إعلان

كيف أصبح بوتين المستفيد الأكبر من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؟

كتب : محمد جعفر

03:09 م 06/03/2026

بوتين

تابعنا على

بينما تنشغل الصواريخ الأمريكية برسم خارطة جديدة لموازين القوى في الشرق الأوسط، يراقب القيصر الروسي فلاديمير بوتين المشهد بهدوء من يدرك أن "فوضى الآخرين" هي مفتاح استقراره، ورغم الخسارة السياسية الفادحة برحيل حليفه الأبرز في طهران المرشد على خامنئي، إلا أن حسابات الكرملين الباردة ترى في التصعيد الأمريكي ضد إيران "مكسباً استراتيجياً" يتجاوز حدود المنطقة.

فالحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران تفتح بابًا واسعًا لقراءات جيوسياسية تتجاوز حدود الشرق الأوسط، إذ قد تحمل تداعياتها مكاسب غير مباشرة للرئيس الروسي الذي تتمثل رؤيته للعالم بـ "القوة لا القواعد"، فقد تكون الحرب على طهران طوق نجاة لروسيا من الحصار الغربي، وبوابة خلفية لترسيخ نفوذها في أوكرانيا وعلى أنقاض الوحدة الأوروبية المتصدعة.

في مقال تحليلي لصحيفة فايننشال تايمز، أشارت الصحيفة إلى أن الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران قدّمت للرئيس الروسي فلاديمير بوتين خمس "هدايا استراتيجية" ثمينة، من شأنها إعادة ترتيب أوراق موسكو على الأصعدة كافة.

أولًا: الحرب تعزز سردية بوتين بأن العالم تحكمه القوة

على أبسط المستويات، تمنح الحرب الأمريكية على إيران دفعة قوية للرؤية التي طالما روّج لها بوتين، والقائمة على أن السياسة الدولية تُحسم بالقوة لا بالقواعد.

فإذا اعتبرت واشنطن أن إيران تمثل تهديدًا غير مقبول يستدعي العمل العسكري، فإن هذا المنطق يعيد إنتاج الحجة التي استخدمها الكرملين لتبرير غزو أوكرانيا، ومن منظور موسكو، فإن تحرك القوى الكبرى عسكريًا لحماية مصالحها الأمنية يعزز فكرة أن القوة الصلبة هي العامل الحاسم في تحديد قواعد النظام الدولي.

ويزداد هذا المنطق وضوحًا مع العمليات العسكرية الأمريكية الأخيرة، التي جاءت بعد شهر فقط من إطاحة الرئيس دونالد ترامب بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بضربة عسكرية حاسمة.

صورة 1

وفي حين واجهت محاولة روسيا إزاحة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في بداية الحرب إدانات دولية واسعة، فإن تكرار سيناريو إسقاط القادة بالقوة قد يمنح موسكو مساحة أوسع لتبرير تحركاتها، وبالمنطق ذاته، تستطيع روسيا إعادة طرح روايتها بشأن أوكرانيا، معتبرة أن توسع حلف الناتو على حدودها يشكل "تهديدًا غير مقبول"، تمامًا كما تقول واشنطن إن إيران تمثل تهديدًا لأمنها.

ثانيًا: تحويل الأنظار بعيدًا عن حرب أوكرانيا

يعد تحويل التركيز الدولي أحد أهم المكاسب المحتملة لموسكو، فمع تصاعد المواجهة في الخليج وارتفاع وتيرة الهجمات، يتجه اهتمام واشنطن السياسي والدبلوماسي نحو الشرق الأوسط، وهذا الانشغال قد يؤدي إلى تراجع الضغط الأمريكي على روسيا في ملف أوكرانيا، خصوصًا مع دخول الحرب عامها الخامس.

وقد أكد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن موسكو لا تزال "منفتحة" على محادثات السلام التي ترعاها الولايات المتحدة، رغم تقارير أفادت بإمكانية انسحاب روسيا إذا رفضت كييف التخلي عن أراضٍ في دونباس، كما بدأت تداعيات الحرب الجديدة تؤثر بالفعل على مسار المفاوضات، فقد أشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى أن توقيت ومكان الجولة المقبلة من المحادثات سيعتمدان على الوضع الأمني ومستوى "الفرص الدبلوماسية الحقيقية".

صورة 2222222

وفي ظل انشغال الولايات المتحدة بأكثر من جبهة، قد يتباطأ الزخم السياسي والعسكري الداعم لكييف، وهو ما يمثل ميزة واضحة لموسكو.

ثالثًا: ضغط على المخزونات العسكرية الأمريكية

يحذر مسؤولون من أن المخزونات الأمريكية من الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي تراجعت بالفعل نتيجة العمليات العسكرية الأخيرة، ويواجه البنتاجون معضلة معقدة، إذ إن الأنظمة نفسها المستخدمة لحماية القواعد الأمريكية من الهجمات الإيرانية المحتملة تُستخدم أيضًا في الدفاع عن أوكرانيا ودعم إسرائيل.

وفي حال استمرار التصعيد في الشرق الأوسط، فقد تضطر واشنطن إلى تحديد أولويات توزيع هذه الأسلحة المحدودة، وهو ما قد يؤثر على حجم الدعم العسكري المقدم لكييف.

رابعًا: أسعار النفط.. المكسب الاقتصادي الأكبر لروسيا

ربما يكون العامل الاقتصادي هو الأكثر وضوحًا في مكاسب موسكو المحتملة، فمع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ارتفعت أسعار النفط العالمية وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من صادرات النفط العالمية.

وقد اقترب سعر خام برنت بالفعل من 85 دولارًا للبرميل، بينما يحذر محللون من أن أي تعطّل خطير لحركة ناقلات النفط قد يدفع الأسعار إلى 100 دولار أو أكثر.

صورة 3

وفي هذا السياق، كتب مبعوث الكرملين كيريل ديميترييف على منصة "إكس": سيصل سعر برميل النفط إلى أكثر من 100 دولار قريبًا"، ويعني ارتفاع الأسعار زيادة مباشرة في إيرادات الطاقة الروسية، في وقت تضررت فيه هذه العائدات بسبب العقوبات الغربية، فروسيا تصدر نحو 5 ملايين برميل من النفط الخام يوميًا، وتحقق أرباحًا أكبر كلما ارتفعت الأسعار العالمية، حتى مع بيع النفط بخصومات.

وفي حال تعطلت إمدادات الخليج وتأثر النفط الفنزويلي أيضًا، قد يتجه كبار المشترين مثل الهند والصين إلى زيادة مشترياتهم من النفط الروسي، وهو ما قد يضعف تأثير العقوبات الغربية ويساعد في تمويل المجهود الحربي الروسي في أوكرانيا.

خامسًا: انقسامات محتملة داخل المعسكر الغربي

أثارت الضربات الأمريكية على إيران توترات داخل المعسكر الغربي، خصوصًا في ظل شعور بعض القادة الأوروبيين بأنهم لم يُستشاروا بشكل كاف قبل بدء العمليات، قد انتقد ترامب علنًا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بسبب موقفه من إيران، قائلًا إنه يشعر "بخيبة أمل كبيرة" تجاهه.

وأي صراع طويل قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات داخل حلف الناتو، وتقويض الوحدة الغربية التي تشكلت حول دعم أوكرانيا، وبالنسبة لموسكو، فإن حلفًا غربيًا منقسمًا ومضطربًا يمثل بيئة مثالية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

فرصة جديدة إذا تعثرت واشنطن

إذا طال أمد الحرب أو فشلت الولايات المتحدة في تحقيق نتائج واضحة، فقد تتضرر مصداقية واشنطن في الشرق الأوسط، فالنفوذ الأمريكي في المنطقة يقوم على القدرة على التحرك السريع والحاسم، أما حرب طويلة أو رد إيراني مستمر فقد يثير شكوكًا لدى شركاء واشنطن حول استراتيجيتها.

وفي هذه الحالة، قد تجد روسيا والصين فرصة لتوسيع نفوذهما في المنطقة وتقديم نفسيهما كشريكين بديلين.

ما الذي قد تخسره موسكو؟

رغم هذه المكاسب المحتملة، لا تخلو المعادلة من خسائر لروسيا، فإيران كانت أحد أقرب حلفاء موسكو في الشرق الأوسط، وقد زودت روسيا بأسلحة استخدمتها في حرب أوكرانيا، كما وقعت معها اتفاقية شراكة استراتيجية لمدة 20 عامًا العام الماضي، وقد يؤدي إضعاف إيران إلى تقويض هذا التحالف.

وبعد وفاة خامنئي، قدم بوتين "تعازيه الحارة" وأدان ما وصفه بـ"جريمة قتل بشعة"، في إشارة تعكس دعم موسكو لطهران، لكنها تكشف في الوقت ذاته حدود القدرة الروسية على حمايتها.

صورة 4

المكسب الحقيقي لروسيا.. الوقت

بالنسبة للكرملين، لا يتمثل السيناريو المثالي في انتصار إيراني حاسم، بل في تورط أمريكي طويل في الشرق الأوسط، فأزمة ممتدة تستنزف موارد واشنطن، وتشتت تركيزها، وتثير الخلافات داخل معسكرها، قد تمنح موسكو المساحة التي تحتاجها لمواصلة حربها في أوكرانيا.

وفي نهاية المطاف، قد لا تكون أعظم هدية تقدمها هذه الحرب لروسيا الأرض أو التحالفات بل الوقت.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان