إعلان

كذّبته طهران في إسرائيل.. هل أقنع ترامب أحدًا بخطابه حول حرب إيران؟

كتب : محمد طه

05:18 ص 02/04/2026

هل أقنع ترامب أحدًا بخطابه عن حرب إيران؟ (صورة AI)

تابعنا على

كان خطابًا معنونًا بأنه للأمة، بينما يبدو أن هذه الأمة لا تصدقه؛ ففي الدقيقة التي كان فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقف بثبات خلف منصة البيض الأبيض، ليزف للمواطن الأمريكي خبرًا مفاده أن "الجيش الإيراني بات في حالة دمار شامل وأن تغيير النظام قد وقع بالفعل"، كانت وكالات الأنباء العالمية والشبكات الإخبارية تبث شاشة منقسمة تجسد أقصى درجات الانفصام الاستراتيجي والعمى السياسي الأمريكي في حرب إيران الراهنة.

فبينما يصرخ ترامب عبر الأثير مبشرًا بنهاية شرور العدوان ومؤكدًا بلهجة المنتصر أن "واشنطن تملك كل الأوراق، والنظام في طهران لا يملك شيئًا"، كانت صافرات الإنذار تمزق صمت ليل المستوطنات والمدن الكبرى في إسرائيل.

في تلك اللحظة بالذات، كانت عدسات شبكة "الجزيرة" وصحيفة "يسرائيل هيوم" تنقل مشاهد حية لانفجارات متتالية وسط إسرائيل، وهروب ملايين الإسرائيليين إلى الملاجئ للاحتماء من دفعتين متتاليتين من الصواريخ الباليستية الإيرانية المتطورة التي نجحت في اختراق الطبقات الدفاعية.

وهذا التناقض الفوري والدرامي بين ادعاء النصر الخاطف والمجاني في أروقة البيت الأبيض، وواقع النيران والاستنزاف المستمر في العمق الإسرائيلي، حوّل كلمة الرئيس الأمريكي إلى توثيق تاريخي لانفصال صانع القرار عن جغرافية المعركة الحقيقية. وربما هو أيضًا ما يفسر الانهيار السريع لمعدلات التأييد الشعبي للحرب داخل أمريكا.

حرب إيران ووهم "تغيير النظام"

لم يحمل خطاب الـ 20 دقيقة أي خطة متماسكة أو واضحة المعالم لما بعد المعركة.

اكتفى الرئيس الأمريكي بالترويج لنجاحات تكتيكية جوية وبحرية، زاعمًا القضاء على أغلب قادة النظام ومبشرًا بأن عجلة التغيير السياسي قد دارت ولا يمكن إيقافها.

غير أن وابل الصواريخ الإيرانية المستمر دحض أسطورة "المهمة السهلة" وأثبت أن "قطع رأس القيادة" لا يعني بالضرورة شلل الجسد العسكري. لقد بنى ترامب خطابه على تقديرات متفائلة تتجاهل طبيعة الترسانة الإيرانية المعقدة؛ وهو ما تؤكده تحليلات عسكرية حديثة كشفت عن ما يُعرف بـ "مدن الصواريخ المخفية داخل الجبال"، والتي بُنيت على أعماق تصل إلى 500 متر تحت سطح الأرض لتخزين وإطلاق الصواريخ الباليستية الاستراتيجية.

هذه القواعد صُممت خصيصًا لضمان "الضربة الثانية" وللعمل بكفاءة في ظل انقطاع الاتصال القيادي المباشر. بينما القوة الجوية الأمريكية، ورغم قدرتها التدميرية الهائلة وامتلاكها للقنابل الخارقة للتحصينات، لا تكفي وحدها لتفكيك شبكة صاروخية لا مركزية تمتد على مساحات شاسعة وتتحصن تحت جبال من الجرانيت.

وهذا الواقع التكتيكي يجعل من إعلان "سقوط النظام" مجرد أمنية سياسية تخالفها التقييمات العسكرية الصارمة التي تؤكد استمرار طهران في استخدام بنيتها التحتية العميقة، التي صمدت هياكلها الأساسية رغم مئات الغارات الجوية، مما يضمن قدرتها على إعادة إنتاج صف ثانٍ وثالث من القيادات الميدانية لإدارة حرب استنزاف طويلة الأمد.

الحرس الثوري الإيراني

جغرافيا إيران كلعنة.. فخ التوغل البري

في خضم استعراض القوة، كان هناك غياب متعمد وصارخ لأي إشارة عن "توغل بري" في الأراضي الإيرانية.

هذا الصمت لم يكن سهوًا، بل يعكس قناعة متجذرة داخل جنبات البنتاجون بأن الجغرافيا الإيرانية الجبلية والمعقدة ستشكل فخًا مرعبًا يبتلع الجنود؛ فإيران ليست العراق في عام 2003، وهي تمتلك تضاريس وعرة، ومساحة شاسعة تفوق مساحة فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة مجتمعة، وتطوقها سلاسل جبال زاغروس التي تعمل كحصون طبيعية.

لقد ذهبت التقييمات الأمنية الصارمة الصادرة عن مركز صوفان للاستشارات الأمنية إلى أبعد من ذلك، حيث رجحت بصورة قاطعة أن النظام المؤسسي في طهران يتمتع ببنية قادرة على التخندق تحت الأرض وامتصاص الضربات الجوية.

وأكدت هذه الدراسات أن قوات الحرس الثوري مهيأة لخوض حرب عصابات استراتيجية، تجعل من أي غزو بري مستنقعًا داميًا يتضاءل أمامه كابوس فيتنام المروع.

ولذا، فإن استبعاد خيار إسقاط النظام عبر وضع "الأحذية على الأرض" ليس خيارًا دبلوماسيًا يمن به ترامب على الإيرانيين، بل هو حتمية عسكرية يفرضها جنرالات وزارة الدفاع الأمريكية واعتراف عملي بحدود القوة المفرطة.

خريطة جوية لتضاريس إيران

تشييع "عقيدة كارتر" في هرمز

رغم خطورة التلويح بضرب منشآت الطاقة الإيرانية، إلا أن القنبلة الجيوسياسية الأشد فتكًا في الخطاب لم تكن عسكرية، بل اقتصادية وتاريخية بامتياز.

لقد أعلن الرئيس الأمريكي، صراحًة ودون مواربة، تخليه الغليظ عن تأمين "مضيق هرمز"، ومطالبته الدول المستوردة للنفط في أوروبا وآسيا بـ "التحلي بالشجاعة" لحماية الممر الملاحي وسفنها التجارية، متذرعاً باستقلالية أمريكا النفطية وعدم حاجتها لنفط الشرق الأوسط.

هذا الإعلان يمثل فعليًّا شهادة وفاة رسمية لـ "عقيدة كارتر" الأمنية، التي أقرّها الرئيس جيمي كارتر في خطابه عن حالة الاتحاد عام 1980، ونصت بوضوح على أن أمن تدفقات الطاقة في الخليج يقع ضمن صميم الأمن القومي الأمريكي، وأن واشنطن مستعدة لاستخدام القوة العسكرية الشاملة لمنع أي قوة من السيطرة على هذا الشريان.

هذا الانسحاب الاستراتيجي المفاجئ ينسف هندسة الأمن الإقليمي التي استمرت لأكثر من أربعة عقود، ويترك حلفاء واشنطن مكشوفين في بيئة شديدة العداء.

ويتطابق هذا الطرح الدرامي بصورة مخيفة مع تقديرات مراكز الأبحاث التي حذرت من التخلي عن حماية المضيق، معتبرةً أن هذا الفراغ الأمني سيمهد الطريق فورًا لدخول قوى منافسة مثل الصين أو روسيا لملء الفراغ بحريًا وعسكريًا، مما يعني إعادة تشكيل كبرى وتوازنات جديدة للنظام العالمي تُفقد واشنطن هيمنتها التاريخية على خطوط التجارة.

الرئيس جيمي كارتر في خطابه عن حالة الاتحاد عام 1980

حرب إيران وفخ الـ 21 يومًا

في مسعى محموم لتدارك الغضب الداخلي من طول أمد الحرب غير المحسومة، وضع ترامب نفسَه رهينة لجدول زمني ضاغط بإعلانه عزم القوات شن ضربات شديدة القوة تستمر من أسبوعين إلى 3 أسابيع، ملوحًا بكسر المحظور عبر التهديد الراديكالي بقصف "المواقع النووية" التي تقبع تحت رقابة محكمة.

وضع المهلة الزمنية الصارمة يمثل تناقضًا منهجيًا مروعًا مع ادعائه الأول بسقوط النظام، إذ لو كان النظام قد انهار حقًا فلماذا يحتاج إلى ثلاثة أسابيع من النيران غير المسبوقة بميزانيات مفتوحة؟

هذا الخلل البنيوي في الإدارة الأمريكية يشرحه بوضوح تقدير الموقف الذي نشرته منصة War on the Rocks المعنية بالاستراتيجيات العسكرية، والذي أشار بقوة إلى أن الإدارة الأمريكية شنت هذه الحرب بدون خطة واضحة أو استراتيجية خروج مقنعة.

ويتطابق هذا مع تحليلات الخبراء الذين يفسرون وضع المهل الزمنية بأنه مجرد "تخدير انتخابي مؤقت"، يستهدف إعلان نصر سريع قبل أن تصل أرقام التأييد المتهاوية وارتفاع أسعار الوقود إلى نقاط اللاعودة.

إن شن ضربات عقابية والمطالبة بتنازلات ترقى إلى درجة الاستسلام الكامل بدون خطة سياسية قابلة للتحقق، لن يؤدي إلا إلى تعنت طهران ورفضها الرضوخ، مما يضع واشنطن أمام خيارين أحلاهما مر: إما إعلان نصر وهمي والانسحاب، أو الانجرار المفتوح في حرب بلا أفق.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان

نبوءة بزشكيان وكمين التضخم الاقتصادي

لا ينفصل كل هذا التخبط العسكري والسياسي عن أوجاع المواطن الأمريكي اليومية، الذي يكتوي بوهج أسعار البنزين التي قفزت بشكل مخيف.

حاول ترامب التقليل من هول الصدمة واصفًا الزيادة في التضخم بأنها مجرد "زيادة قصيرة الأمد" يحمل وزرها النظام الإيراني. لكن هذه الحجة تهاوت اقتصاديًّا من فورها بمجرد انتهاء خطابه؛ فأسطورة "الاستقلال النفطي الأمريكي" لا تحمي المستهلك من تقلبات الأسواق العالمية.

اقرأ أيضًا: معركة البنزين وفخ بزشكيان.. هل تبتلع "حرب إيران" خطاب ترامب للأمة؟

وما إن أعلن ترامب رفع المظلة العسكرية عن مضيق هرمز، حتى ردت الأسواق العالمية بصفعة فورية، حيث قفزت أسعار خام برنت لتتجاوز حاجز الـ 105 دولارات للبرميل.

هذه القفزة السعرية تؤكد أن السوق أضافت بالفعل "علاوة مخاطر" باهظة على كل ناقلة، لتتحول الأزمة من تعثر مؤقت إلى نزيف دائم يمتص جيوب الناخبين، وهو ما يثبت واقع عسكرة طهران لمضيق هرمز واستخدامه كسلاح اقتصادي فعّال يهدد 20% من إمدادات العالم ولا يمكن لخطابات البيت الأبيض تجاهله.

هنا، وفي قلب هذه الأزمة المركبة، تتجسد ببراعة لغة الكي بالكي في الرسالة المفتوحة الاستباقية التي أبرق بها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قُبيل ساعات قليلة من الخطاب. لقد سددت تلك الرسالة طعنتها في صميم شعار "أمريكا أولًا"، وعزفت على الوتر الحساس للناخب المسالم حين سألت مباشرًة: "أي مصالح تخدمها هذه الحرب حقًا؟".

ويبدو أن وقوف ترامب متباهيًا بواشنطن التي لا تعتمد على نفط الشرق الأوسط، ورغم ذلك تحرق مليارات الدولارات من ضرائب مواطنيها لتأمين حروب إسرائيل وتصفية حسابات إقليمية لا تخدم مصالحها، قد قذف بشعاره الانعزالي نحو الهاوية التامة. وسقط الرئيس بكامل قوته السياسية في كمين الاستنزاف الجغرافي والاقتصادي، بينما لا تزال القبة الحديدية تواصل محاولاتها اليائسة لاصطياد الصواريخ وسط دوي دائم، لا يسع جدران المكتب البيضاوي حجبه أو إنكاره.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان