذ حياة الرئيس.
وفي العصر الرقمي، نجح الجهاز في استعادة مليارات الدولارات من أموال الاحتيال المالي المرتبطة بالمساعدات الوبائية، وهو ما يؤكد تنوع قدراته الاستخباراتية، وفقا لشبكة "سي إن إن".
أما في عهد شون كوران، فقد برز نجاح الجهاز في تبني تكتيك "المسافة الصفرية" خلال محاولة اغتيال ترامب الأخيرة في عشاء المراسلين عام 2026؛ حيث اختار العملاء الاشتباك الجسدي الفوري مع المهاجم في ممر ضيق ومكتظ بمئات الصحفيين، بدلا من تبادل إطلاق النار الذي كان قد يؤدي إلى وقوع ضحايا برصاص مرتد، وهو قرار عكس نضجا أمنيا ناتجا عن دروس بنسلفانيا القاسية.
إصلاحات كوران.. إعادة بناء الهيبة المفقودة
ومنذ توليه القيادة، أطلق كوران عملية إصلاح شاملة تهدف إلى معالجة "فراغ القيادة" الذي حذرت منه اللجان المستقلة.
وشملت هذه الإصلاحات إنشاء "قسم ضمان المهمة" للرقابة المستمرة، وتأسيس فرع متخصص لدعم الطائرات المسيرة لمواجهة التهديدات الحديثة، كما أقر سياسة جديدة وحازمة لتحديد سلطة القيادة، تضع مسؤولية سلامة أي موقع بشكل مباشر ونهائي على عاتق قائد فرقة الحماية اللصيقة، لمنع "تبادل الاتهامات" الذي حدث بعد واقعة "باتلر".
وانعكست هذه السياسات على مستوى الجاذبية المؤسسية؛ حيث شهد جهازUSSS في الأشهر الأولى من عام 2025 طفرة في التوظيف بزيادة قدرها 200% في طلبات الانضمام، وبلغ عدد الطلبات نحو 15 ألف متقدم، يتطلعون للعمل تحت قيادة الرجل الذي منحه ترامب ثقته المطلقة.