صورة بالذكاء الاصطناعي
في 14 يناير عام 1985، اتخذت حكومة الاحتلال الإسرائيلي، قرارا أرسى قاعدة استراتيجية دامت 15 عاما، نصت على أن أمن "الجليل" لا يتحقق إلا بانتزاع "منطقة أمنية" من السيادة اللبنانية.
حينذاك، راهنت إسرائيل على أن 10 أميال في العمق اللبناني ستكون كافية لتطويق التهديد، لكنها بدلا من ذلك تحولت إلى "مقصلة" استنزفت أرواح الجنود وأموال الدولة، قبل أن تنتهي بانسحاب أحادي في مايو 2000.
واليوم، يتجدد "المأزق الجغرافي" في الحرب الجارية؛ حيث يجد جيش الاحتلال الإسرائيلي نفسه فوق المرتفعات التي ظن أنه ودعها للأبد؛ فمع صدور أوامر بالتوغل بعمق 10 كيلومترات وتدمير القرى الحدودية في الجنوب اللبناني، تلاشت وعود "الأمن المستدام" أمام حقائق الميدان التي تُثبت أن الجغرافيا التي أرادتها إسرائيل درعا، ما هي إلا "مصيدة استراتيجية" يعاد نصبها بأدوات تكنولوجية أكثر حداثة، ولكن بذات الرهان الخاسر.
خديعة "الحزام الأمني" وولادة العدو
وتؤكد دراسة للباحثة لورا زيترين أيزنبرج الصادرة عن جامعة كولومبيا، أن استراتيجية 1985 لم تكن خيارا هادئا، بل كانت "هروبا إلى الأمام" بعد فشل اجتياح 1982 في هندسة نظام سياسي موال في بيروت.
وتوضح أيزنبرج أن إسرائيل راهنت آنذاك على وكيل محلي متمثلا في "جيش لبنان الجنوبي" ليكون حاجزا بشريا، وهو ما حول "المنطقة الأمنية" من وسيلة حماية إلى جبهة حرب مفتوحة، أثبتت بمرور الوقت أن التواجد العسكري في أرض أجنبية لا يصنع استقرارا، لكنه يمهد لتمرد طويل الأمد أخرج الاستراتيجية الإسرائيلية عن مسارها.
يتوافق هذا الطرح مع تحليل الباحثة كيا تارين، التي ترى أن حزب الله لم يكن لينمو ويتحول إلى أسطورة "المقاومة" لولا وجود هذه المنطقة الأمنية ذاتها.
وتشير تارين إلى أن الممارسات الإسرائيلية اليومية بين 1985 و2000 بما في ذلك مصادرة المرافق وشق الطرق العسكرية، حولت السكان المحليين الذين استقبلوا إسرائيل عام 1982 كـ"قوة مخلصة" إلى "بيئة حاضنة" للعداء.
وبموجب هذا السرد، ترى تارين أن إسرائيل ارتكبت "خطيئة استراتيجية" بتجاهلها للتحولات الاجتماعية في الجنوب اللبناني، مما سمح لحزب الله ببناء "مجتمع مقاومة" بتمويل إيراني، ليتحول من "ميليشيا صغيرة" إلى قوة إقليمية قادرة على تحويل التفوق التقني الإسرائيلي إلى عبء ميداني.
في الوقت نفسه، يشدد مركز "مائير عميت للمعلومات والاستخبارات"، على أن "المنطقة الأمنية" القديمة فشلت في اختبارها الأهم: "منع الصواريخ".
ويستعرض المركز أدلة تكشف انهيار الردع؛ حيث تدهورت نسبة خسائر حزب الله أمام إسرائيل من 5:1 في 1990 إلى 1.5:1 في 1995، مما أثبت أن التمركز الثابت في المواقع المحصنة جعل من جنود الاحتلال "أهدافا سهلة" للكمائن والعبوات.
ويعتبر المركز الاستخباراتي، أن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000 لم يكن قرارا سياسيا، بل كان اعترافا بعجز "الحزام الأمني" عن حماية الجبهة الداخلية من صواريخ الكاتيوشا، وهو ما يضع العودة الحالية للمنطقة ذاتها تحت مجهر النقد التاريخي الصارم.
هندسة "الأرض المحروقة".. مقامرة 2026 الكبرى
وفيما تصر تل أبيب على أن ما يحدث اليوم في جنوب لبنان مجرد عملية عسكرية، يؤكد العميد المتقاعد آساف أوريون في دراسة الصادرة عن "معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى"، أن ما يجري هو إعادة رسم قسرية للحدود الأمنية خارج النطاق السيادي لإسرائيل.
ويوضح أوريون أن "عقيدة 2026" تقوم على مفهوم "الدفاع الأمامي" في أراض مدمرة ومفرغة تماما من السكان، حيث يسعى جيش الاحتلال الإسرائيلي لإنشاء منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات، تتمركز فيها القوات على قمم التلال فيما يُعرف بـ"الخط المضاد للدروع (الخط الأصفر في جنوب لبنان)".
ويُحذر أوريون، من أن هذه الاستراتيجية التي تهدف لحماية المستوطنات الشمالية عبر "التحكم بالنيران" بدلا من "التمركز الثابت"، تظل محفوفة بمخاطر "حرب العصابات" التي قد تحول هذا الوجود المؤقت إلى تمرد طويل الأمد لا تملك إسرائيل خطة سياسية واضحة للخروج منه.
وفي سياق متصل، وثّقت شبكة "سي إن إن" تحولا جذريا في الاستراتيجية الإسرائيلية؛ فبدلا من إخلاء المدنيين الإسرائيليين من خطر الصواريخ كما حدث في 2023، اختارت تل أبيب في الحرب الجارية إخلاء المدنيين اللبنانيين قسرا لإنشاء "منطقة عازلة" دائمة.
ونقلت الشبكة الأمريكية عن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قوله: "أينما يوجد إرهاب وصواريخ، لن توجد منازل ولا سكان".
وتكشف "سي إن إن"، أن أكثر من 80 بلدة وقرية لبنانية أصبحت خالية تماما، ما يعكس رغبة تل أبيب في "حسم الجغرافيا" عبر تدمير البنية التحتية بالكامل، وهو تكتيك يراه سكان الشمال الإسرائيلي "طوق نجاة" وحيد للعودة إلى منازلهم تحت حماية "الجيش الذي يقف أمامنا، لا خلفنا".
وفيما يعكس تباينا مع تجارب الفشل في عام 1985، تشير صحيفة "تايمز اوف إسرائيل" إلى أن جيش الاحتلال يرفض تسمية أماكن تواجده في القرى اللبنانية المدمرة بـ"المنطقة الأمنية".
وتوضح الصحيفة العبرية، أن الفرق الجوهري اليوم يكمن في "المرونة الحركية"؛ فبدلا من المواقع الثابتة التي كانت أهدافا سهلة في التسعينيات، يعتمد جيش الاحتلال حاليا على 18 موقعا استراتيجيا للسيطرة والمراقبة، مع بقاء قواته في حالة تنقل دائم لتقليل فرص التعرض لهجمات حزب الله.
ومع ذلك، يؤكد القادة الميدانيون أن "العمل لم ينتهِ بعد"، وأن السيطرة الفعلية تتطلب وقتا أطول لتدمير ما تبقى من شبكات الأنفاق التي لا تزال تضم خلايا نائمة خلف خطوط التوغل.
"مصيدة الأرقام".. حين هزم الاستنزاف التكنولوجيا
يؤكد الباحث مايكل أيزنشتات في دراسته الصادرة عن "معهد واشنطن"، أن استراتيجية "المنطقة الأمنية" الإسرائيلية تحولت في التسعينيات إلى جحيم إحصائي كشف عجز "الردع" عن حماية القوات.
ويستشهد أيزنشتات بأن وتيرة هجمات حزب الله تصاعدت بشكل مخيف؛ من 19 هجوما فقط في عام 1990 إلى 344 هجوما في عام 1995، ما جعل القوات الإسرائيلية ووكيلها المحلي يواجهون استهدافا يوميا بعبوات ناسفة وقذائف مدفعية.
وبحسب الدراسة، فإن الصدمة الحقيقية تكمن في تآكل "التفوق العسكري النوعي"؛ إذ تدهورت نسبة الخسائر البشرية من 5 قتلى في صفوف حزب الله مقابل كل جندي إسرائيلي عام 1990، إلى 1.5 قتيل فقط بحلول عام 1992، وهو ما أثبت أن التمركز العسكري داخل "الحزام الأمني" تحول لـ"جائزة استراتيجية" للحزب يمارس من خلالها حرب عصابات تنهك هيبة الدولة العسكرية.
إلى جانب ذلك، يوضح أيزنشتات أن استراتيجية الاعتماد على "جيش لبنان الجنوبي" انهارت معنويا قبل أن تسقط ميدانيا، إذ تعرضت هذه الميليشيا المتعاونة لضغط مزدوج؛ من جهة هجمات حزب الله اليومية، ومن جهة أخرى ضغوط الحكومة اللبنانية التي بدأت في محاكمة عناصرها بتهمة الخيانة وتهديد مستقبلهم داخل الدولة.
ويشير التقرير إلى أن شعور المقاتلين المحليين بأن إسرائيل قد تتخلى عنهم في أي لحظة، دفعهم إلى التوقف عن تسيير الدوريات والتحصن داخل المخابئ، بينما بدأ بعضهم في "تأمين مستقبله" عبر تسريب معلومات استخباراتية لحزب الله، مما حول "المنطقة الأمنية" الإسرائيلية من درع واق إلى كيان مخترق استخباراتيا يعيش في حالة شلل ميداني بانتظار الرحيل.
في دراسة أخرى، يوضح الباحثان ديفيد ماكوفسكي وجيفري وايت في "معهد واشنطن"، أن إسرائيل وقعت في "خديعة القوة الجوية"؛ فبينما نجحت الطائرات في تدمير 59 منصة صواريخ بعيدة المدى في 34 دقيقة فقط، عجزت التكنولوجيا الأكثر تطورا في العالم عن وقف "صواريخ الكاتيوشا" البدائية التي سقط أكثر من 3700 منها على الشمال.
وبحسب الدراسة، فإن القيادة العسكرية الإسرائيلية كانت مسكونة بـ"شبح استنزاف 1985"، مما أدى إلى تردد قاتل في شن الهجوم البري الشامل؛ حيث لم يصدر قرار الزحف نحو الليطاني إلا في "آخر 48 ساعة" من الحرب.
هذا التأخير، وفقا للباحثين، أفقد العملية قيمتها الاستراتيجية وجعل قوات الاحتلال تندفع في وقت متأخر لتعديل موازين القوى التي كانت قد حُسمت سياسيا في الأمم المتحدة.
"الدبلوماسية المسلحة".. هندسة البديل في زمن الانقلاب
ينوّه الدبلوماسيان الأمريكيان ستيوارت آيزنستات ودينيس روس، إلى أن النجاح العسكري الإسرائيلي في عام 2026 لم يُنظر إليه كغاية في حد ذاته، بل كأداة لتمهيد الطريق لواقع سياسي "محدود وقابل للتحقيق".
ويوضح الباحثان أن إسرائيل تجاوزت وهم "النصر المطلق" أو القضاء النهائي على حزب الله، وركزت بدلا من ذلك على ضمان عدم وجود أي قوة عسكرية جنوب نهر الليطاني.
ويعتبر آيزنستات وروس، أن آلية التنفيذ الجديدة تختلف جذريا عن فشل عام 2006؛ إذ تعتمد على نشر 10 آلاف جندي من الجيش اللبناني مدعومين برقابة استخباراتية أمريكية مباشرة، مع حصول إسرائيل على ضمانات صريحة بالتدخل العسكري المباشر في حال وقوع أي خرق للاتفاق، وهو ما يمثل محاولة لتجنب "فخ البقاء المفتوح" الذي يضمن تاريخيا اندلاع التمرد.
تتشابك هذه الرؤية مع تحليل الباحث ديفيد شينكر، الذي يرى أن المفاوضات بين السفيرين الإسرائيلي واللبناني تمثل "حدثا غير مسبوق" كسر المحرمات السياسية تحت تهديدات السلاح.
ويشير شينكر إلى أن حكومة الرئيس اللبناني جوزيف عون اتخذت قرارات انتحارية سياسيا في 2026، شملت إعلان السفير الإيراني "شخصا غير مرغوب فيه" ومحاولة تفكيك سلاح حزب الله في الجنوب، وهو ما دفع قيادات الجماعة الموالية لطهران للتهديد بـ"تسونامي شعبي" لإسقاط الدولة.
ويوضح التقرير أن الرهان الحالي في بيروت لا يقوم على الرغبة في المواجهة، بل على "الإكراه الميداني"؛ حيث أدى نزوح مليون لبناني وتدمير البنية التحتية إلى دفع الحكومة للقبول بأي ترتيبات أمنية تضمن وقف إطلاق النار، حتى لو كان ثمن ذلك مواجهة مباشرة مع حزب الله المتغلغل في مفاصل الدولة العميقة.
في الوقت نفسه، يفكك مركز "بلفر" التابع لجماعة هارفارد الدروس الاستراتيجية التي تحكم هذا المسار، مشددا على أن أكبر الأخطاء التاريخية في حروب لبنان كانت الفصل بين "تدمير العدو" و"الحوكمة في اليوم التالي".
ويجادل المركز، بأن إسرائيل تعلمت من مأساة الـ18 عاما بين 1982-2000 أن "الردع يحتاج لشريك"، وأن غياب كيان محلي قادر على ملء الفراغ هو الوصفة الوحيدة لعودة الميليشيات.
ويحذّر المركز، من أن التحدي الحقيقي في 2026 لا يكمن في سحق القدرات العسكرية لحزب الله، بل في القدرة على تحويل "النصر التكتيكي الميداني" إلى "ترتيبات سياسية مزمنة" تمنع تحول الجنوب اللبناني مجددا إلى ساحة لـ"الحروب الأبدية" التي استنزفت موارد الدولة وعقيدتها الأمنية لعقود.
مآلات 2026.. الرهان على كسر "اللعنة"
وفيما يتفق الباحثون على أن الانسحابات الإسرائيلية من الجنوب اللبناني في الماضي كانت نتيجة لاستراتيجية خاطئة، يؤكد معهد "دراسات الأمن القومي الإسرائيلي"، أنها لم تكن نتاج ضعف عسكري أو هزيمة ميدانية، لكنها "إعادة معايرة" لنماذج سيطرة إقليمية فقدت صلاحيتها الاستراتيجية ولم تعد تخدم المصلحة الوطنية.
ويشير المعهد، إلى أن العودة الحالية في 2026 تمثل محاولة لرفض "التبعية للمسار القديم"، حيث تسعى تل أبيب لفرض واقع أمني جديد لا يعتمد على الاحتلال التقليدي، بل على "الإنكار الميداني" للقدرات العسكرية للخصم، معتبرا أن نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد حصرا على قدرة القيادة على التقييم المستمر للتكاليف والفوائد لتجنب الانزلاق مجددا في سياسات انتهت صلاحيتها منذ عقود.
وبناء على رؤية مركز "بلفر"، فإن انتهاء الحرب في 2026 لن يعني بالضرورة "حلا نهائيا"، بل انتقال لـ"إدارة حالة مزمنة"، مشيرا إلى أن الهدف الواقعي الذي يجب أن تتبناه إسرائيل ليس "النصر المطلق" الذي أثبت التاريخ استحالته في حروب العصابات، بل هو حرمان الخصم من "القدرات العسكرية النوعية" التي تشكل تهديدا وجوديا.
ويحذر باحثو "بلفر"، من أن "اليقظة الدائمة" هي الثمن الوحيد للأمن في هذه المنطقة، حيث أن الأفكار لا تموت بالرصاص، وأي فراغ سياسي أو أمني يتركه الانسحاب الإسرائيلي القادم دون شريك محلي قوي سيؤدي حتما إلى ولادة النسخة التالية من التمرد.
وفيما يتعلق بـ"الضمانة النهائية"، يعتبر مايكل فريند في تقرير نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست"، أن مجرد إنشاء "منطقة عازلة مؤقتة" هو تكرار لذات الخطأ الذي ارتكبته إسرائيل في 1985 وأدى لانسحاب 2000.
ويجادل فريند، بأن الأمن المستدام في الشمال لن يتحقق إلا عبر "الوجود المدني الدائم"، مقترحا تحويل جنوب نهر الليطاني إلى مستوطنات يهودية لضمان عدم عودة الفصائل المسلحة لملء الفراغ.
ويشدد على أن "الحقائق على الأرض" التي لا يمكن عكسها هي وحدها الكفيلة بتغيير التوازن الاستراتيجي، معتبرا أن نهر الليطاني هو "خط الدفاع الطبيعي" الذي يجب أن تُرسم عليه حدود إسرائيل الجديدة لإنهاء قرون من التهديد الوجودي.
وتحذر الصحيفة من أن الأمن في الشرق الأوسط لا يأتي من "الترتيبات الدبلوماسية الهشة"، بل من "السيادة والدوام"، وهو ما يضع إسرائيل أمام الخيار التاريخي الصعب: هل تثق في ضمانات واشنطن، أم تعود لرهان "الجغرافيا الدائمة" مهما بلغت التكاليف؟