إعلان

انسحاب أمريكي من حرب إيران.. لماذا لا يصب في مصلحة طهران؟

كتب : محمود الطوخي

11:25 م 02/04/2026 تعديل في 11:33 م

حرب إيران- صورة بالذكاء الاصطناعي

تابعنا على

بينما يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيجاد مخرج عسكري سريع من "المستنقع الإيراني"، تبرز مفارقة استراتيجية مفادها أن طهران، ورغم جراحها الميدانية، لا ترى في هذا الانسحاب مصلحة لها.

وتؤكد شبكة "سي إن إن"، أن القادة الإيرانيين يرفضون مجرد وقف إطلاق النار، معتبرين أن أي خروج أمريكي أحادي دون ضمانات سيعني "هدنة مؤقتة" تتيح لواشنطن وتل أبيب إعادة تنظيم صفوفهما.

تجنبا لذلك، طرحت طهران 5 شروط تعجيزية لإنهاء حرب إيران، تشمل الانسحاب الشامل، والتعويضات، والرفع الدائم للعقوبات، والاعتراف بالسيادة على مضيق هرمز، وضمانات دولية ضد أي عدوان مستقبلي، في رسالة واضحة مفادها أن نهاية الصراع ستكون بشروطها لا بموعد الانتخابات الأمريكية، لتعقيد مسار الصراع بين إيران وأمريكا.

حرب الاستنزاف.. سلاح طهران المتفوق على التكنولوجيا

تفضل طهران استمرار حالة "اللاسلم واللاحرب" أو كما يُعرّفها الخبراء بـ"الاستنزاف" على الانسحاب الأمريكي السريع.

ويرى خبراء "المجلس الأطلسي"، أن إيران تراهن على "عنصر الزمن" لتحويل هزيمتها العسكرية إلى انتصار سياسي؛ إذ تدرك طهران أن ترامب يبحث عن "نصر تكتيكي سريع" لتعزيز موقفه الداخلي، لذا تعمد إلى إطالة أمد النزاع لرفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية تجبر الغرب على التوسل لإبرام اتفاق شامل، بدلا من مجرد انسحاب عسكري يترك إيران دولة محطمة ومعزولة.

وتدعم لغة الأرقام هذا التوجه؛ حيث رصدت مجلة "تايم" ووكالة "رويترز" وصول أسعار النفط إلى حاجز 182 دولارا للبرميل في مارس الماضي، وهو ما يمثل "قنبلة نووية اقتصادية" تبتز بها طهران القرار السياسي العالمي.

ومع تجاوز كلفة العمليات الأمريكية مليار دولار يوميا، ترى إيران في هذا النزيف المالي "انتصارا بالنقاط"؛ فبينما يمتلك الجيش الأمريكي التكنولوجيا، تمتلك طهران القدرة على تحويل حرب إيران إلى ما يشبه "فيتنام ثانية" تستنزف الخزينة الأمريكية وتؤدي لتآكل الاحتياطيات الاستراتيجية للدول الكبرى في غضون أسابيع فقط، مما يجعل من الاستنزاف خيارا استراتيجيا لفرض شروط طهران في صراع إيران وأمريكا.

الطاقة والردع الاستراتيجي.. هرمز كـ"قلعة" اقتصادية

تعتمد طهران في رفضها للانسحاب السريع على تحويل مضيق هرمز من ممر مائي إلى سلاح ردع استراتيجي؛ إذ تشير شبكة "سي إن إن" إلى أن استمرار حالة الحرب قد يؤدي إلى ترسيخ نظام "أكشاك تحصيل الرسوم" الإيراني الناشئ في المضيق، حيث تفرض طهران ملايين الدولارات مقابل المرور.

وترى طهران أن الأولوية القصوى هي الحفاظ على حالة "الخنق الطاقي" ومنع انخفاض أسعار النفط، لضمان عودة واشنطن إلى طاولة المفاوضات وهي في حالة ضعف اقتصادي، بدلا من منحها خروجا آمنا يحررها من ضغوط الطاقة في ظل استمرار صراع إيران وأمريكا.

ووفقا لمنهجية "جيوبوليتيكال فيوتشرز" للتحليل والاستشراف الجيوسياسي العالمي، تتحرك طهران تتحرك مدفوعة بـ"ثوابت الجغرافيا" التي تملي عليها استغلال نقاط الاختناق لتعويض نقص القوة التكنولوجية، وخلق حالة من "التبعية الاقتصادية" لدى الخصم لتقييد حركته السياسية.

وفي هذا السياق، يوضح خبراء "المجلس الأطلسي" أن إغلاق مضيق هرمز يمثل "الورقة الأخيرة" في يد الحرس الثوري لشرعنة "نظام إقليمي جديد" يثبت أن الأمن في الخليج لا يتحقق بدون إيران.

يتعزز هذا الموقف بوجود تنسيق مع الشركاء الاستراتيجيين مثل روسيا والصين الذين يستفيدون من بقاء أمريكا في حالة "استنزاف مستمر" بعيدا عن جبهات أوكرانيا والمحيط الهادئ، مما يمنح طهران دعما لوجستيا وسياسيا للاستمرار في رفض الانسحاب الأمريكي المجاني، وفقا لمجلة "تايم".

حرب إيران.. شروط طهران الخمسة وكسر منطق "فن الصفقة"

تتحرك طهران في مسار مواز للتصعيد الميداني عبر طرح شروط هدنة توصف بالتعجيزية، لضمان عدم تحول الانسحاب الأمريكي إلى "خروج مسرحي" يخدم الأجندة الانتخابية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وقد حددت طهران 5 مطالب رئيسية لإنهاء حرب إيران: الانسحاب الشامل والاعتراف بالسيادة، التعويضات المالية بمليارات الدولارات عن دمار البنية التحتية، الرفع الدائم والشامل للعقوبات، ضمانات أمنية دولية ملزمة، والحفاظ على السيادة النووية الكاملة.

وترى طهران أن عرض واشنطن للانسحاب السريع يمثل "محاولة للهروب من المسؤولية" القانونية والمالية عن آثار الحرب.

ويحلل "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" التابع لمعهد الدوحة، هذا الموقف بوصفه استراتيجية لـ"الاستنزاف الأقصى" تهدف لكسر منطق "فن الصفقة" الذي ينتهجه ترامب؛ إذ تسعى إيران لتحويل "استراتيجية الخروج" الأمريكية من خيار إرادي إلى ضرورة قسرية يدفع ثمنها من خلال تنفيذ الشروط الإيرانية.

ويوضح المركز، أن طهران تهدف من إطالة أمد النزاع إلى تحقيق "الردع عبر الصدمة"، لإخراج القوات الأمريكية من المنطقة وهي تحمل "ندوبا" تمنعها من العودة مستقبلا، فضلاً عن رغبة النظام في "مأسسة الصراع" لتعزيز شرعيته الداخلية وتبرير القبضة الأمنية للحرس الثوري تحت شعار المواجهة المستمرة في ظل الصراع بين إيران وأمريكا.

"الفراغ الخطير".. لماذا تخشى طهران الخروج الأمريكي السريع؟

رغم الجراح الميدانية، ترى طهران في الانسحاب الأمريكي السريع "فخا استراتيجيا" يهدد بقاءها.

وتشير شبكة "سي إن إن"، إلى أن القادة الإيرانيين يعتقدون أن أي وقف لإطلاق النار دون اتفاق شامل لن يكون أكثر من "هدنة مؤقتة"، تمنح واشنطن وتل أبيب فرصة لـ"إعادة تنظيم الصفوف" وشن هجوم أكثر فتكا.

ويفكك "مركز صوفان" للبحوث والتحليلات الاستراتيجية مخاوف إيران، موضحا أن طهران تخشى من أن الانسحاب الأمريكي سيخلق "فراغا خطيرا" يملأه جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي قد يسعى للحفاظ على "حرية عملياتية" واسعة في سماء إيران دون وجود "كابح" أمريكي يخشى على جنوده في المنطقة.

بدوره، يحلل "مركز دراسات الولايات المتحدة" بجامعة سيدني، تخوف طهران من سيناريو "الخروج النظيف" لـترامب؛ أي الانسحاب العسكري لتقليل التكاليف مع الإبقاء على "هيكل العقوبات الخانق"، مما يترك إيران دولة محطمة اقتصاديا دون مسار لرفع الحصار.

ويبيّن المركز، أن طهران تفضل بقاء القوات الأمريكية في حالة اشتباك لضمان استمرار عمل "غرفة العمليات المشتركة" للوكلاء، حيث تعمل الحالة القتالية كـ"مادة لاصقة" توحّد أذرعها الإقليمية في جيش واحد، بينما قد يؤدي الانسحاب السريع إلى ترهل هذه الشبكة وعودتها للاهتمامات المحلية، مما يضعف الدرع البشري والجغرافي الذي يحمي طهران في ظل استمرار صراع إيران وأمريكا.

"الأسد الجريح" والرهان على الانكسار الأمريكي

وتكشف استراتيجية إيران الحالية، أن طهران تدير مواجهتها مع واشنطن بعقلية "الأسد الجريح"؛ فهي تدرك أنها فقدت الكثير عسكريا، ولذا ترفض منح ترامب "نصرا إعلاميا" يمهد لانسحابه السريع.

وفي الوقت نفسه، يهدف إصرار إيران على "حرب الاستنزاف" لتحويل الانسحاب من خيار أمريكي ذكي إلى "ضرورة قسرية" ناتجة عن النزيف المالي والسياسي.

ومع استمرار الصراع بين إيران وأمريكا، يبقى رهان طهران معلقا على قدرة مضيق هرمز وأسعار النفط على كسر "الإرادة السياسية" لواشنطن، وإجبارها على القبول بشروط طهران الخمسة، لضمان ألا تخرج أمريكا من حرب إيران إلا وهي تحمل "ندوبا" تمنعها من التفكير في العودة مجددا للميدان.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان